الفصل 11
عبدالملك نفّذ وعده، في اليوم اللي بعد ما رجع نيجيريا، جاء عشان يشوف خيرية اللي انهبلت من الفرحة لما شافته، كأنها قضت سنة كاملة من غيره.
في البداية، لما قال لخيرية إنه يبغى يجي يشوفها، على طول اقترحت إنهم يقابلوا في مطعم أحسن من إن عبدالملك يجي البيت زي العادة. اختارت كذا لأنهم عندهم مشاكل قدامهم، ما كانت تبغى تخاطر إن أمها تشوفهم مع بعض بعد كل توسلاتها. خيرية حاولت بكل الطرق تخفي مشاكلها عنه، بس هو لاحظ وسألها ليه شكلها شاحب. صرفت السؤال وقالت إنها كانت تشتغل كتير في دار الأزياء.
كانوا في مطعم بلوبانا، واحد من أحسن المطاعم في أبوجا، كان مطعم خيرية وعبدالملك المفضل، كانوا بيروحوا هناك في مواعيد حب كل مرة عبدالملك يجي أبوجا. بما إن اليوم كان يوم مميز تاني زي كل الأيام، قرروا يحتفلوا هناك.
عبدالملك كان على وشك ينادي النادل، اللي كأنه كان منتظرهم، وصل وحنى رأسه بأدب. "يوم سعيد يا سيدي، أهلاً وسهلاً في مطعمنا، إيش تبغوا أنتِ والست الجميلة تاكلوا؟"
عبدالملك ابتسم للنادل "لحم بقر ياباني مفروم، أصابع موزاريلا، سلطة بلوبانا، وعصير فواكه مشكلة لـ ستي". أشار لخيرية عشان تقول للنادل إيش تبغى.
"دجاج بيكاتا، سلطة سيزر، أجنحة بافلو، ودايت كوكاكولا لـ حبيبي". النادل هز راسه وراح يجيب اللي طلبوه.
بعد ما الأكل وصل، بدأوا ياكلوا الأكل اللذيذ اللي يفتح النفس في صمت، لحد ما تليفون عبدالملك رن، كأن فيه حاجة قالت لخيرية تتلصص على التليفون عشان تشوف مين اللي بيتصل، قلبها دق بسرعة لما شافت مين. عبدالملك نظر للتليفون مرة واحدة وحول نظره تاني لأكله وكمل أكل.
"رد على التليفون". قالت خيرية بهدوء.
"ما فيش داعي، خليه يرن". قال ببرود وهو بياخد رشفة من مشروبه.
التليفون فضل يرن من غير ما هو يهتم، خيرية كانت بدأت تتعود على كذا. كل مرة الرقم ده بيتصل ما بيردش مهما اتصل كام مرة، وكانت بتتسائل ليه بيعمل كذا دايماً. قررت تسأله ليه.
"طيب، مين منيرة دي اللي بتفضل تتصل وأنت بتفضل تتجاهل مكالماتها؟"
عبدالملك ترك أدوات الأكل وثبت نظره عليها، وفرك شنبيه، خيرية عجبتها الحركة دي.
"دي واحدة مش تبغي تعرفيها، وأنا بتجاهل مكالماتها لأنها مضيعة للوقت لو لازم أقول".
خيرية ما اقتنعتش "مش فاهمة قصدك بـ واحدة مش تبغي أعرفها، هل هي شخصية وحشة ولا شبح، بتخوف الناس، ولا بتعض؟"
عبدالملك ضحك. "أنتِ بجد مضحكة يا حبيبتي، هي مش كل اللي ذكرتيه، بس هي واحدة أعتقد إنها مش تستاهل إنك تعرفيها يا حبي، عشان كذا أفضل لو سبنا الموضوع كذا من غير ما ندخل في تفاصيل، أوكي؟"
خيرية هزت راسها، عرفت قصده إيه، فهمت مين منيرة اللي بيقولوا عليها بالنسبة له، والسبب اللي بيخليه يتجاهل مكالماتها. عبدالملك كمل أكل لحد ما تليفونه رن تاني، بص للتليفون وهز راسه، خيرية مدّت إيدها وأخدت التليفون.
"ألو". قالت خيرية بحذر بعد ما أخدت المكالمة.
"أيوة". صوت كأنه سم في ودنها قال من الناحية التانية.
"إزيك؟" سألت خيرية بسخرية.
"ممكن لو سمحتِ تدي لتليفون لصاحبه؟" البنت سألت بأدب، خيرية حسّت إنها تبغي تدّخل إيدها في التليفون وتشّد البنت بره.
