الفصل 23
عبدالمجيد شاف السواق اللي أرسلوه عشان ياخذه من المطار وهو ماشي لعنده. لف راسه على جنب لين ما السواق وصل عنده.
"صباح الخير يا سيدي." السواق حيّاه. عبدالمجيد هز راسه بس وقام من الكرسي. السواق شال عربية الشنط وراحوا للسيارة. بعد ما حطوا الشنط في الشنطة، السواق راح لجهة السواق بس تفاجأ لما شاف عبدالمجيد هناك بالفعل. عطاه نظرة فيها سؤال، وعبدالمجيد تكلم لأول مرة من يوم ما طلع من بيت خيرية اليوم اللي قبله.
"انت تقدر تروح، أنا راح أسوق بنفسي للبيت. شكراً." دخل السيارة وشغلها من غير ما ينتظر السواق يقول أي شيء. السواق رجع خطواته لورا من السيارة وهو يتساءل ليش ولد سيده كذا، عبدالمجيد كان شكله متضايق مرة: بطريقة عمره ما شافها فيه من قبل.
عبدالمجيد سوق بسرعة من المطار، في مليون حاجة في باله. ما كان على طبيعته من يوم ما طلع من بيت خيرية. آخر كلام قالته خلاه صاحي طول الليل، وكل اللي يبيه في ذيك اللحظة إنه يروح من أبوجا لأن التجربة المرة دي كرهته المدينة أكتر من جهنم. رحلته كانت بدري، وهذا سهّلها عليه. ربنا يعلم إن المدينة كانت تخنقه وما يقدر يكمل فيها. كل شيء فيها يذكره بخيرية. ما يزال مو مصدق إنها خانته بسبب شيء ما عنده أي فكرة عنه.
الغضب اللي كان مكبّته رجع يشتعل، وخلّاه يضرب الدركسيون بقوة. وقف على طرف الطريق لأنه ما يقدر يسوق أكتر من كذا. كيف إن آخر كلام قالته له خيرية قاعد يتردد في راسه بشكل ما يتحمله.
إيش سوى عشان يستاهل دا منها؟ حبها بكل ما فيه، ومع كدا هذا اللي بتجازيه به. كان المفروض تقول له إيش ورا أفعالها، أو حتى لو ما عاد تبيه في حياتها، بس اختارت تسكت وتقول إنها محتاجة مساحة، المساحة اللي ما قدر يفهمها. يمكن أمها نجحت في إنها تخلّيها تتخلى عنه، أو يمكن عندها رجال ثاني في حياتها أحسن منه، بما إن أمها قالت إنه ما يرقى لمستوى خيرية وإنه حرامي فلوس. هذي الكلمات خلت قلبه يوجعه مرة لدرجة إنه حس إنه تعب من كل شيء في الحياة.
لما تذكر إنه خسر خيرية، خسر الجوهرة الثمينة اللي كان يعزها أكتر من أي شيء، البنت اللي عمره ما تخيل إنها تسوي فيه كذا، البنت الجميلة اللي كل رجال يحلم إنه ياخذها كزوجة.
خسرها.
سند راسه على الكرسي، ودمعة وحدة نزلت من عيونه، وبعدها دموع أكتر وأكتر. ضرب الدركسيون بعصبية مرة ثانية، حط راسه هناك وكمل يبكي زي الطفل الصغير. ما قدر يتحمل إنه يخسر أم الخير، ما كان سهل، ما يقدر يعيش من غيرها، كانت صارت جزء منه: جزء مهم مرة. خيرية كانت قلبه، راح يتوقف لو ما كانت موجودة. كيف يقدر يكمل حياته من غيرها؟ ما كان ممكن، هو انخلق عشانها، وهي كمان انخلقت عشانه، كان المفروض تكون زوجته. كانوا الزوجين المثاليين وكان المفروض يكونوا مع بعض طول العمر، بس خيرية نست كل دا وخانته. ما عاد تبيه في حياتها، نسيت كل الوعود الجميلة والرومانسية اللي اتفقوا عليها في مدينة الحب بلغة الحب نفسها.
