من القلب إلى القلب
سفينة "هانا ماليا" الحربية،
بحر إيليدريا، شرق قارة إيليدريا
2420 بعد الصعود العظيم.
إيليدريا كانت مصدومة من قدرة كيليون على الهروب من حشد الجنود الفضوليين. بدا عليهم الإحباط بعض الشيء بسبب تكتيكه، لكنهم أطاعوه على أي حال.
أما الجندي الآخر. الشخص اللي جه معاها، وفى بوعده واختفى بمجرد ما وصلها لكيليون. دلوقتي، ما فيش غيرهم هم الاثنين. بيمشوا في ممرات السفينة الحربية الضخمة. منظر غريب شوية ليها، اللي عمرها ما طلعت على متن سفينة زي دي قبل كده.
أصلا ازاي ممكن تعمل كده، لما العظماء كلهم ما بيحتاجوش ده؟ أي نوع من وسائل النقل كان هيبقى غير مجدي، خاصة إن سرعتهم وكفاءتهم عمرها ما هتوصل لسرعة العظيم اللي بينبض بالفضيلة.
كان فيه كمان بوابات. مداخل قديمة كانت بتستخدم للمهام الأقل أهمية، وعلى أي حال، بسبب طبيعة المدينة، الحاجة للمواصلات كانت دايماً قليلة.
لأنه، كان فيه قيود سفر مفروضة بالقانون أو بسبب انهيار سقالات المدينة، وكمان، بسبب ضباب الحاجز، ما كانش ممكن نسافر للرياح الأخرى. في الوقت الحالي، العظماء بس هم اللي يقدروا يطيروا أو يحوموا، والبوابات كانت مقتصرة على اللي من مجد كبير وفوق، وداخل الرياح الشرقية بس.
لذلك، التواجد في سفينة زي دي كان بحد ذاته مكافأة، ولولا شبح الفشل اللي لسه طاغي عى راسها، إيليدريا كانت هتسميها مغامرة، وكمان كانت هتتحمس شوية ليها. لكن دلوقتي، رؤية كل المناظر الجديدة دي جابت الدموع بس لعيونها، حتى وهي بتأكد على اللي ما كانتش مستعدة تتقبله.
إنها مش ممكن ترجع للبيت، وإن كل علاقاتها السابقة، سواء كويسة أو وحشة، ضاعت هي كمان.
شهقت وهي بتقول الكلام ده لـ كيليون بعد ما حكت كل اللي حصل معاها للغريب اللي أنقذت حياته، واللي بقى مسؤول نوعاً ما عن حياتها هي كمان.
"وده اللي خلاني أكون هنا. الباقي، أنت عارفه بالفعل." نفضت خصلات شعرها الطويلة اللي بتوصل للفخذ وهي بتبص بعيد عن منظر المحيط اللي بيلف بره، عشان تبص تاني على الكابينة الصغيرة اللي كيليون كان بيحاول يستوعب شوية تفاصيل من قصتها.
ابتسامة صغيرة ظهرت على شفايفها، تأمينها الخاص ضد الدموع اللي حتى الآن كانت بتهدد إنها تنزل على خدودها اللي لونها بني فاتح.
المرة دي نجحت في المهمة، وحتى وهي بتبص تاني على شكل الجندي الرشيق اللي كان متكي على مكتب في أبعد ركن في الأوضة، ما قدرتش غير إنها تشكر النور على حظها الحلو.
أيوة، فيه حاجات كتير غلط، لكنها كمان عايشة وبخير، ومش بس إنها عرفت توصل له، لكن كمان، لاقته مستعد جداً إنه يساعدها في موقف يائس شوية.
الأوضة دي كانت كابينة القبطان. مساكن معيشة كانت بسهولة الأكبر على متن السفينة الحربية الضخمة دي، واللي هو كان مستعد يسيبها على الرغم من إن ده كان بيضايق واحد من الجنود في طاقمه اللي حجمه متوسط.
طبعاً، كيليون تجاهلها. تجاهل نظراتها الحزينة والاحتجاجات اللي أكيد كانت على طرف لسانها الحاد، زي ما عمل لمدة خمسة عشر سنة وهي بتكبر معاه.
كان عارف كويس إنها ممكن تكون بتمتلك شوية. بفضل الترتيب الصغير اللي مامته، في لحظة جنون، وافقت عليه. وقتها، كان اهتمامها يبدو غير مؤذي بما فيه الكفاية، وحتى مؤخراً اعترف إنه سمع لبعض من نوبات غضبها، لكن دلوقتي، بعد الموضوع ده مع إيليدريا، الأمور أكيد هتختلف، وهو أملانها تعرف ده أخيراً.