"لو سمحتي، أنا صاحبة التليفون واسمي خيرية، وأنتِ؟ ممكن يكون رقم غلط أعتقد".
"أمممم....." ده كان كل اللي البنت قالته قبل ما تقفل المكالمة. خيرية ضحكت وهي بتبص للتليفون نظرة حادة. ربنا ستر البنت، كانت ودّت تحط فيها كلام يخليها تفهم الصح لو ما قفلتش المكالمة. خيرية عرفت هي إيه لما الموضوع يخص ناس بيلعبوا مع اللي بتحبه. كانت وحشة صغيرة بتحمي عبدالملك لما يحصل كذا. ما كانتش قادرة تتخيل تشاركه مع أي بنت تانية ولا تتخيل إنه يكون مع ست تانية. ده لوحده كان بيخليها تحس بغثيان ومرض. الحب اللي ليها ليه ما قدرش يستحمل كذا.
عبدالملك قعد بيبص عليها وهو مستمتع، حبّ طريقة حمايتها المبالغ فيها لما حاجات زي كذا تحصل.
"لازم تبطل تتصل، وإلا، مش لازم أقولك الباقي، أنت عارف أنا ممكن أعمل إيه". خيرية هددت وخلت عبدالملك يضحك.
"أيوة يا ستي، عارف إنها مش هتتصل تاني بعد ما سمعت صوتك، عشان كذا أنا آسف جداً".
خيرية ابتسمت له. "كله تمام". كانت عارفة عبدالملك زي كف إيدها. كانت عارفة إنه ما بيخبيش حاجات عنها عشان كذا مش هتضغط عليه عشان يقولها مين البنت، هيقول لو كان فيه حاجة تستدعي المعرفة. حتى مش هتتعب نفسها ولا تضغط عليها بسبب البنت. وثقت في عبدالملك وعرفت هو إزاي بيحبها، عشان كذا مش هيهتم بالبنت دي حتى، إحساسها من جواها كان بيقولها إنها أعلى بكتير من منيرة. بس بنت قليلة الأدب اللي تفضل تتصل على الواد حتى بعد ما يتجاهلها.
عبدالملك حب لما خيرية عمرها ما ضغطت عليه أو زنّت عليه عشان يقولها اللي هو مش جاهز يقوله. حب لما سبت له مساحته وخصوصيته. وكمان مش كل حاجة تستاهل المعرفة.
هو عرف إن دي مش أول مرة منيرة تتصل قدام خيرية، وكان بيفضل يتجاهل مكالماتها، كان بيخلي خيرية تشك في أي حاجة مهما كان، بس هي عمرها ما قالت أي حاجة لحد النهارده، أعجب بكده فيها، مش زي البنات التانيين اللي يخلوا الدنيا تولع كل ما بنت تتصل بصاحبها.
فكر إيه اللي ممكن يعمله عشان يطلع منيرة من حياته، هو شخص هادي عشان كذا مش هيضايق نفسه بسببها بس هو أكيد يعرف إزاي يتخلص منها. حاول يوريها بألف طريقة إنه مش مهتم بيها من غير ما يقولها بالكلام بس هي ما فهمتش. ما كانش يبغاها تحس بالضيق بعد ما يقولها إن ما فيش مكان في قلبه ليها. بس ما بقاش عنده خيار غير إنه يقولها بالكلام إنه مش مهتم. هو أصلاً محتاج إيه من ست تانية لما عنده خيرية، هي كفاية له بألف طريقة. وكمان البنت دي حتى مش على ذوقه.
عبدالملك افتكر أول يوم قابلها فيه، اليوم ده اللي أبوه بعته عشان يدي شوية أوراق لصديق للعائلة اللي كان أبوها. هي اللي فتحت الباب لما خبط، وطريقة وقوفها عند الباب وهي بتبص عليه لمدة 60 ثانية تقريباً خلته ياخد خطوات لورا وهو بيفكر إنها مش في وعيها. فضلت واقفة بتبص عليه من غير ما ترمش حتى ما قالها إنه هنا عشان يشوف أبوها.