كان المفروض خيرية تحط نفسها مكانه وتفكر في الوضع اللي راح يكون فيه لو تركته، بس ما فكرت فيه. هذا خلاه يشك حتى لو كانت تحبه من البداية، حتى مع إنهم مع بعض من تلات سنين يعرف شخصيتها والقلب الطيب اللي عندها. أي شيء خلاها تقلب ضده كان كارثة وما راح يمشي معاه كويس، كان خطر على صحته العقلية. إنهم يفترقوا عن أم الخير كان أكبر خوف وكابوس عمره ما راح ينساه.
مسح دموعه، نسى متى آخر مرة بكى، بس اليوم خيرية خلته يذرف دموعه، حتى بعد ما مسح الدموع، أكتر منها كملت تنزل. قلبه انكسر، يعني كذا الإحساس لما تكون مكسور القلب؟ ما كان سهل، الوجع كان كبير مرة، هي الوحيدة اللي عنده، الوحيدة اللي كان يتمنى يكون معاها. بس يمكن عندها شخص ثاني بعده، لأن هذا اللي فهمه، ولو ما كذا، ما كانت راح تفترق عنه. هو الشخص اللي كان يتمنى مستقبل كويس معاها.
قرر في النهاية، راح يعطيها المساحة اللي طلبتها، بس شك إذا كان راح ينساها في يوم أو يخرجها من حياته وأفكاره، بما إن ما في رجعة. ما كان سهل، بس راح يسويها، راح يحاول يمشي في الحياة بما إن خيرية ما تبيه في حياتها. راح يمحو كل شيء من حبها وذكرياتها من قلبه لين ما ينساها تماماً.
عبدالمجيد طلع من جيبه منديل ومسح عرقه ودموعه اللي اختلطوا مع بعض. اللي صار ما يستاهل الدموع اللي قاعد يذرفها. ايوا، حب خيرية، بس بما إنها استسلمت، راح يستسلم هو كمان. هذا قدره وراح يتقبله ويصلي عشان الأفضل. ربنا أعطاه خيرية، وهو متأكد ١٠٠٪ إنه راح يعطيه بنت تانية أحسن منها، ما راح يفقد الأمل.
شغل السيارة مرة ثانية وساق بيد من المكان اللي كان واقف فيه. الأفضل إنه يروح البيت عشان يرتاح من الانهيار العاطفي. كان يحاول يبعد أفكاره عن كل شيء بس ما قدر، كانت ترجع مرة تانية.
"وداعاً، ما أبغاك تشوفني مرة ثانية يا عبدالمجيد، اطلع من بيتي."
غمض عيونه بقوة وحاول يفتحهم بسرعة، كان يحاول يخرج آخر كلمات خيرية المؤلمة من راسه، وكان ضايع في التفكير وما شاف ولا سمع صوت بوري هوندا أكورد سودا وهي تسوي يو تيرن. عبدالمجيد حاول يرجع لورا ويوقف السيارة بس كان فات الأوان، صدّم السيارة بصوت عالي في غمضة عين.
* * * * * *
فتحت عيونها وشافت حولها، كانت في مكان شكله زي غرفة في المستشفى، بس بسرعة فهمت إنها في غرفة الكشف في بيتها. جلست على السرير تحاول تتذكر كيف وصلت هناك. اللي صار اليوم اللي قبله بدأ يرجع في مكانه، تذكرت كل اللي صار مع عبدالمجيد وأمها وكيف كادت تصرخ بأعلى صوتها بعد ما طلع.
بس بعدين، كيف طلعت من غرفتها، لأن على حد علمها، غرفتها كانت مقفولة لما كل شيء صار، وكيف أمها وصابر كانوا يترجوها تفتح الباب. الطريقة الوحيدة اللي ممكن تكون فيها هنا إن أحد فتح الباب وجابها هنا. حسّت بعدم ارتياح كبير لأنها ما تتذكر اللي صار، هذا خلاها تبدأ تبكي. هذا بالظبط الإحساس اللي حسّت فيه لما صحت بعد ما نجيب خدّرها واغتصبها، ما كانت تتذكر أي شيء.
جلست بضعف على السرير، وهذا كان لما لاحظت إن فيه دريب في يدها، سحبته وتأوهت من الألم، وبعد ما رمته على جنب، نزلت من السرير. ما كان المفروض تكون هنا، كان المفروض تكون مقفولة في غرفتها لحالها. كانت تحط الكاب حقها في مكانه لما الباب انفتح وأمها دخلت ومعاها صينية أكل.