كيليون مدين لإيليدريا بحياته، وبناء عليه، هو مدين لها بكل شيء. لأنه من غير تدخلها، هو عارف، إنه كان زمانه مات. بيطفو في مكان ما في بحر بعيد أو في قاع المحيط، زي ما ناس كتير بتقول عشان يبقى أكل للسمك.
هي اللي أخدت المخاطرة وأنقذته، وهي عارفة إنها لما عملت كده، هي بتكسر قوانين بيتها، وعشان كده، هي عرضت حياتها للخطر وانتهى بها الأمر مطرودة من البيت الوحيد اللي عرفته.
"أنا آسف جداً إيليدريا، إنك عشان تنقذيني اضطريتي تروحي لكل المشاكل دي." غمغم وهو بيبص تاني على هالة ظلها الداكن اللي بتنورها أشعة الشمس الساطعة في منتصف الصبح اللي بتدخل من بره.
"أرجوك ما تكونش كده." جاوبت بلطف. "ده كان اختياري، والحاجة المضحكة هي، أنا أعتقد، لو أديت فرصة تانية إني ممكن أظبط الأمور، غالباً كنت هعمل نفس الشيء تاني. يمكن أنا بكون أنانية في تفكيري بالطريقة دي، بس ما أعتقدش إنني كنت هقدر أسيطر على نفسي أو أعيش مع نفسي عشان كده، وأنا عارفة إنني كنت ممكن أعمل حاجة وما عملتهاش. ليونيل و المجلس مش موافقين على ده طبعاً، بس ازاي ممكن أشرح لهم إن بالتدخل وإنقاذك، حسيت إني بعمل الشيء الصح؟"
على أي حال، هي اتصرفت من غير ما تفكر. كان اندفاع. حاجة حتى هي كانت متفاجئة إنها قادرة تمتلكها، وإن حقيقة إن البوابات ما منعتهاش، ألا يعني إنها القدر؟ إلا إذا، ليونيل الأكبر كان له يد في الموضوع… أيوة، دلوقتي ممكن تشوف ده. أكيد لازم يكون هو، بس هل ممكن يكون خطط للموضوع ده عشان تطيح بلحظة ما جت فيها وحوش وينز ومعاها كيليون في إيديها؟ أو إنها حاجة كان سابها بالطريقة دي عشان يغريها؟ بما إنه كان بيسجل المكان، أكيد كان طرف في حواراتها عن البشر. لكن لسه، ازاي كان ممكن يعرف إلا إذا كان عنده طريقة للتنبؤ؟
"طيب، لسه آسف إيليدريا إنهم ما قدروش يشوفوا الموضوع بالطريقة دي." كيليون وقف وابتدى يتحرك تجاهها. "بس أنا ممتن جداً إنك قررتي تتجاهلي كل قواعد شعبك بس عشان تتأكدي إني ما أفقدش حياتي التافهة. أنا منبهر إنك قدرتي تعملي كده على الرغم من العواقب، وبناء عليه، اسمحيلي أدلعك. أنا عارف إني ما أقدرش أبدأ أدفعلك مقابل حياة كده غالية جداً. على أي حال، أنا ممكن أبذل قصارى جهدي عشان أحاول أخلي إقامتك هنا مريحة، وبناء عليه، أنا أحب أهتم بكل حاجة. أكلك، إقامتك، وأي حاجة تانية ممكن تحتاجيها."
"أتجاهل قواعد شعبي؟"
ضحك في المقابل.
"على أي حال، أرجوكي تسمحيلي أكون المزود لكل ده. أنا متأكد إن أمي ووجدتي العجوز، بعد ما يسمعوا قصتك، هيكونوا أكثر من مستعدين يستقبلوك في كوخنا الصغير. لو مش كده، دايماً عندنا "هاب"…" ابتسم. "مش مريح أوي، بس-"
**********
"أ...أنا..." قالت متلعثمة لثانية وهي بتخنق الدموع اللي اتحبست لغاية دلوقتي.
"يا...يا...أنا آسف." الراجل فهم غلط حتى وهو بيقرب منها أكتر. "أنا آسف إنك دخلتي في كل المشاكل دي عشاني." أخدها بالحنية، وهو بيمد إيده عشان يمسكها. مسك دراعاتها في اللي هو غالباً مؤمن إنه إيماءة مريحة، لكن كانت حاجة غريبة جداً على إيليدريا.
