الفصل 21
كانت واقفة تبص من الشباك، البيت كان زحمة أوي عشان أمها راجعة النهاردة، كل العمال كانوا بيعملوا شغلهم وكل حتة كان فيها دوشة. كانت بتحب أوي لما البيت يكون هادي ووحداني، كان أحسن، كانت بتقدر تغصب نفسها وتنام بس مش في الوضع ده.
رجعت تاني جوه الأوضة وقعدت على ترابيزة القراية، سحبت كراسة الرسم بتاعتها وفتحتها وهي بتبص على الفساتين اللي صممتها، ده كان حاجة وحشاها أوي، وتساءلت ازاي دار الأزياء ماشية من غيرها، بعض العمال بتوعها جم عشان يشوفوها وهي قالت لـ صابر يقولهم إنها مش موجودة في البلد. ما قدرتش تجبر نفسها تشوفهم ولا حتى تروح دار الأزياء، ما كانتش قلقانة لأنها عارفة إنها في أيد أمينة.
قلبها بدأ يدق بسرعة لما سمعت صوت العربيات داخلة البيت، ده معناه إن أمها رجعت، واحدة من الناس اللي ورا دموعها، ما كانتش عايزة تشوف أمها ولا حتى تكلمها، كانت بتتمنى إن أمها ترجع منين ما جات وتسيبها في حالها، كانت بتفضل ده كتير.
بدأت تعيط تاني لما افتكرت إنها لازم تواجه الواقع دلوقتي، ما ينفعش تفضل قاعدة في الأوضة دي اللي كانت فيها بقالها أسبوع، لازم تكمل، اللي حصل خلاص راح وما تقدرش تغير أي حاجة فيه، المفروض تواجه المستقبل اللي قدامها.
سمعت صوت أمها تحت و تقريباً بعد 10 دقايق سمعتها وهي ماشية ناحية بابها تسأل صابر هي فين، ولما قال إنها جوا، الحاجة مريم خبطت على باب خديجة.
"يا أميرة، أنا رجعت." لفت أوكرة الباب، و صابر هز راسه و هو مغلوب.
جسم خديجة بدأ يتهز مش قادرة تسيطر عليه ودموع أكتر بدأت تنزل، استعملت كفوفها تغطي بيها بقها و مشيت ناحية السرير. اتمدت ودفنت راسها تحت المخدة، ما كانتش عايزة تسمع كلام أمها، ريحة برفان أمها الحلوة ملأت مناخيرها وعيطت أكتر، وحشها حضن أمها الدافي، وحشاها الجانب من أمها اللي بيحب و بيفهم مش الجانب ده من أمها اللي فرض عليها أحزانها.
لما ما كانش فيه رد من جوا الأوضة، أم خديجة خبطت تاني.
"مامي، أنا شايف إنها نايمة." قال صابر.
"ليه تنام وهي عارفة إني هرجع النهاردة؟"
"ما أعرفش." جاوب صابر.
"وليه الباب مقفول؟" لفت أوكرة الباب تاني عشان تتأكد.
"بقى كده من ساعتها."
"يعني هي لسه زعلانة عشان أنا أجبرتها تشوف نجيب، حاجة حصلت من الأسبوع اللي فات." الحاجة مريم ضحكت بهدوء.
"أختك دي بتضحك أوي. بس ماشي، أنا هرتاح دلوقتي و هشوفها بعدين، عارفة إنها هتطلع تستقبلني لما تصحى."
"أنا شاكك في ده." قال صابر في سره وهو بيمشي ورا أمه. أمهم كانت سبب كل حاجة غلط مع خديجة و كان واضح إنها أخدة كل حاجة كأنها هزار.
خديجة رمت المخدة على جنب وقامت من السرير لما اتأكدت إن أمها وصابر مش موجودين عند بابها. رجعت لترابيزة القراية وقعدت وهي بتمسح دموعها، أمها ما كانش فارق معاها اللي هي أجبرتها تعمله و كأن الموضوع مضحك. لو كانت تعرف بس نجيب عمل فيها إيه، لو كانت تعرف بس هي بتمر بإيه بسببه، ساعتها يمكن ما كانتش هتشوف الموضوع كأنه مضحك.