"يا حبيبتي، الحمد لله إنك صاحية. قلقتيني عليكي لما أغمى عليكي امبارح." قالت الحاجة مريم ومشت للمكان اللي كانت خيرية واقفة فيه بعد ما حطت الصينية.
خيرية نظرت لأمها في ذهول، ما صدقت إنها أغمى عليها امبارح بعد ما طلع عبدالمجيد، يعني الإحساس اللي حسّت فيه قبل ما يغمى عليها ما كان موت، جزء من قلبها كان يتمنى كذا. أمها سحبتها في حضن، وهي كانت تتصارع مع إغراء إنها ما تدفعها، هي السبب في كل شيء، ومع كذا قاعدة تتصرف كأن ما في شيء صار.
"شكلك مريض مرة، ومفروض ترتاحي كم يوم و..." سكتت أم خيرية ونظرت للدريب اللي على الأرض.
"ليش شلتيه؟ مو كويسة وتحتاجيه، فـ انزلي خلينا نرجعه، راح يخليكي تحسي بأحسن." شالت الدريب ورجعت للمكان اللي كانت خيرية فيه.
"جبتلك أكل، تقدري تاكلي وتنـزلي، وإلا راح تمرضي مرة تانية وما راح أحب كدا، بس اتجاوزي كل اللي صار، وإن شاء الله راح يمر، راح تلاقي رجال تاني أحسن من عبدالمجيد بعشر مرات." خيرية نظرت لأمها من خلال دموعها، الأم اللي مرت بآلام الولادة سببت لها ألم كبير مرة، ألم ما ينسى.
"ما يهمني كل الكلام اللي تقوليه، كنتي تركتيني هناك أموت، عشان كذا ما تهمني أي حاجة تبينها. ماما بليز اتركيني لحالي." قالت وطلعت بسرعة من الغرفة وقفلّت الباب بقوة.
الحاجة مريم وقفت هناك وفمها مفتوح. إيش اللي صاير مع بنتها؟ ما قدرت تفهم كيف تتصرف، خيرية قاعدة تتصرف بغرابة معاها من زمان. كان لازم تلاقي حل لأي شيء غلط مع بنتها، كانت تتصرف زي كأنها مسكونة بروح شريرة.
خيرية ركضت الدرج لغرفتها وضربت الباب وقفلتها، تفاجأت إنها ما شافت المفتاح هناك، هذا خلاها تجلس على الباب وبدأت تبكي بشكل ما قدرت تتحمله. حياتها اللي كانت جميلة مرة اتغيرت في غمضة عين، وفقدان حبيبها عبدالمجيد ما كان شيء سهل. عرفت إن هذا راح يخليها تعاني في حياتها، بس ما كان عندها خيار لأن هذا كان الحل لكل شيء. كان شيء ما يتحمل، كانت تتمنى إنها ماتت امبارح بدل ما يغمى عليها، كان راح يكون أحسن، كانت راح ترتاح من كل المشاكل اللي في حياتها.
فضلت الموت على الحياة بسبب كيف عالمها الجميل انهار لقطع بشعة، خيرية حسّت إن الاستسلام في الحياة هو الأفضل لها، الحياة ما لها معنى بعد كل اللي كان يصير. ايوا عرفت إن الحياة عمرها ما راح تكون زي ما تبغاها، راح يكون فيه طلوع ونزول وكل شيء، بس حياتها كانت تخرج عن السيطرة وشكت إذا كانت راح تقدر تتجاوزها. كل اللي صار راح يترك انطباع دائم وما ينسى في ذاكرتها للأبد.
خسرت عزيزها عبدالمجيد، خسرت سعادتها، خسرت الرجال اللي كانت تتمنى تقضي بقية حياتها معاه، الرجال اللي كانت تتمنى مستقبل مشرق معاه. خسرت كل شيء قضوه مع بعض سنين وهم يبنوه في يوم واحد. الآن تذكرت إنها ما حطت نفسها في مكان عبدالمجيد قبل ما تقرر إنهم يفترقوا بسبب الكارثة اللي حلت فيها، اللي ما قدرت تقوله له. خيرية نسيت الوعد اللي وعدها بيه عبدالمجيد: إنه راح يحبها ويكون معاها مهما كانت الظروف أو في أي موقف راح تكون فيه.
