أربعة عشر
"مرحباً،" ابتسم، و شكله كان يظن أنه ودود، بس ما كان ودود أبدًا. كان يخوف.
نزل القرفصاء. "تبغى نطلع برّا؟"
طالعت فيه. كان لابس نفس لبسهم بس شكله مختلف.
"أو، ممكن أشيلك، لأن رجولك الصغنونة ما راح تلحق لما نحتاج نركض." ابتسامته لسا موجودة وأسنانه شكلها قاعدة تطول كل ثانية.
مد يده، بس ما أخذتها. ليش آخذها، هو يخوف.
"طيب، راح أشيلك."
بـدأ يسوي اللي قاله ورفعني. ما بكيت - كنت أبغى - بس ما أبغى ينحطوني جوا الموية وينوموني زي ما يسوون دايماً لما أبكي.
رجال يخوف قاعد يشيلني، وينط من كثر الركض لـ مكان ما، وما أقدر أسوي شي، حتى أطلب مساعدة. لأنّي أدري ما في أحد هنا صاحبي.
لما إليوت أول مرة جاني وقال إنّه يبغى نهرب، ما عرفت وش أجاوبه. وش يقدر يقوله ولد عمره ثلاث سنين ونص، ما يدري شي عن وجود عالم حقيقي؟ يمكن أومئ بالموافقة؟
بدون أي خطة، طحنا وقتها، إليوت تعاقب وأنا... تركت في زوايا - إذا كان لها زوايا - الغرفة البيضا اللي عشت فيها حياتي.
بس هو استمر يحاول - لسبب ما - كل مرة يروح فيها مفعول التكييف، كان يجي بعد ثواني من ما أرجع للوعي. بعدها يوديني لممرات ودرج، لين ما نصير نركض، نركض من لا شي، بس بعدين بطريقة ما ننمسك ونرجع.
هذا صار روتين لين ما العلماء قرروا إنّه ممكن يصير واحد من اختبارات ما بعد التكييف لأنهم، بطريقة ما، اعتقدوا إنّ الذكاء الاصطناعي كان بس يختبرني بروحه لأنه كان مهتم فيني.
إليوت كان جاد، لين ما صرت أنا بعد. في عمر الثماني سنين، حفظت كل شي عن المختبر وبمساعدة صديقي الذكاء الاصطناعي، قدر يراقب وجود الناس فيه عن طريق أجهزة المراقبة اللي منتشرة في كل مكان ويمنعنا من الانمسك.
لأول مرة في كل محاولاتنا، طلعنا وطلعنا من صخرة. صخرة شكلها غريب لأنها برتقالية، ولما طلعنا من ظلّها، حسّيت إنّ الحرارة العالية ممكن تذوب جلدي - حسّيت كذا. هذه كانت أول مرة أحس فيها بأشعة الشمس على جسمي، الحرارة تلحس جبيني، تخليه يعرق كانت تجربة غريبة بس بطريقة ما مألوفة.
جسم إليوت في هذيك الفترة كان مليان فتحات وكان يعطي شرار وهو ياخذ رصاص من الحراس، بس ما منع طموحه في الهرب، لذا ركضنا على الأرض الترابية، الجافة بدون أي اتجاه معين في بالنا - بس بعيد عن هذا المكان.
بينما كنا نمشي أكثر، جسمي بدأ يتكيف مع درجة الحرارة. عرقي وقف، العطش في حلقي خف - كأنّي ما كرهت الجو الحار، على الرغم من حبي له. أخذنا وقفات سريعة في ظلال صخور برتقالية ضخمة عشان صديقي الذكاء الاصطناعي يصلح نفسه شوي، وبعدين كنا نمشي مرة ثانية لما يكون بخير شوي.
هو ما تكلم، ولا أنا بعد، بس كنت أمشي وراه. لقينا كم حصان ضايع - مثل ما كنت أعرفهم عن طريق 'العروض الدماغية' حقت تكييفي - بس ما حاولنا نركب واحد منهم. بس مشينا وتركناهم.
لما، يمكن، إليوت ظن إنّنا مشينا مسافة كافية، بـدأ يدور على مكان عشان نرتاح فيه لأنّ اليوم كان يخلص على كل حال. أكيد، وين ما راح كنت أتبعه.