اللي حصل كان مستحيل يتصلح وخديجة شاكة لو هتقدر تسامح أمها على اللي هي عدته بيه، حتى لو جزء من قلبها بيقولها إن أمها ما تعرفش نيب كان كده و إلا ما كانتش هتسمح لها تقابله. اللي حصل حصل وخلاص فات الأوان إنها تفضل تجيب في الكلام، إنها تفتكر الحاجات دي كان بيوجعها و عارفة إنها مش هتفضل غضبانة من أمها، في يوم من الأيام، هتضطر تنسى كل حاجة و تسامحها.
عينيها جت على الجواب اللي عبدالملك كان مديه لصابر عشان يديهولها، افتكرت إزاي صابر زق الجواب من تحت الباب وقالها إن ده من عبدالملك، خلت الجواب على الترابيزة و نسيت تقراه. فتحت الظرف وسحبت الجواب.
حبيبتي،
أتمنى الخطاب ده يلاقيكم بخير؟ قلبي هنا مضطرب علشان مش جنبك و مش سامع صوتك العذب. سامحيني على أي حاجة عملتها عشان أجرح بيها القلب اللي بحبه أكتر من كل القلوب في الكون ده. أنا آسف إني زعلك و اخترتِ تفضلي في أوضتك بدل ما تطلعي تشوفيني. الحياة ضلمة أوي من غيرك يا حبيبتي و أنا وحيد أوي. أنا بجد آسف. عايز أشوفك عشان تقدري تقوليلي عملت إيه و أوعدك إني هخليكي تعاقبيني زي ما تحبي لو أنا الغلطان. سامحيني يا ملاكي. بحبك يا خديجة. اهتمي بنفسك كويس و ياريت توافقي تشوفييني يوم الخميس.
المحب، عبدالملك.
دمعة وحيدة نزلت من عينيها و نزلت على خط عبدالملك الجميل، كانت بتحب أوي الجوابات المكتوبة بخط الإيد و كانت معجبة إزاي عبدالملك بيقدر أي حاجة بتحبها. تمنت إنها تكون قرأت الجواب من اليوم اللي صابر راح عشان يشوف عبدالملك بره، يمكن كانت هتوصل لحاجة و النهاردة الخميس ما قدرتش تجبر نفسها تواجه عبدالملك. تمنت إنها تقدر تقوله كل حاجة، و إزاي صوته في الجواب كأنه عمل حاجة غلط خلاها تشفق عليه كتير لأنه ما عملش أي حاجة غلط معاها. هي بس بتحاول تساعدهم هما الاتنين. يمكن تكتبله جواب تشرحله فيه كل حاجة.
مسكت قلم و ورقة عشان تبدأ تكتب بس إيديها خانتها، إيديها بدأت ترتعش، رمت القلم و الشهقة اللي كانت بتحاول تحبسها من أول ما بدأت تقرا الجواب طلعت. كرمشت الورقة و رمتها في الباسكت.
* * * * * *
عبدالملك قرر يروح يشوف خديجة النهاردة لآخر مرة عشان كان زهق والوقت بيجري. كان ساب شغل كتير في كانو عشان يجي يشوفها و لسه مفيش أي نتيجة من ده عشان هي بترفض تشوفه. أبوه أمره يسيب أي حاجة بيعملها في أبوجا و يرجع تاني، فمالوش اختيار إلا إنه يرجع تاني يوم. ممكن يرجع يشوفها الأسبوع اللي بعده لو فيه أي حاجة تانية. مهما كان الغلط اللي عمله معاها، ما تخيلش إن خديجة ممكن تعمل فيه كده، و بدأ يفقد أعصابه شوية شوية.
الساعة كانت عدت 4:00 العصر لما بص، كان عايز يروح المطعم القريب عشان يتغدى متأخر بس قرر بسرعة يروح يشوف خديجة الأول. حتى لو راح ياكل، ما كانش هيقدر عشان ما يقدرش يبطل تفكير فيها، فأحسن يروح يشوفها الأول، ده أهم.
عبدالملك خبط على الباب و وقف شوية، قلبه بدأ يدق، ما بطلش يتمنى إن خديجة هي اللي تفتح الباب.
الخدامة اللي فتحت الباب أول مرة جه جاوبت الباب، سلمت عليه ودخلته و كان لسه هيقعد لما صابر طلع من المطبخ، وقف مكانه لما شاف عبدالملك بس هدي نفسه بسرعة ومشي ناحية المكان اللي عبدالملك قاعد فيه.
