الفصل 6
كانت خيريّة وإخوانها جالسين في البلكونة ويستمتعون بصندوق بيتزا وشاورما، تعودوا على هذا الشيء، فبعد صلاة العشاء على طول، يجلسون هناك لبعض الوقت قبل ما يروحوا يناموا.
"خير، مصدقة إن أمي خطبتني لواحدة تانية في باوتشي الأسبوع اللي فات؟" سأل إبراهيم، أخوها الكبير مباشرة. خيرية قامت من الكنبة وقربت منه بعد ما مرت عليه شريحة بيتزا تانية.
"بجد؟" كانت بتحاول تخفي ضحكتها.
"أنتِ عارفة إني رحت هناك عشان شوية شغل، فأمي طلبت مني أزور صاحبة قديمة ليها وأشوف بنتها مردية لما أكون فاضي شوية. بعتت لي العنوان ورحت البيت، الست كانت مرحبة أوي، كويسة واستقبلتني بضيافة حلوة حسيت معاها إني في بيتي على طول، لحد ما البنت جت، وتركتني معاها، البنت كانت كويسة في النظر، بس لما بدأت تتكلم، يا إلهي!" إبراهيم هز رأسه بعدم رضا.
"طب إيه اللي حصل؟" سأل صديق، اللي كان على الكنبة اللي قصادهم، كان بيسمعهم في صمت، وبيعمل نفسه بيشيل جبنة من على البيتزا.
"مش عارفة!" خيرية قلبت عيونها.
"الحمد لله إن اسمك مش إبراهيم." رمى عليها كوب بلاستيك، وهي تفادت الكوب بضحك.
إبراهيم ضحك كمان.
"البنت دي ببغاء، حرفياً أكتر من الببغاء، بتتكلم كتير أوي، مش بتفلتر كلامها قبل ما تقوله، بتتكلم أي كلام. لو شفتيوا طريقة كلامها، كأنها تعرفني من سنين. أنا بس فضلت ساكت وباصص لها باستغراب، وكمان بتعمل رقصة بالراس." التلاتة ضحكوا، وخيرية وإبراهيم عملوا هاي فايف.
"مجنونة!" خيرية أضافت، وأخوها هز راسه.
"فضلت تعمل لهجة مزيفة وبتتكلم إنجليزي أي كلام، وبتتباهى إنها سافرت نيويورك السنة اللي فاتت، وراحت عمرة، وإن أبوها عنده نص ولاية باوتشي، ده وده، وقصص مالهاش لازمة ضايقتني. حسيت إني عايز ألطم البنت، وكدت أقول لها اسكتي، بس قدرت أهدى وأكمل استخدام التليفون بتاعي. لما شافت إني مش مهتم أسمع حكايتها، سكتت." هز رأسه تاني بينما خيرية وصديق كانوا بيسمعوا بانتباه.
"فودعتها من غير ما أقول أي حاجة. عمري ما قابلت حد بيتكلم بالطريقة دي، وتساءلت ليه أمي طلبت مني أشوف واحدة من الطبقة الواطية دي زي مردية، عشان خاطر ربنا أمي عارفة إني بحب الأنيقات، الهادئات، والمهذبات."
"أنتِ مفضلة عندها عشان كده، وعلشان عارفة إنك تقدري تقابلي البنات من غير ما تخيب أملها، أو توريها شخصيتك الحقيقية، مش زي حد." خيرية بصت لصديق اللي قرصها.
"ومين ده الحد؟"
"أنتِ طبعاً."
"فاكرين البنت اللي أمي طلبت منك تقابليها السنة اللي فاتت، اللي من النيجر. اسمها إيه بالظبط؟" إبراهيم سأل. خيرية وصديق ماقدروش يمسكوا نفسهم من الضحك.
"إزاي الأخ صديق ممكن ينسى سعاداتو أميرة أغاديز بتاعته؟"
"أنتوا الاتنين عارفين إزاي كانت مزعجة، بس كنت عايز أرضي أمي أوي عشان كده وافقت، وروحت البيت، البنت كانت متغطرسة جداً ووقحة جداً، كلمتني كأنها بتكلم واحدة من الخادمات بتوعها، وده خلاني أغضب أوي، فبصيت في عينها على طول وقلت لها أنا مش قدها، مش على مستواي، ومش مهتم بيها. شافت شخصيتي الحقيقية في اليوم ده، وأنا سبتها مصدومة وكادت تبكي."