خيرية تحركت من الباب ونامت على البلاط البارد بسبب كيف كانت ضعيفة وراحت منها كل القوة، الدموع نزلت من عينها دي للعين التانية. نظرت لغرفتها اللي كانت مليانة بكل شيء غالي يستاهل ملايين الريالات. كان عندها كل اللي تبغاه في الحياة، بس ما فيه سعادة. الفلوس ما كانت كل شيء، هذا اللي كانت تحاول تقنع أمها بيه عدد مرات لا يحصى، بس ما قدرت. كل وضعية كانت فيها نتيجة لإيمان أمها الخاطئ بأن الفلوس والأشياء المادية هي الحياة.
سمعت من وراها لما الباب انفتح بهدوء، وحتى من غير ما تلف عرفت إنه أبوها، لأن ريحة العود المألوفة وصلت لأنفها قبل ما يمشي للمكان اللي كانت نايمة فيه.
"يا ملاكي ليش نايمة على الأرض؟" انحنى بسرعة ورفعها لوضعية الجلوس. حضنته بسرعة وبدأت تبكي في ذراعيه الدافئة، هذا العزاء اللي اشتاقت له، والآن أدركت كيف اشتاقت لأبوها. كان الوحيد اللي يقدر يفهم أي وضعية كانت فيها من غير ما يحكم عليها.
خيرية جلست في ذراعين أبوها وهو قاعد يربّت على ظهرها بهدوء للأعلى وللأسفل لين ما خفت شهقاتها. بعد دقائق، الباب انفتح مرة تانية ودخلوا إخوانها بسرعة.
"خير!" قالوا كل من صديق وإبراهيم في نفس الوقت وبسرعة، كانهم ركضوا كل الطريق للغرفة. خيرية رفعت راسها عشان تشوف إخوانها، وإبراهيم شهق لما شاف كيف شحب وجهها وكيف نحفت مرة.
"بابا إيش اللي صاير مع بيبي؟ صابر كلمني امبارح وهو يبكي وقال إنها مقفولة في غرفتها من أيام وأغمى عليها لين ما ماما استخدمت المفتاح الاحتياطي عشان تفتح الباب."
"هذا بالظبط اللي قاله لي هو كمان، كنت قلقان مرة وسافرت هنا بسرعة حتى لو كنت مشغول." صديق كمان جلس قدامهم.
خيرية نظرت لأخوانها، شافت الحب والاهتمام في عيونهم، كيف كانوا قلقانين خلاها تنفجر في البكاء مرة تانية، أبوها حضنها أقرب.
"انتوا كمان استأذنوا، تقدروا تتكلموا معاها لما تحس إنها كويسة اوكي؟"
صديق وإبراهيم هزوا رؤوسهم وخرجوا من الغرفة وقفلوا الباب وراهم.
أبوهم كان يعرف كل اللي قاعد يصير، صابر أبلغه عن وضعية خيرية امبارح. كان في لاجوس ومفروض يقضي أسبوع هناك عشان بعض الالتزامات، بس اضطر يرجع في داك اليوم بسبب الوضعية اللي حاولت مرته تخفيها لما سألها.
"بابا أنا تعبت من كل شيء في هالحياة، أتمنى بس أقفل عيوني للأبد، بابا أبغا....." شهقة خلّتها توقف كلامها.
"شش! يا ملاكي لا تقولي كلام زي كدا، انتي مسلمة والمسلم مفروض يتقبّل قدره مهما كان مناسب أو غير مناسب."
مسح دموعها وحط قبلة رقيقة على جبينها. "مهما استمر اللي يصير، اشكري ربنا وتذكري إن حياتك أحسن من حياة ملايين. ثقي في ربنا وما راح يكون فيه نهاية حزينة في حياتك، أي شيء غلط معاكي ممكن يكون اختبار، نعمة أو حتى هدية عشان كدا أبغاكي تتقبّلي قدرك وتستمري، لا تفقد الأمل. كوني صبورة يا أم الخير، الأفضل قريب."
هذي الكلمات اخترقت قلبها بعمق، وخلت دموعها تنزل أكتر، بس آمنت بكل اللي قاله أبوها، حسّت بالراحة، راح تستمر تصلي عشان الأفضل وعشان ربنا يصلح قلبها المكسور.