عبدالملك قام وهما سلموا على بعض، هما الاتنين قعدوا قبل ما صابر يقوم تاني. تساءل إزاي خديجة هتوافق تطلع النهاردة، الحمد لله إن أمهم خرجت المستشفى عشان تشوف مريض و إلا كانت هتبقى مشكلة عشان هو عارف إنها مش عايزة خديجة مع عبدالملك. هيترجا أخته ياريت تكلم عبدالملك قبل ما أمهم ترجع.
"عن إذنك لو سمحت." قال صابر و جري على السلم.
"يا أختي." خبط على باب أخته و خديجة ضربت كف على وشها و هي متضايقة.
"صابر لو سمحت فيه إيه تاني، لو سمحت أنا مصدعة ممكن تسيبني في حالي؟"
"أنا آسف! عبدالملك هنا و ياريت تطلعي تشوفيه قبل ما مامي ترجع، ياريت تطلعي تشوفيه، شكله قلقان أوي. أدا، اعملي ده لعبدالملك ياريت، أنا عارف إن ملوش علاقة باللي غلط معاكي."
"يا الله! صابر لو سمحت سيبني في حالي، ليه مش فاهمة إني مش في حالي عشان أشوف أي حد دلوقتي. صابر ما أقدرش أشوف أي حد دلوقتي فياريت تقول لعبدالملك أنا آسفة. هشوفه لما أحس إني أحسن."
قالت وهي بتشخر، ما قدرتش تفكر إنها هتبقى أحسن أبداً. عبدالملك ما قدرش يفهم إنها عايزة مساحة عشان تهرب من الكارثة اللي هي فيها، و ما قدرش ياخدها و ده خلاها مخنوقة.
"يا جماعة خدي، ما أقدرش أقوله كده، ما أقدرش. بترجاكي باسم ربنا تشوفيه حتى لو لدقايق. أختي ياريت!"
"صابر أنا خلاص قلتلك ما أقدرش أشوفه."
"ليه ما تسامحيش أي حاجة عملها معاكي و تشوفيه. المفروض ترحميه."
"صابر إيه اللي حصلك و إيه مشكلتك؟ عبدالملك ما عملش أي حاجة غلط. أنا بس مش مستعدة أشوفه فياريت تمشي و تقوله اللي أنا قلته." كان فيه طعم غضب في صوتها، ما كانتش عايزة تفقد أعصابها بس صابر خلاها تتجنن.
"ياريت خدي...."
"امشي قبل ما أتجنن دلوقتي!" زعقت فيه و هو تقريباً نط.
"يبقى ما عنديش اختيار إلا إني أعمل اللي شايفه الأحسن ليكم انتوا الاتنين." مشي من على الباب. أخته ما كانتش بتراعي و ما كانش مفروض تعمل كده عشان عبدالملك بيحبها أوي و هي هنا بتصعب الأمور عليه.
عبدالملك شاف صابر وهو نازل على السلم و ماشي للمكان اللي هو فيه.
"تعالى معايا."
عبدالملك بص له و هو بيسأله. "مش فاهمك."
"أقصد المفروض تروح معايا عشان تشوفها."
"ليه؟"
"أنا آسف بس كلنا عارفين السبب."
"يا جماعة صابر، مش لازم تقلق، عادي جداً لو مش عايزة تشوفني، ممكن أمشي و أرجع مرة تانية." قال عبدالملك و هو متألم.
"لأ، لأ، مش كده، هي عايزة تشوفك بس مش قادرة تخرج من الأوضة، فيه حاجة غلط معاها و أنا ما أعرفش فياريت تيجي تسألها ليه بتعمل كده ياريت." صابر ترجا عبدالملك و عبدالملك بص له و هو مغلوب.
"شايف إن ده الصح، يا رب ما تكونش فيه أي مشكلة؟"
"أيوة مفيش مشكلة، بس اعمل ده عشانها." صابر ابتسم. عبدالملك أعجب إزاي هو مهتم بأخته. صابر مشي ناحية السلم و عبدالملك تبعه و هو مكسور، جزء منه كان بيحذره إنه يمشي و يدي خديجة مساحة بس الجزء الأكبر منه كان عايزه يسمع صوت خديجة و يمكن يشوف وشها الجميل، و زيادة على كده كان لازم يسألها ليه بتعمل فيه كده.
عبدالملك بص حواليه وهو واقف عند الباب، مفيش كدب البيت كان جميل وكل قطعة عفش كانت في مكانها الصح. صابر خبط بهدوء على الباب.