كعظيم، التواصل بين أعضاء نفس الجنس كان قليل جداً، ناهيك عن بين الجنسين المختلفين. هي دايماً كانت بتستقبل أحضان من أصحابها، بس ده كان بس لأن علاقتهم كانت غريبة. علاقة ما بتمثلش الأغلبية. لذلك، إنها تستقبل رحمة من شخص غريب تماماً وبشري كمان، بدا إنه كتير عليها عشان تستوعبه.
"ده...ده مش كده." قالت وهي بتنفض الدموع التانية اللي نزلت من عيونها الفضية المتوهجة. "زي ما قلت، أنا مش شايلة أي ندم إني أنقذتك. حسيت إنه صح في اللحظة، ولسه هعمل كده تاني على الرغم من كل حاجة مريت بيها بسبب ده." أضافت وهي بتضيف إن دموع أكتر استمرت في التدفق من عيونها المتوهجة دلوقتي. لغاية وقتها، هي كانت قدرت تحافظ على هدوئها، بس معاملته ليها قلبتها، وده خلاها تنهار عشان مشاعرها كانت بتتقطع من أفعاله اللطيفة المختلفة.
"يا، يا! ما تعيطيش. أنا سعيد إنك بتحسي بالطريقة دي لأن الحياة أكيد أحسن من الموت." الراجل حاول يمزح وعلى الرغم من مزاجها الكئيب، إيليدريا لاقت نفسها بتضحك ورا ستارة من الدموع. "أنا عارف إن بيثيسدا مش كويسة زي مدينتك صح؟" كملت وهي بتومئ في المقابل. "بس مرحب بيكي هنا، وأنا بأكدلك إن محدش هيحاول يطردك. طيب، فيه الرعب اللي بيحاولوا يسحبونا من الأرض دي لمدة أربعمية سنة تقريباً، بس غير كده، أنا بوعد، محدش تاني هيحاول يعمل كده."
حاولت تبتسم، بس بدال الابتسامة، دموع جديدة نزلت من عيونها، متأثرة بالعرض النادر من اللطف من واحد من عرق مفترض إنه بدائي ووحشي جداً. مين البدائي دلوقتي؟ ما قدرتش غير إنها تتساءل. إيه هي طريقة قياس الوحشية؟ هل المقاييس دي غلط؟ هل ده معناه كمان إن فيه حاجات تانية العظماء كانوا غلطانين فيها؟
"أرجوكي... ما تعيطيش." طلب. "المفروض إنها كانت مزحة." أضاف بيأس. 'لطالما كان عندي نفس في الجسم ده، هحاول أبذل قصارى جهدي عشان أتأكد إن ما يحصلش ليكي أذى."
دموع أكتر نزلت و كيليون لاقى نفسه بيحس بالصدمة من المشهد اللي كان بيحصل قدامه. إيه اللي المفروض يعمله مع أنثى بتبكي؟ على الرغم من إن عنده أم وجدة، هو حقيقي ما عندوش خبرة مع الستات الصغيرين، وبناء عليه، هو ما يعرفش إزاي يتصرف لما بيشتغلوا بالطريقة دي. إيه السبب عشان يفسر سيل الدموع المفاجئ اللي انفجر من عيونها؟ إيه حتى المفروض يعمله؟ فكر وهو بيفكر في إيماءات مواساة لموقف زي ده.
كانت وجدته هتعمل إيه؟ فكر تاني، وهو بيكتم الاقتراحات اللي عقله كان لسه مديها له. دول ما ينفعش يوثق فيهم، لكن حتى وهو بيبحث في مخه عن إجابة أحسن، لاقى إنه بيجيبش أي حاجة، وبدل ما يعمل ولا حاجة، كيليون عمل الشيء الوحيد اللي دلوقتي كان ممكن يفكر يعمله.
"يا للخراب..." تمتم وهو بيحضنها في حضن مواساة، وهو بيبعد كل سبب وجيه وعقل سليم قدمهم عقله عشان يمنعه من إنه يعمل كده. حتى وهو بيعمل كده، عيون كالا المليانة بالغيرة واللي بتفيض بغضب وحقد مليت عقله، بس هو بسرعة قمع الأفكار دي وحضن البنت أكتر.