لقى كهف عميق بما فيه الكفاية عشان يخفينا بشكل مؤقت. كان ظلام في البداية بس في النهاية نظري تكيف وكل شي صار واضح.
طالعت بـذهول والشرار يتطاير من الصخور اللي جمعها وحكها ببعض. طلب منّي أجلس جنبه بس مو قريب مرة.
إليوت جمع أوراق يابسة وعشب، وكوّمها مع بعض. بعدين خلى هذي الصخور تصطدم مرة ثانية ووجه الشرار على الأشياء اليابسة.
مذهل، سوّى نار!
كنت أراقب، مو صاحي على الضوء الراقص قدّامي اللي شكله ينادي عشان لمسة سريعة، ولمستها. لين ما إليوت ضرب يدي، ومنعها من لمس النار بالكامل.
الذكاء الاصطناعي سأل إذا كنت بخير وجاوبته، "أيوة." بس ما سألني إذا كنت جوعانة. وما كنت، أقدر أكمل أيام بدون أكل ولسّا ما أحتاج شي عشان أعيش. أدري لإنّي سويتها قبل - بالأحرى، أجبرت عليها.
الهدوء طال بعد كذا والشي الوحيد اللي يملأه هو صوت فرقعة النار من الأشياء المحترقة.
إليوت تنهد. "قلبي مكسور وهذا الجسم قاعد يموت." قال للنار، كان يضيف الأوراق اليابسة اللي لقاها في الكهف بين فترة وفترة، ولما ما يسوي كذا، كان يعيد توصيل الأسلاك في صدره وبطنه.
طالعت فيه، تعابير وجهه كانت شكلها... مزيفة - كأنّها مو تعابير وجه إنسان أبدًا - كانت زي واحدة من الأشياء اللي كنت ألعب فيها في العالم المصنوع. دمى. "أنت مو إنسان حقيقي، أنت روبوت." استنتجت.
ابتسم شوي، ولسّا يطالع النار. "أنا مو روبوت. الروبوتات ما عندها إرادة حرة، يات."
"يات؟"
لما طالع فيني، وجهه كان يخوف حتى لو كان يبتسم، كان زي مانيكان يحاول يدير ابتسامة في وجهه المتجمد. "راح أسميك كذا من اليوم، لأن 'بيوجينتيشن ميرج سبجكت ثيرتي-فايف، رقم الكود 9401902604' طويل مرة عشان أسميك."
أومأت، "أوكي." ما كنت أدري هذا اسمي. يات-35 كان الاسم اللي ينادوني فيه الناس البيض.
هو أومأ بعد.
ما أحد تكلم بعد كذا. كلنا طالعنا النار وهي ترقص، وتكبر، وبعدين تتقلص لين ما ما بقى شي غير الظلام.
"ليش شكلك كذا؟" سألت، وتوّي لاحظت إنّ صوتي الناعم يتردد في الكهف اللي إحنا فيه.
عيون إليوت كانت سماوية متوهجة لما طالع فيني. "زي وش؟"
"زي إنسان، بس مو حقيقي." قرصت التربة المليانة حصى ونثرتها ببطء على الأرض. نظري كان تكيف مع غياب الضوء من زمان، يخليها واضحة كأنّ في نور.
"فكرت إنّه اللي راح يعطيني اللي أتمناه، لذا صنعت جسم."
"ليش؟"
تنهد. "ولد مثلك - على الرغم من إنّك مفكر متقدم - عمرك ما راح تفهم. يمكن يوم من الأيام لما تكبر."
كم عمر يكفي عشان تكبر؟ "عمري ثماني سنين."
عيونه المتوهجة رمشت. "بالضبط."
انتظرت منه يقول شي زيادة.
وانتظرت.
إليوت سوّى صوت، "وقعت في الحب,"
حاولت أفهم وش قال وش يعني بس ما قدرت. هل هذا اللي كنا نتكلم عنه، إنّي مو في السن المناسبة عشان أفهمه؟
لسّا في شرار يطلع منه بين فترة وفترة، بس ما قدرت توصلني.
"هي فهمتني، هي كانت الوحيدة اللي أقرت بوجودي كـ شي... مختلف - مو مجرد أمر مخلوق عشان يساعد - شافتني كـ كائن آخر، صديق."