"أنا بس مش عارفة ليه بعض البنات مش بيعرفوا يتكلموا. والله أنا بكره البنات اللي بيتكلموا من غير ما يختاروا كلامهم. يعني البنت المفروض تتكلم بأدب واحترام، بس معظم البنات اللي قابلتهم كده."
"بس مش كل البنات كده، فيه عدد كويس من البنات اللي بيعرفوا يتكلموا كويس، ومهذبين ومحترمين. وأنا متأكدة 100% إن أمي عمرها ما هتطلب من أي واحد فيكم يقابل بنت مش محترمة، يمكن بس أنتوا الاتنين بتطلبوا كتير ومتسلطين كالعادة." خيرية هزت كتفها.
"شوفي البنت دي، عشان أنتِ مش راجل، لو ماكنتيش كده، كنتي هتزهقي من مقابلة بنات كتير حلوين ومش بتلاقي البنت المناسبة، ده شيء متعب جداً. أمي حتى هتحس إننا مش مهتمين، ومش هتريد تجبرنا."
"أيوة يا أخ، ده بجد متعب." إبراهيم تمتم.
"عشان كده أنا حاسة إن أمي لازم تسيبكم تختاروا أزواجكم بنفسكم، مش لازم تتعب نفسها، عشان لما الموضوع ميبقاش صح، متلوموهاش، ممكن تلوموا نفسكم."
"أنا كمان بحاول أفهمها، بس هي بتحس إنها بتعمل ده من الحب، فده شيء مقدر." صديق بص على تليفون خيرية اللي بدأ يرن، وهي بسرعة مسكت التليفون من جنبها بعد ما شافت المتصل. قامت على طول واتجهت للباب وهي بتضحك.
"أمير الأحلام كلم." إبراهيم ضايقها، فبوزت، قامت بسرعة، وجريت على أوضتها وقفلت الباب بهدوء، وقعدت على الكنبة قبل ما ترد على المكالمة.
"يا جميل!"
"يا ملاكي، إزيك؟"
"كويسة. إزاي الشغل وكانو؟"
"الشغل ماشي كويس وكانو بتعاملنا كويس، بس أنا مشتاق لكِ."
"وااو! ده رومانسي أوي، أنا كمان مشتاقة لكِ." ابتسمت ابتسامة عريضة.
"بحبك."
"وأنا كمان يا حبيبي." همست بهدوء.
"عايز أشوف جمالك، خلينا نعمل مكالمة فيديو."
"تمام يا نقنقي الصغير."
"يا بيبي أنتِ والاسم ده."
ضحك بعد ما حول لمكالمة فيديو. خيرية صرخت لما شافته، وهو بعت لها قبلة.
"واو! أنا مش محظوظة إني معايا الجمال ده؟" قال بعد ما ظهرت على الشاشة. ضحكت وهي بتوري أسنانها البيضا اللؤلؤية لما سمعت كلامه.
"وكأنك أنت الوحيد المحظوظ، أنا كمان محظوظة إني معايا الراجل الوسيم ده بالابتسامة الوسيمة." أعجبت بصدغيه الحريرية اللي زودت سحره وذكوريته.
"ليه بتبصي لي كده؟" سأل بصوته الأجش.
"أنا بس مش عارفة إذا كان قانوني إن حد يبص بالجاذبية دي. أب لازم أرفع قضية عليك بسبب ده."
ابتسمت، وخيرية ضربت كفها على وجهها "يا رب ساعدني! الابتسامة دي كمان غير قانونية، عشان ممكن تكون موتي."
"التملق كمان غير قانوني، عشان بتخلي راسي يكبر أوي، ويا ريت ما تموتيش إلا لما نتجوز، وبعد ما نخلف توائم رباعية، وبعد ما نشوف أحفادنا."
"مش معقول! يعني 8 أطفال، بس تمام، ممكن تساعد في ولادة 6، وأنا هادير 2."
عبدالملك ضحك "هعمل أكتر من كده، عشان بحبك أوي، فممكن مفيش حاجة في الدنيا ما أعملها عشان أسعدك. مش قادر أصبر لما تكوني مراتي، علشان أشوف الوش المبتسم ده كل يوم، أبوس جبهتك، ونعيش مع بعض للأبد يا حبيبتي."