"أنا كويسة دلوقتي. ممكن تبطل تضغطني." بعد حاجة، إيليدريا ضغطت من ذراعيه وهو احمر خجلاً وهو بيترنح لورا، مصدوم من اللي لسه عمله.
"آسف." ابتسم بغرابة، مرعوب إنها لاحظت عرضه الغريب للعصبية.
"عادي... أنا كنت بس بمزح بالمناسبة. أنا ممتنة جداً على كتف أعيط عليه، وببعض الطرق أنت حتى بتفكرني بأصحابي." قالت وهي بتمسح آثار دموعها الأخيرة من حوالين عيونها. زي السحر، كلامها هدّأه. مسح على طول حرجته وفي لحظة، هو رجع لنفسه اللي بيضحك تاني.
"أصحابك؟"
أومأت برأسها.
"هم زي أخواتي. الأخوات اللي عمر ما كانش ليا يعني."
"يبقى هي بتخطط تشوفني كأخ؟" كيليون فكر وهو بياخد الكلام اللي شوية كان مربكه. هو كان سعيد إن ده معناه إنه مميز، بس كأخ؟
"أخ؟" جرب الكلام في عقله وكمان على لسانه. "طيب، أنا عمري ما كان عندي أخ أو أخت وأنا بكبر، بس مرة كان عندي أصحاب مقربين." قال وهو بيتذكر أصحاب طفولته، هونتو وتينيرو. "عشان أكون صريح الجنود زي عيلتي، بس مش قريبين أوي عشان نشارك كل حاجة."
إيليدريا أومأت في فهم.
"ده اللي بتدور عليه؟" سألته والمرة دي هو اللي أومأ برأسه. "طيب... أنا عندي أخوات وهم إلى حد كبير... مزعجين لعدم وجود كلمة أحسن، فمش عايزة نوع العلاقة دي. بس الصداقة كويسة زي ما هي أعظم كنز كان عندي في حياتي."
"أنا أتفق." وافق على طول. لسبب ما، لاقى نفسه مرتاح بالاستنتاج ده. سبب لسه ما اكتشفوش. على أي حال، هو ما فكرش في رد الفعل ده كتير. لأنه في اللحظة دي، هي ابتدت تطارده، وهي بتمليه بالأسئلة عن عيلته وهل هما بالفعل هيتقبلوها ولا لأ. لازم تكون حاسة بالعصبية وهو فهم إنه كمان كان هيحس كده لو كان مكانها. عشان كده، هو راح عشان يخفف خوفها.
"ده أنا بس، ومامي ووجدتي، وأنا متأكد إنهم هيفرحوا بيها. هم عايشين في الكوخ الصغير ده، غرب بيثيسدا. مش كتير، بس مريح أوي. فيه ورود، عدة حدائق..." قال وهو بيعد كل الحاجات اللي هو فكر إن البنت بتحبها حتى وهي بتقاوم أفكارها الخاصة. أفكار كانت موجهة لإنها تخليها تستعيد ذكريات بيتها هي في المدينة.
عقلها راح لـ موريلا و سيجيرا حتى وهي بتتساءل هما عاملين إيه وإزاي أخدوا خبر طردها. إيه اللي فكروا فيه عن اللي حصل معاها؟ هل حتى عرفوا؟ هل الشيوخ قالولهم؟ الخبر أكيد انتشر لغاية دلوقتي. على أي حال، كان فيه مجموعة من أقرانها حاضرين عشان يشهدوا على محاكمتها.
الأفكار دي ما كانتش مفيدة هي لخصت أخيراً وهي بتتعرف على حزنها المتزايد. التفكير فيها بس هيولد الاكتئاب. لذلك، هي تجاهلت الأفكار دي ورجعت لـ كيليون اللي لسه كان خلص تصويراته. للحظة، نظر لها باستخفاف وهي تساءلت إذا كان أخيراً واعي إنها ما كانتش بتسمع. إزاي هتاخدها؟ تساءلت وهي بتلاحظ التجهم اللي دلوقتي تكون على وشه الوسيم إلى حد ما.
"آخر مرة أكلتي فيها إمتى؟" وكأنها بتوافق عليه، معدتها قرقرت. إيليدريا بصت بعيد ف إحراج وكيليون ضحك على تعبيرها المحرج. "خليكي هنا. هجهزلك حاجة." مد إيده لمقبض باب الكابينة قبل ما يضيف. "فيه دش من خلال الباب ده، وكمان ما تتردديش إنك ترتاحي. الأوضة دي كلها دلوقتي ليكي."