12- كلمات فارغة
مش عارفة أثق في كلام مين تاني خلاص."
******
اتجهزت، ولبست أحسن لبس زي ما شيطان نفسه أمرني. بعمل كل حاجة صح عشان ما أغضبهوش و ما اديهوش أسباب أكتر إنه يظهر غضبه.
فطرنا، هو قعد شوية، مستني أهله يجوا يرحبوا بـ إيلين مراته، وده مش عاجبني.
بس كنت متضايقة، لو هو كده، يبقوا أهله وحشين ازاي؟ أكيد واخد الصفات دي من حد… مش كده؟ مش معقول هو الوحيد القاسي هنا، مش كده؟
أو يمكن دي مواساة لنفسي، إن لو كلهم زي بعض، يبقى لازم أتكيف مع الوضع ده عشان أعيش وأهرب.
بس، لو ما كانوش كده، لو هو الوحيد الشيطان هنا، يبقى أنا هتهلك للأبد.
بردت من الفكرة، هزيت راسي عشان أخرج من عالمي البائس.
"في إيه؟" نادى سيباستيان، و هو ملاحظ الرعب على وشي.
"ماعملتش حاجة المرة دي." قال، و هو مستغرب من ردة فعلي.
"أهلك…" همست، و أنا بوطي نظري بخجل.
"ما تضايقيش. أكيد مش زيي. قولتلك، جايين يواسو فريستي." فريستي… مش مرات، ولا حاجة غير فريسة.
ابتسم باستهزاء بس ده زود خوفي. هو الوحيد. مافيش مفر.
فضلنا كده. كل ثانية كانت طويلة بشكل شيطاني في وجوده المتسلط، قاعد مسيطر و رجله فوق رجل، و هو ماسك موبايله.
الوقت كان بيمشي بطيء أوي، ما قدرتش أفكر، ما قدرتش اتحرك، بس لحسن الحظ، أهله جم.
ما شكلهوش خطر زي هو، شكلهم طيبين، بس قلقانين أكتر.
سيباستيان و أنا قمنا، و صوابعه الكبيرة مسكت خصري كويس، و ده خلاني أرتعش شوية، خصوصاً لما راسي كانت يا دوب فوق كتفه.
طوله الزيادة زود خوفي.
"إيلين، دي أمي، ميليسا، و ده أبي، ألبرت." سلم ببرود و قلة اهتمام، و هو بيمسح حلقه.
"مـرحبا." اتلعثمت، و أنا بغصب ابتسامة، و هم بيردوا السلام. متوترة من إيده اللي ماسكاني بيها.
"إزيك يا حبيبتي؟" قال السيد ستيليوس برقة.
"كويسة." رديت بخجل.
"ياي، إنتي جميلة أوي." قالت السيدة ستيليوس، و هي ماسكة دراعي و بتشدني ناحيتها، و ليه حاسة إنها عملت كده عشان لاحظت قلقي؟
كنت شايفة سيباستيان مكشر من اللي بتعمله، يعني هي عرفت اللي حاسة بيه.
ابتسمت، و هي بتحط إيديها على خدودي، متجاهلاه، "إنتي عسل."
"شـكراً." اتلعثمت، و أنا ببص على سيباستيان اللي كان متضايق بوضوح، بس قبل ما يقدر يعمل أي حاجة، السيد ستيليوس طبطب على ظهر سيباستيان.
"يلا نروح الشغل. خلي الستات يستمتعوا." قال، و هو بيشده من قفص غضبه، و أخده معاه و هما ماشيين للشغل و سابونا لوحدنا.
فضلت واقفة من غير حركة، بحاول أركز، بس بعدين السيدة ستيليوس اتكلمت بتنهيدة، و تركتني و راحت تشوف المدخل الرئيسي.
"هو مشي؟ أخيراً…" تنهدت بارتياح، و هي ماسكة جبينها.
"السيدة ستيليوس؟" سألت باستغراب، بس هي مسكت إيدي و سحبتني معاها.
"متثقيش في أي خادم هنا. كلهم عبيده. ما تتكلميش معاهم." حذرتني بجدية، بس بما إني عايشة هنا، فهمت الكلام ده. بيعيشوا بناءً على أوامره.
أخدتني على أوضة، و قفلتها قبل ما تتنهد تاني و تجري عليّ و هي قلقانة.
"إنتي كويسة يا حبيبتي؟ هو ما أذاكيش، صح؟ ضربك؟ أو أي حاجة؟" اتوترت. بتفحصني، و هي بتوضح إنها عارفة كويس طبيعة ابنها الوحشية.
"أنا آسفة أوي. ياريت كنا جينا بدري… أنا آسفة أوي." و هي بوطي راسها، مسكت كتفي، و بتعتذر بصدق.
"إيه اللي بتعتذري عنه؟" سألت بضعف، و مش قادرة أفهم ليه هي آسفة على اللي عمله ابنها.
"لأني خلفت حد زيه." همست و دموع نزلت من عينها. عيني اتفتحت على وسعها، ما كنتش متوقعة إنها تقول الجملة دي.
حتى هي ندمانة إنها خلفتُه.
"أعتقد إنك عرفتي دلوقتي إحنا ناس فظيعين. مش هنكر، إحنا ناس سيئة بس، ما بنأذيش اللي مش مرتبطين بينا زيك… بس هو.. هو…"
وطت نظرها بخجل، ما كانش عندها كلام تبرر بيه أفعاله أكتر.