خيرية ماقدرتش تقول أي حاجة، فبس ابتسمت لعبدالملك، الابتسامة دي كان فيها مشاعر كتير أوي. ماقدرتش تتخيل تعيش من غير الراجل ده، المشاعر اللي عندها ليه خلت الفراشات في بطنها ترفرف.
اتكلموا عن ولا حاجة وعن كل حاجة قبل ما تغرق في النوم.
********
خيرية سمعت أمها بتنادي على اسمها لما دخلت غرفة المعيشة الفخمة، بسرعة قفلت الباب، ولما شافت أمها وهي نازلة من على السلم، عيونها اتفتحت بصدمة، هتتمسك بالصندوق المليان حلويات وشوكولاتات اللي سرقتهم علشان تجيبهم. كانت بتحب الحلويات والشوكولاتات أوي، وأصبحت إدمان، حتى لو أمها منعتها من أكل الحاجات اللي فيها سكر، عشان سنانها اتخلعت، بس ماقدرتش تبطل، ده أصبح جزء من حياتها، كان أكتر من إدمان. كانت متأكدة من إنها تخفي حلوياتها كل مرة بتجيبها، لو متمسكتش، ده بيعادل إن مفاتيح عربيتها تتسحب منها، وإنها ما تخرجش لمدة أسبوع، ولا حتى لبيت الأزياء بتاعها، فكانت دايماً حذرة جداً.
وقفت هناك لبضع ثواني بتفكر إزاي تخبي قبل ما أمها تشوفها، باب غرفة الغسيل كان مفتوح، وده كان الخيار الوحيد ليها، فمشيت بسرعة من غير ما أمها تحس بيها، اتنفست الصعداء وهي بتحط الصندوق على الأرض، كانت مضغوطة من قبل ما تدخل، وكان لازم تستخدم الحمام، فما قدرتش تقف هناك. فكرة خطرت على بالها.
جابت سلة متوسطة الحجم من السلات الكتير اللي هناك، وحطت الصندوق جواها، وبعدين رصت شوية من هدومها اللي كانت مكوية بالفعل، وحطتهم في السلة، وتأكدت إنهم مغطيين الصندوق، وهي ماسكة السلة، طلعت من الأوضة، بس وقفت ورجعت لما افتكرت إنها لسه لابسة العباية والطرحة، أمها أكيد هتعرف إنها خرجت. رمت السلة تاني، وشالت الطرحة، وفكت أزرار العباية، وخلتها لابسة بس فستانها الضيق الماروني، اللي كان بيبين جسمها، وبيظهر منحنياتها. بعد كده طبقت العباية، وحطتها في السلة، وبعدين خرجت من الأوضة.
شافت أمها في غرفة المعيشة بتشوف تلفزيون، أمها ما حسّتش بيها لحد ما قربت من السلم، صوت أمها خلاها تقف مكانها، قلبها بيدق بسرعة.
"كام مرة هقول لك توقفي تتحركي في البيت من غير ما تغطي شعرك، وأنا بنادي عليكِ من زمان، كنتِ فين؟"
خيرية دارت وهي بتضحك لأمها من غير ما تقول أي حاجة. وده خلى أمها تهز راسها.
"بتعملي إيه بالهدوم دي؟" بلعت بصعوبة وهي بتبص للسلة قبل ما تتكلم.
"مالقيتش الطرح بتاعتي، فرحت اجيبهم، أيوة ده اللي رحت أعمله."
أمها بصت لها بشك قبل ما تحط رجل على رجل، وهي بتبين الدم الملكي اللي فيها. "وامتى بدأت تجيبي هدومك من الغسيل من غير ما تستني سادية أو كريمة أو شفا ياخدوها لأوضتك وينظموها؟"
خيرية كانت مش مرتاحة للطريقة اللي أمها بتبص عليها بيها.
"كنت محتاجة الهدوم ضروري، عشان كده روحت اجيبهم، وهما مش كتير، فممكن أنظمهم بنفسي." قالت كل ده في نفس واحد.
أمها هزت راسها، حركة بتعملها بس لما تكون مش لاقية كلام. خيرية أخدت ده كإشارة عشان تطلع على السلم بسرعة، وتتأكد إنها ما تقعش السلة، وتخاطر إنها تتمسك.
لما دخلت أوضتها وقفلت الباب قبل ما تقعد على الأرض والسلة قدامها، طلعت الهدوم المكوية وركنتهم على جنب، ومسكت الصندوق بهدوء، وهي بتحتضنه في قلبها.