أدّى الأوراق في لمح البصر ومشى من البيت على طول. ما كانش مرتاح لطريقة البنت الصغيرة دي اللي لسه ما وصلتش لـ 20 سنة بتبص عليه من غير ما ترمش حتى، كأنها عمرها ما شافت إنسان. ومن اليوم ده، تساءل منين جابت رقمه لأنها عملت عادة إنها تتصل بيه كل يوم لحد ما هو بطل يرد على مكالماتها المزعجة، أحياناً كانت بتسأله إمتى هيتقابلوا. لقى كل ده مضحك، إزاي بنت صغيرة زي دي بتحاول تطلب منه يخرج معاها.
كان غرقان في أفكاره لحد ما خيرية قرصته بشوكة، ابتسمت بمشاغبة وطلعت لسانها ليه.
"آي، أنت عارفة ده بيوجع صح؟" مسّد ذراعه في المكان اللي قرصته فيه.
"أيوة عارفة بس اللي بتعمله بيوجع أكتر".
"وإيه اللي بعمله، أنا ما قرصتكش ولا قرصتك صح؟"
"أنت بتفكر في حاجة وأنا مش بحب كذا، أنا الشخص الوحيد اللي مسموح لك تفكر فيه. أنا هنا، إيش باقي؟" حطت شفايفها في بعض.
"أنا بحب أوي الجزء ده فيكِ، لما تكوني كلها شكاوي وأطفال، بيخليني عايز أستمر أبص على وشك الحلو. أنا آسف إني فكرت في حاجة تانية ومش أنتِ. أنا نسيت تماماً إني مفروض أفكر بس في خيرية". ضحك من قلبه وهي ضحكت معاه.
رفع كاسه عشان يعمل نخب "صحتك يا حبيبتي. ده عشان المستقبل الحلو والرائع اللي قدامنا يا حبيبتي، وعشان تكوني كل حاجة أنا حبيتها في حياتي". خيرية بس ابتسمت لأنها ممكن تبدأ تعيط لو حاولت تقول أي حاجة. إنها كانت بتحب الراجل ده بجنون بيكون كلام مش كفاية.
********
خيرية خبطت على باب أوضة أمها، وبعد ما فتحت دخلت خيرية، علاقتهم كانت بتتحسن بعد كل اللي حصل. خيرية كانت هتفضل تتوسل ليها لحد ما توافق وتعطيها موافقتها.
قعدت على السجادة البيضة المنفوشة في الأوضة بينما أمها قعدت على السرير. "سألت شفا تناديكِ لما رجعت من المستشفى وقالت لي إنك خرجتي صح؟"
"أيوة يا ماما، وهي قالت لي إنك سألتي عليا لما رجعت عشان كذا جيت. طيب، إزاي الشغل؟"
"خيرية". أمها نادت متجاهلة سؤالها.
"أيوة ماما".
"أنا مين بالنسبالك؟"
خيرية بصت لأمها وهي متلخبطة "لو سمحتي يا ماما، مش فاهمة قصدك إيه".
"أنا مين بالنسبالك؟" سألت تاني.
"أنتِ أمي".
"بالظبط. طيب قولي لي، وين عمرك ما شفتيي بنت بتعصي أمها ومش بتعمل اللي أمها تبغاه؟" الحاجة مريم قالت بهدوء وهي بتبص لبنتها.
خيرية تنهدت وهي منهزمة. "لو سمحتي يا ماما، أنا آسفة".
"ووين عمرك ما شفتيي بنت بتخلي أمها تعيط؟"
"عمري ما شفتي كذا وأنا عارفة إني أسوأ بنت لأنّي خليتكِ تعيطي، أرجوكي سامحيني يا ماما، أنا آسفة جداً".
"خيرية هتحسي كأنّي بكرهك وبجبرك تعملي حاجات ضد رغبتك بس أنا مش بعمل كذا، أنا بعمل كل ده من حبي ورعايتي ليكِ لأنكِ بنتي الوحيدة. أبغى أزوجك لواحد أعرف إنه هيقدّركِ، يحبكِ، ويعتني فيكِ كويس زي ما بيعتنوا فيكِ في بيت أبوكِ. أبغى تعيشي وتستمتعي بكل الترفيه والمتعة في العالم ده من غير ما تقلقي من أي حاجة. خيرية أبغاكِ تعيشي في سعادة وسلام بعد ما تحصلين على كل الترفيه في الحياة دي، أيوة، عارفة إن الغنى والترفيه مش حاجة من غير السعادة". حطت إيدها على كتف بنتها، مكان تجاعيد شعرها الحريرية.