عضيت شفايفي السفلية بتوتر، و مسكت دراعي، و أنا ببص بعيد بحزن، "ليه.. هو.. كده؟"
مستحيل يكون شيطاني كده من غير سبب معين. لازم يكون فيه سبب، الخط الدموي، صدمة، خيانة، أي حاجة…
"ما نعرفش إحنا نفسنا. كل اللي بيقوله إنه بيحب الدماء، بيحب البؤس، الألم، الدماء، و هو بيتحكم فيه. هو… مش قادر يتحكم في نفسه." عقلي وقف عن التفكير لما قالت كده. واضح إن فيه حاجة غلط جدًا معاه.
هو مريض عقلياً.
"جربنا كل حاجة نقدر عليها، علاج نفسي، استشارات، إغراءات، بس مافيش حاجة نفعت. حاولنا بس هو مش راضي، كأنُّه عايز يكون كده." صوتها انكسر، و هي قاعدة على السرير، و ماسكة فستانها و الدموع بتنزل على خدها.
بس عقلي ما كانش قادر يشتغل كويس بسبب الخوف. مش عارفة ليه كان عندي ومضات بسيطة من الأمل، بس دلوقتي اتحطمت.
"و هو سحبني لعالمه الجهنمي. إيه غلطتي؟" سألت، و أنا بلف ناحيتها، و الأسي مع الحيرة اتخلطوا على ملامحي.
"أنا آسفة على مصيرك يا حبيبتي." كادت تبكي، و ما قدرتش حتى تبص في عيني.
"أنا اترمت في عالم غريب. ما أعرفش عنه حاجة، ما كنتش ليا قوة؛ أسهل هدف يتشكل." بسخرية، لفيت عيني، و أنا بضم دراعي.
"لو عايزة تعيشي هنا، يا حبيبتي، لازم تكوني قوية. خصوصاً لما تكوني بتواجهي سيباستيان." و دلوقتي بتتكلم عن المستحيل.
بتتوقع من واحدة زيي إنها تقف ضد شيطان نفسه.
"بيحب يتغذى على الخوف من الضعف. كل ما تخافي أكتر، كل ما هو هيخوفك أكتر." أنا عارفة الكلام ده دلوقتي. هو هيتنعَّم في كل قطرة خوف.
"هو إيه؟ مجنون؟" سألت، و أنا بضيق عيني باشمئزاز، و بكره أكتر إن هو جوزي.
"لأ." بلعت ريقها، و هي بتهز راسها، و بتبص في عيني للحظة برد فعل جمَّد روحي.
"وحش."
لما أمه نفسها بتقول كده، ما أعتقدش إني محتاجة أسباب أكتر عشان أهرب. قلبي دق بسرعة، و أخدت خطوة لورا. عيني اتفتحت على وسعها بصدمة و حلقي نشف من الخوف.
"العالم ده مختلف تماماً عن العالم اللي كنتي عايشه فيه لحد دلوقتي. الحاجات مش جميلة هنا. مش هتلاقي ورد هنا. لو عايزة تعيشي. الأفضل إنك تحاربي عشان حياتك." همست بيأس، و هي بتشفق على حالتي، بس عقلي لسه بيحاول يستوعب.
ضهرى خبط في الحيط، و أنا بضغط بكف إيدي عليه، و بردت عشان أخد شوية دعم منه.
"اللي بيكونوا ضعاف، بيموتوا أسرع ما تقدري تتخيلي." همست، و هي بتزود خوفي بعبارتها.
"إحنا ناس عادية، السيدة ستيليوس. أبويا عمره ما ارتكب أي فعل غير أخلاقي في حياته و لا أنا. إحنا ناس نضيفة. أنا مش مكاني هنا." همست، و أنا على وشك البكاء، و مش قادرة أتخيل حياتي مع حد زيه. إزاي أقدر أهرب في الظروف دي؟
"بالظبط عشان كده هو عايزك. إنتي نضيفة أوي و هو.. هو.." حاولت تقوللي السبب بس هو شرح حبساني بالتفصيل بالفعل.
"هو بيحب يدنس الطهارة، مش كده؟" كملت جملتها، و أنا بأخد نفسي بصعوبة، و بتذكر كلامه القوي.
"بيحب ياكل البراءة. بيحب يتغذى على الرعب. بيحب يعذب الأرواح. بيحب يحطم اللي أضعف منه. مش كده!؟"
خبطت إيدي، و أنا برفع صوتي. دموع نزلت على خدي من الحزن لأني اتحبست في ساحته بدون سبب.
"أيوه. أنا مش بقول كده عشان أخوفك، بس عشان أساعدك. سيباستيان راجل لا يُشفى، أوعي تفكري تنقذيه." قالت بحزن.
"أنا مش عايزة حتى، أنا بس عايزة أتحرر منه. مش قادرة أستحمل أقعد هنا، مش قادرة أتحمل وجوده." زمجرت، و أنا بمسح الدموع في الزاوية. كرهي ليه زاد بسماع كل حاجة.
"لازم. طول ما إنتي هتدي سيباستيان اللي هو عايزه، هيحبسك. طاعتك هي رغبته." همست الجزء الواضح.
"هل عندي اختيار تاني؟ هيمزق روحي لو عارضته." تمتمت، و أنا بلف عيني بعيد.
"بس إنتي الوحيدة اللي تقدري تعملي كده." قالت بقوة، و هي بتقوم و ماسكة كتفي عشان تحرك شعاع الشجاعة اللي مش موجود. هيتكسر فوراً قبل هيمنته.
"إنسي مين كنتي، إيلين. تقبلي مين إنتي دلوقتي.