"ده كان ضيق أوي، بس أنتِ دلوقتي آمنة، بس هتكوني أكتر أماناً في بطني." لعقت شفايفها، وبعدين فتحت الصندوق، ريحة الشوكولاتات المتنوعة خلت بوقها يسيل. عدلت قعدتها، وبدأت تلتهم الشوكولاتات.
********
خيرية سمعت خبط على الباب، وبعدين السلام، وده خلاها تقوم بسرعة علشان تخبي أوراق الشوكولاتات. فتحت الباب وشافت واحدة من الخادمات.
"الست الكبيرة بتناديكِ."
"تمام، أنا جاية." طلعت من الأوضة، والخادمة قفلت الباب وراها.
قابلت أمها تحت، وهي لسه بتشوف عرض.
"مامي، كنتِ بتناديني؟"
"أيوة، أنا قلت لشفا وكريمة ينظموا حاجاتك، هنسافر لجغاوه بدري الصبح، وهنقضي هناك يومين." قالت الحاجة مريم بعيونها لسه على التلفزيون.
كانت أكتر من أمر، علشان أمها ما كانتش بتسأل عن رأيها، كان لازم تروح سواء هي عايزة ولا لأ، سواء عندها التزامات ولا لأ. غالباً في الحالات دي، مافيش مجال لخيرية علشان تظهر إرادتها أو رأيها، وهي بالفعل متعودة على ده من زمان وهي صغيرة، أمها فكرت إنها بتربيها بالطريقة اللي هي عايزاها، بس كانت بطريقة غير مباشرة بتجبرها على عمل بعض الأشياء. كانت طفلة مطيعة، فما كانتش بتقلق أبداً. كانت بتراضي أمها حتى لو ده هيجرح مشاعرها.
خيرية قعدت جنب أمها "تمام يا مامي، مش قادرة أصبر عشان أشوف العمة عائشة وبنات عمي."
إنّا عائشة كانت أخت أمها الصغرى، اللي عايشة في جغاوه، كانت مفضلة عندها، وكانت أقرب لها من أخواتها التانيين. الحاجة مريم كانت الطفلة الرابعة، عندها أخين كبار وتلات أخوات صغيرات، إنّا رقية اللي متجوزة في السودان، إنّا ميمونة في قومبي، وأختها الصغيرة إنّا عائشة، اللي متجوزة في جغاوه، واللي كانت مفضلة عندها من بين كل أخواتها لشويه أسباب.
"هناخد طيارة ولا هنروح بالعربية؟" خيرية سألت بلامبالاة.
"ماتكونيش مجنونة، إزاي تتوقعي إني أسافر لجغاوه بالعربية، دي مسافة بعيدة أوي. يبقى هناخد طيارة."
خيرية فضلت السفر بالعربية واستخدام المواصلات التجارية، اللي بتقابل فيها ناس جديدة، وبتتفاعل معاهم، وحتى لو السفر بالعربية كان صعب، ممكن تدبر حالها، رؤية المناظر الطبيعية والإعجاب بيها كان الجزء المفضل ليها في السفر بالعربية. هي حتى ما كانتش بتحب السفر، عشان دايماً بتجيها حالة إعياء وبتكون متعكرة المزاج لحد ما ترجع البيت.
"وليه عبوس الوش، تمام هاخد طيارة، وممكن تاخدي عربيتك. أو إذا مش مهتمة تروحي ممكن تقعدي في البيت مع إخواتك." الحاجة مريم بصت لبنتها اللي كانت عبوسة.
"ماقولتش أي حاجة زي كده، أنا بس بفضل أروح بالعربية، بس تمام، هادبر حالي مع الطيارة، خليني أدخل وأجيب الحاجات اللي عايزة آخدها معايا." قامت.
"قولي لصبير يجي."
"تمام." قالت وهي بتقترب من السلم، وبتتساءل ليه كل مرة بتسافر فيها أمها بتأمر الخادمات يرتبوا لها هدومها وكل حاجة محتاجاها. هي ما عادتش طفلة، وممكن تعمل الحاجات الصغيرة دي، بس أمها مش مهتمة. خيرية مالهاش خيار، بس إنها تقدر ده، تخليهم يحزموا اللي عايزينه، وهي هتعيد التعبئة وإعادة ترتيب الحاجات زي ما هي عايزة.