"مش أبغاكِ تعيشي حياة زي عمتك عائشة، أنتِ عارفة كويس إيه اللي بتمر بيه في الزواج ده اللي حولها لست مكتئبة الكل بيرثي لها. أهلنا عملوا كل اللي يقدروا عليه عشان يشوفوا عائشة ما تتزوج سليمان بس هي كانت مغرمة بيه، تمردت وتركنا بدون خيار إلا إننا نخليها تتزوجه. عائشة ما كانتش مناسبة لزوجها ده اللي من طبقة قليلة اللي اتزوجته، عائشة ما كانت ولا راح تكون مناسبة ليه، أنتِ عارفة كويس العيلة الراقية اللي هي منها بينما هو كان مجرد رجل أعمال من الطبقة المتوسطة. أخاف أقول إنها انتقام مسك بها لأنها رفضت تسمع كلام أهلنا. خيرية أنا مش بدعي إن الانتقام يمسك فيكِ بعدين في الحياة بس أنتِ عمرك ما راح تبغين اللي حصل لعائشة يحصل ليكِ صح؟ كل معاناتها حصلت لأنها تزوجت من الراجل الهاوصا اللي ما يسوى". الحاجة مريم بصت لخيرية اللي وشها كان دلوقتي غرقان بالدموع.
"خيرية الرجالة الهاوصا دول مليانين خداع وكذب وكل الحاجات الوحشة اللي ممكن تتخيليها. الراجل الهاوصا دايماً راح يكون هاوصا مهما ولد أو تربى في مكان عشان كذا مش لازم تثقي فيه. خيرية عبدالملك ما يستاهلكِ، أنتِ تستاهلي واحد أحسن منه، واحد من نفس قبيلتكِ ومجموعتكِ العرقية، واحد راح يدللكِ بكل الفلوس اللي في العالم ده. دايماً بتسائل إيش شفتيي في الراجل ده، يعني فيه رجال كتار ممكن يعبدوا الأرض اللي بتمشي عليها لو أعطيتيهم الفرصة. الرجال دول أغنياء، وسيمين، أقوياء، وكل اللي ممكن تبغيه في رجل، وبرضو صدّيتيهم لأنكِ بسبب عبدالملك. هم مستنيين أصغر فرصة عشان يحصلوا عليكِ لأنهم يعرفوا قيمتكِ، أنتِ جميلة و بس الناس الراقية والملوك والأغنياء ممكن يتزوجوكِ مش مجرد صبيان صغار اللي بيحاولوا يشتروا سيارات رخيصة وملابس رخيصة، حتى قطعة من حلقك ممكن تشتريها". لمست حلق الألماس في ودن بنتها.
"خيرية حطي نفسك مكاني، إزاي هتحسي لو البنت اللي ولدتيها عملت كذا فيكِ، البنت اللي قضت تسعة شهور في بطنك، البنت اللي ربيتيها بحب وسعادة و كل الترفيه اللي ممكن الواحد يشتهيه، البنت اللي بتحبيها أوي وحطيتيها فوق كل أولادكِ التانيين. بس قولي لي إزاي راح تحسي لو بنتكِ المحبوبة اختارت رجل عليكي لأنها ما تقدر تترك الراجل ده وتركتكِ لأنها بتحب الراجل ده أوي. عارفة إنكِ هتحسي كأنكِ مش عاوزة البنت دي أو تحسبيها من أولادكِ التانيين لأنها مش بتهمها سعادتكِ، كل اللي يهمها هو الراجل". الحاجة مريم مسحت الدموع اللي نزلت على عيونها اللي عليها كحل.
"خيرية الأم عمرها ما راح تعمل كل اللي ذكرته لبنتها لأنها بتحب بنتها أوي وتبغى الأفضل لها. خيرية أنا أبغى الأفضل في الحياة ليكِ. أعرف إن ترك اللي بتحبيه أوي مش سهل بس أرجوكي أبغاكِ تتركي عبدالملك عشان خاطري وأنا بوعدك إنكِ راح تتباركي بواحد أحسن منه، واحد هيحبكِ أكتر منه، واحد هيصرف عليكِ ببذخ أكتر منه. أنتِ دايماً في صلواتي وأنتِ تعرفي قوة وصلوات الأم على أولادها، اعملي كذا عشاني وراح تتباركي أكتر لأنكِ أرضيتي واتبعتي أوامر أمك".
خيرية رفعت راسها عشان تبص لأمها بصدمة وأمها هزت راسها.
"أيوة يا خيرية أبغاكِ تنسي عبدالملك". خيرية انفجرت بالدموع وأمها ضمّتها في حضنها وهي بتهمس كلام تاني بيأثر في سمعها.