الفصل 19 (كاتالينا)
«راح أرجع على طول لما أخلص شغلي هناك.» مسح خدي بلطف. «الخادم هيهتم بيكي. هكلمك كل يوم.» هزيت راسي ودفنت وشي في رقبته. «بحبك يا أورورا» همس وهو بيبوس شعري.
صدري كان فاضي. عارفة عنده شغل كتير في مانيلا وفي الشغل. كنت عارفة إنه بيتحرك عشان يعاقب كلوي. هم بيسعوا للعدالة.
«هترجع قريب؟» بصيتله ورفعنا عينينا لبعض. أخد نفس عميق وابتسم.
عارفة إن الابتسامة دي موصلتش لعنييه من وقت ما دون أنطونيو نثر رماد سينورا باتريشيا في البحر، والقصر بقى هادي. صوت البحر، دوشة الخدم وهما بيتكلموا، والعصافير بتزقزق، كله مسموع. كأن حتى الفيلا حزينة.
«هوديكي البيت. مفيش حاجة وحشة هتحصل عشان هما اتصادوا. الدنيا آمنة دلوقتي. هسيبلك حرس. وعديني إنك هتهتمي بنفسك عشان بيبي أورورا بتاعتنا.»
هزيت راسي. شوية شوية، شفايفه قربت من شفايفي، وباسني ببساطة.
«هيدفعوا التمن يا أورورا، أوعدك.»
قضيت وقتي وأنا بحضنه. بس دراعاته هي ملجأي، عشان كده مش هسيبه وهو هنا.
مانويل رفع عينيه على الشباك، مكان ما كنت. ماقدرتش أساعد نفسي من الإحساس بتقل في صدري وأنا بتفرج عليه وهو بيركب عربيته.
لما الشمس أخيراً غربت، زرت قبر وجدتي. وأنا باخد دش، كأنه ومضة برق، وكل اللي حصل فجأة جه في بالي – كل حاجة حصلت.
إزاي قطعوا هدوم الست الكبيرة، إزاي الأربعة عذبوا جسد باتريشيا. حسيت إني هانفجر من الألم.
«خلاص! كفاية! كفاية!» المية كانت بتنزل من الدش على جسمي ومن غير ما توقف.
افتكرت إزاي ضربوها في بوقها وداسوا عليها.
«خلاص!» مسكت شعري. عايزة أخبط راسي عشان يمكن الحاجات دي تخرج من راسي.
الدموع اللي كانت بتنزل على خدي كانت سخنة، بس مكنش فارق معايا. صدري كان مشدود، وضميري بيعذبني.
«آآآه!» شيلت كل الحاجات اللي في الحمام. كلها خبطت في الأرض. عملت صوت، خبط بره، والباب اتفتح.
«يا خرااابيي!» سمعت صوت إيزيكل. وهو قاعد على بلاط الأرض، إيزيكل مسكني هناك، بغض النظر عن إني عريانة.
حطني بسرعة على السرير ولفني في فوطة.
«إيزيكل، س-سامحني…» بصتله، وهو بص بعيد.
دموعي نزلت على خدي. شوفت الجروح على إيدي. ماحستش بيها عشان قلبي بيوجعني أكتر، وبقيت خرسة.
«هيبقى كويس.» كان شكله بارد وكان خلاص هيمشي، بس جريت وراه ومسكته من دراعه.
هو أحسن صاحب ليا. كان كتفي في مانيلا لما أنا ومانويل مكناش كويسين. ساعدني كتير. هو جزء كبير مني. مش عايزاه يكون بارد بالشكل ده معايا.
الفوطة اللي كانت ملفوفة حواليا وقعت. بلعها، وشالها بالراحة، ولفها حواليا تاني.
«إيزيكل.» صوتي كان بيرتعش. «عارفة إنك بتلومني. عارفة إني وجعتك ووجعتك أكتر دلوقتي.»
شد شعره ومقدرش يبصلي. «خليكي كويسة يا أورورا.» فكه اتشد.
«لأ! عارفة إنه بيوجع. عارفة عشان أنا جربت ده. إيزيكل، أنا صاحبتك. لو بس قدرت… لو بس قدرت أخفف الألم اللي بتحسه دلوقتي. أنا مذنبة عشان كنت موجودة! كنت موجودة، بس معملتش حاجة. عشان كده عارفة إنه بيوجع.»
زقني على السرير، وده خلاني أتمسك بالفوطة اللي حوالين جسمي. عيني كادت تخرج لما حط نفسه عليا وحط إيديه على جنب راسي. قبضته كانت مقفولة.
«أيوة! بتوجع! بتوجع عشان لسه بحبك يا أورورا! بيوجعني أشوفك مع أخويا! أنا مجروح عشان إنتي السبب في موت أمي! أنا مجروح عشان أنا حسيت بالطريقة دي بس معاكي، وحسيت إني مجروح. سبت البنت اللي كانت بتحبني أوي عشانك. مفيش إلا سبب واحد، وده إنتي!»
بس بصلي.
«إيزيكل، إنت وأخوك مهمين ليا الإتنين. متعملش كده. أرجوك.»
«الإتنين مهمين، بس هو اللي بتحبيه.»
مش قادرة أتحرك. وقف عند عتبة الباب. «بيوجع أحب أورورا. مش عايز أحب تاني» همس قبل ما يمشي.
أخدت كام دقيقة قبل ما أغادر الأوضة. أول حاجة، الخادم أداني شوربة سخنة ولبن.
قطفت ورد من الجنينة اللي ورا القصر. هاخد ده لقبر وجدتي. حطيتها في السلة وربطها بشريط.
معايا اتنين بودي جارد وسواق رايحين للمقابر. بعد ما وصلنا هناك، حطيت الورد على القبور المجاورة لوجدتي وجدي. وولعت شمعة كمان.
معنديش دموع تاني عشان أنزلها. «يا وجدتي، اهتمي بسينورا باتريشيا في الجنة هناك. يارب ترشد ولادها. وكمان يا وجدتي، قولي لـ السيدة باتريشيا إني آسفة. آسفة على كل حاجة. هعمل اللي هي قالته عشان أهتم بالأخوات ليها.»
الريح هبت وبدت وكأنها بتهمس في ودني. ابتسمت عشان حسيت بوجودهم.
«بحبكم يا وجدتي… يا جدي.»
مبقتش هناك كتير، وروحت البيت.
برة القصر، شوفت عربية. كان المفروض أركز أكتر عشان ساعات بييجي زوار هنا.
«آنسة أورورا، عايزة أكلك المفضل؟» سألني الخادم. ابتسمت عشان كنت عايزة ده.
«تمام، روحي الأوضة عشان راسي بتوجعني.»
«تمام يا آنسة، ارتاحي؛ مش مسموحلك تتعبى.»
«شكرا.»
كنت خلاص هطلع السلم لما شوفت إيزيكل بيبص في موبايله. هو في المكتب هنا في القصر. جبيني اتجعد عشان زيك كان متعصب وهو بيبص على صورة بنت.
«ك-كاتالينا… ليه؟ ليه؟» قالها كذا مرة، وهو مغطي عينيه بإيده، وساند على الكرسي.
كاتالينا؟ مين دي؟