"صابر إيه اللي حصلك، أنا قلتلك تمشي صح؟" خديجة نشقت و عيون عبدالملك اتفتحت، هل هو السبب إنها بتعيط، علشان هو عايز يشوفها؟
"يا حبيبتي." قال بصوته الخشن الواطي.
خديجة قامت من السرير و قلبها بيخبط بسرعة، عرفت إنها مش بتتهبل لأنها سمعت صوت زي صوت عبدالملك بس هو بيعمل إيه هنا.
شهقة حاولت تطلع و هي استعملت كفها بسرعة عشان ترجعها، مشيت ناحية الباب بحرص كأنها ماشية على شوك، حست بحاجة قوية أوي بتزقها لعبدالملك.
"خديجة ياريت إيه اللي غلط معاكي، إيه الغلط اللي عملته عشان أستاهل ده من القلب اللي بحبه أكتر من كل القلوب في العالم ده؟" عبدالملك سأل كأنه عارف إنها واقفة ورا الباب.
رجليها ما قدرتش تتحمل أكتر و انفجرت و هي بتعيط، عبدالملك ما كانش بيهون الأمور عليها، إنها تشوفه أو تسمعه كان هيخلي الأمور أسوأ، أيوة هي عايزة تشوفه بس مش في وضع زي ده، ما قدرتش تواجهه.
"خدي، ده عبدالملك ياريت تطلعي تشوفيه." عبدالملك بص لصابر اللي كان خلاص هيموت من العياط.
"صابر أنا قلتلك تقوله ياريت يمشي و أنت جبته هنا، صابر ليه عملت كده، ليه؟" عيطت بمرارة. عياطها دخل في قلب عبدالملك زي سهام متبهرة، ما قدرش يتحمل يسمعها بتعيط.
"أمم خيري ممكن تبطلي عياط و تسمعيني، ياريت تسامحيني. أنا عارف إنك مش عايزة تشوفيني بس ياريت تقوليلي عملت إيه عشان تتصرفي كده ناحية الراجل اللي عايز يقضي بقية حياته معاكي."
خديجة دفنت راسها بين رجليها و عيطت، كلام عبدالملك فضل يخلي قلبها يدق بصوت عالي لدرجة إنه يسمعه. تساءلت لو هتقدر تثق في راجل تاني تاني.
عرفت إن عبدالملك صالح و مختلف عن باقي الرجالة بس لسه حست إن كل الرجالة زي بعض، هما أنانيين لما بيجي الموضوع لرغباتهم الشهوانية. خلصت من الرجالة في حياتها، راجل واحد دمر حياتها، مافيش أي طريقة تقدر تثق في راجل تاني تاني و تدخلوا.
"أنا آسف أوي." عبدالملك قال بهدوء.
خديجة فتحت بقها عشان تتكلم بس بس صوت خشن طلع، ده خلاها تعيط جامد، كل حاجة في الحياة بتتقلب ضدها بما فيهم صوتها اللي لسه خانها.
"يا حبيبتي ياريت تكلميني، سكوتك ده بيوجع، قوليلي إيه اللي غلط معاكي حتى لو هيكسرلي قلبي. بحبك أكتر من أي حاجة عشان كده مش قادر أستحمل لما أسمعك بتعيطي." عبدالملك حط راسه على الباب.
"أب روح ما أريدكش تكلمني دلوقتي، أنا مش مستعدة أشوف أي حد. ياريت تروح...." قالت بصوتها الخشن و الدموع بتخنقها.
"ما أقدرش أروح إلا لما تقوليلي عملتلك إيه. ما أعتقدش إني أستاهل ده منك يا أم خيري."
إزاي تقدر تقوله إنها بدأت تشوف واحد تاني و إن الراجل ده اغتصبها، إزاي باسم ربنا المفروض تعمل كده، ده مش ممكن. إنها تقوله هيخلي قلبه يتكسر لملايين القطع، فأحسن تعمل اللي هي شايفاه صح.
"خديجة اسمعي....." صابر وقف لما سمع الباب الأمامي بيتفتح، مشي بسرعة على السلم و بص لتحت من المكان اللي كان فيه. اللي شافه عند الباب خلاه يبلع لقمة صعبة في زوره، حس إن قلبه في بقه. لف عشان يبص لعبدالملك، باب خديجة و بعدين رجع بص على السلم تاني.