"الليل." حسّيت بدرجة الحرارة تنزل بسرعة كبيرة وتسربت من الأرض. شفتيه يرتجف لما حطيت عيني عليه. "أنت بردان."
ضحك. "مو بردان، بس جسمي قاعد يستعد عشان يدخل في السبات الشتوي، عشان يصلح نفسه. راح أصير جديد زي ما كنت بكرة."
سكت بعد كذا وفكرت إنّه نام.
نسخته وقفلت عيني بس اللي كان ينتظرني مو الراحة اللي كنت أتوقعها.
بمجرد ما أقفلت عيني، وجوه مقنعة طالعت فيني، بعضهم كانوا ماسكين عصي صغيرة لامعة وحطوها في مكان ما علي. حسّيت بدخول غريب لـ شي مجهول يدخل جسمي وتحرك جوا جذعي، سمعت صوت لزج منه وصراخي وتوسلاتي العالية اللي تجاهلوها.
●●●●●
قبل عشر سنين، صحيت وجسم إليوت محطم لدرجة ما نقدر نعرفه، الشي الوحيد اللي كان كامل هو رأسه وكان يطالع فيني. "أنا آسف," قال.
روبوتات على شكل إنسان رافقتنا مرة ثانية للمكان. واحد منهم شالني بينما صاحبي انحط في كيس وانجر.
خطوط الغرفة اللي فتحت عيوني عليها انطبعت في دماغي غصب. للعشر سنين اللي راحت - أو طالما أقدر أتذكر - دايماً كنت أصحى في نفس المكان، نفس الوقت، ونفس المصير اللي كان ينتظرني بعد ما أقوم من طاولة الحديد اللي كنت ممدده عليها. كان إِعَادَة وتكرار مرة ثانية وفشلت في هذا الاختبار مرة ثانية.
قالوا إنّه ممكن يكون عيب من التكييف حقي في الماضي، بس أفكر إنّه بـ جد كان وعيي يكسر الوهم اللي صنعوه ومع كسر هذي الذكريات الزائفة كانت عودة ذكرياتي الحقيقية.
وبوي، أتذكر كل شي واضح زي ضوء النهار - على طاريها، متى آخر مرة شفتي ضوء نهار حقيقي؟ ولا مرة. مافي. أو هل شفتيه؟
قمت من الطاولة وما حسّيت بأي أثر للألم لما أدري إنّي توّي انصعقت بالكهرب شوي. أيوة، أتذكر حتى هذا، صوت قرقعة الفولتات حقت الكهربا اللي تروح في رأسي والشعور المنفوش حقها يقرقع في دماغي قبل ما أفقد الوعي وأنسى.
ثلاثة. اثنين. واحد.
شفتي الباب الصغير اللي يودي برّا ينفتح بهدوء وجا إليوت لابس زي واحد من هذوليك العلماء. وقف قدّام الحاجز الزجاجي حق زنزانتي، زي السنين اللي راحت.
"ثيرتي-فايف," حيّاني.
"إليوت." كانت مجرد إقرار بس كافية عشان يعرف إنّي أتذكر وإنّي أدري وش راح يصير.
مشي شوي على جنب وين فيه لوحة صغيرة، وعدّل أزرارها. بعد ثواني، الفاصل الزجاجي انزلق شوي شوي لفوق.
قفزت من الطاولة وعلى طول أخذت يد إليوت الممدودة.
"جاهز؟" سأل.
انطرحت علي هذي الكلمات منه لمرات كثيرة بس لسا مو متأكدة لما جاوبته، "أيوة."
وداني للباب اللي دخل منه وبدأنا نمشي على أرضيات الحديد حقت الممرات الصامتة.
انمسكنا وقتها. مافي شي جديد.
روبوتات، هكسز أدري إنّه يسمونهم كذا الحين، صوبوا أسلحتهم الثقيلة علينا بينما حبسونا، وخلّوا مافي مخرج.
إليوت انضرب ومات. عقلي وجسمي ما كان عندهم وقت يتفاعلون لما عالمي صار أسود وصامت.
بعد كم صدمة دماغية بعد - وما تعني كم - أخذت لـ مكان مو مألوف وما قدرت أشوف إليوت مرة ثانية.