الفصل 12
"يا صابر! انزل من العربية وهات كل اللي جبناه جوه، أو الأحسن اطلب من واحدة من الشغالات تساعدك." قالت خيرية وهي بتبص لـ صابر من شباك العربية. كان مشغول بالتليفون بتاعه لدرجة إنه ما سمعهاش إلا لما كررت كلامها. كانوا لسه راجعين من المول بعد ما راحوا يجيبوا شوية حاجات مهمة. كانت تعبانة ومش طايقة تستنى أكتر عشان تطلع من حرارة الشمس الرهيبة. أخدت شنطتها من العربية وسابت صابر هناك، وبعدين مشيت المسافة من مكان الركنة لحد الباب.
"عندك ذوق تحفة بجد لما بيتعلق بالأثاث وكل الحاجات دي. كل حاجة هنا غالية أوي وكلاسيك. لازم أشكر مصمم الديكور بتاعك على الشغل الحلو ده، ولو سمحت عرفيني عليه." سمعت خيرية صوت شاكة إنه بتاع واحدة من صاحبات أمها وهي بتفتح الباب.
"تمام يا حاجة ميمونة، هعرفك عليه، هو بيعمل ديكورات تجنن حتى لو غالية شوية."
"أكيد عارفة إن دي مش مشكلة." ضحكت أمها والست التانية وعملوا هاي فايف.
دخلت خيرية جوه الصالة، مكان ما كانوا قاعدين، وركعت جنب أمها.
"أخيراً رجعتي، و فين صابر؟" سألت أمها.
"أيوه يا ماما، كان فيه زحمة مرور في الطريق عشان كده اتأخرنا، صابر بره."
"مساء الخير يا طنط." سلمت على الضيفة.
"إزيك يا حبيبتي؟" سألت الست الحلوة صاحبة البشرة الفاتحة وهي بتديها ابتسامة لطيفة.
"بخير الحمد لله." ردت خيرية الابتسامة.
"يا حاجة مريم! مش معقول! أم الخير دي هي اللي كبرت كده وبقت حلوة كده!"
بصت حاجة مريم على بنتها. "أكيد دي خيرية."
بصت الست على خيرية باستغراب. خيرية كانت بتحاول تتحكم في نفسها عشان ما تضربش كف على كف، كانت بتحس بالخجل لما حد يقول إنها كبرت.
"البنت بتكبر بسرعة، فاكرة لما كانت بنوتة كيوت صغيرة من سنين في كندا، دي كانت آخر مرة شوفتها فيها. هي مش بتيجي كتير لما أزوركم."
"صح. هي كانت بتدرس في باريس آخر مرة جيتي فيها نيجيريا عشان كده، وأنتِ عارفة إنك ما جيتيش نيجيريا بقالك فترة."
"يعني هي درست في باريس؟" سألت الست بفضول.
"أيوه، درست تصميم أزياء، وبكالوريوس وبعدين ماجستير. ودلوقتي عندها خط أزياء تحفة وشركة أزياء محترمة اسمها أزياء خير، وأنا عارفة إنك سمعتي عنها." قالت أم خيرية بفخر وهي بتبص لبنتها اللي كانت لسه موطية راسها، كانت مستنية بس إشارة عشان تمشي. كان بيضحكها أوي إن أمها بتحب تتباهى بشهاداتها وشغلها.
"أيوه طبعاً سمعت عن خط الأزياء والناس بتحب تصميماتها أوي. ربنا يوفق."
"آمين، شكراً." قالت خيرية بأدب.
"الزواج هو اللي باقي مش كده؟" سألت، وهزت خيرية راسها بخجل.
"ربنا يباركلك بزوج صالح و أمين."
"آمين، آمين." ردت خيرية وأمها في نفس الوقت. خيرية حست على طول إنها حابة الست الحلوة اللي شكلها هندي، ولما شافت ديل الحصان الطويل بتاعها من ورا، استنتجت إن الست دي نصانية مش نيجيرية كاملة. كانت معجبة بجمال الست دي. من بين كل صاحبات أمها الغنيات واللي بيحبوا يتباهوا، الست دي هي اللي شافتها لطيفة وبسيطة، كانت معجبة بده فيها. الست دي هي نوع الصاحبات اللي المفروض أمها يكونوا عندها، مش الناس اللي مغرورين بنفسهم أوي وبيشوفوا نفسهم أحسن من الناس اللي تحتهم.
استأذنت خيرية ومشت، وبعد ما بعدت عن السمع، اتحركت حاجة ميمونة ناحية صاحبتها وهي مبتسمة بسعادة.
"يا حاجة! عايزة أطلب منك طلب عشان مش ممكن أضيع الفرصة دي، بنتك دي جوهرة وبصراحة حبيتها." ضحكت.
"كنت بفكر لو ابني نجيب ممكن يجي يشوفها، يمكن يتفقوا مع بعض بما إنه هو كمان أعزب، يارب ما يكونش عندها حد بجد يعني."
ابتسمت أم خيرية بفرحة. "واو! دي فرصة كويسة أوي لخير كمان، ما تقلقيش هي مش مرتبطة بحد، يعني ينفع يجي يشوفها. يا رب كل حاجة تظبط."
"آمين." قالت حاجة ميمونة بسعادة. كانت معجبة بمدى هدوء خيرية وطاعتها، والأحلى من ده إنها متعلمة وست مستقلة من واحدة من أغنى وأشهر العائلات في البلد. مش هتكدب، ابنها هيكون محظوظ جداً لما ياخد البنت الحلوة دي كزوجة، كانت عارفة إن خيرية هتكون مناسبة جداً لذوقه. إن خيرية عبد الوهاب دانقوتي تكون مرات ابنها دي حاجة كويسة جداً مش هتخليها تضيع.
"معناها إن نجيب رجع نيجيريا كمان، أنا كنت فاكرة إنه عايش في كاليفورنيا؟"
"كلنا رجعنا عشان كده هو كمان رجع، على الرغم إنه عايش هناك ودلوقتي بيشتغل من هنا. لما يتجوز ممكن يرجع هناك على طول، السبب اللي خلانا نرجع هو إني عايزاه يتجوز هنا، والحمد لله لقى واحدة خلاص." كانت حاجة ميمونة مبسوطة أوي ومش قادرة تخبي ده.
"ده كويس جداً، وأنتِ اتخذتِ القرار الصح، لأنك عارفة العيال دول دلوقتي بيخلصوا بيها إيه، هيخلصوا يقولوا عايزين يتجوزوا حد بره، وممكن ما يظبطش. من غير ما يعرفوا إن الجواز هنا في البيت هو أحسن حاجة." أضافت أم خيرية.
"بالظبط، أنا بدعي إنهم يحبوا بعض."
"آمين." قالت حاجة مريم وهي بتفكر في الكلام اللي قالته، دي هتكون فرصة كويسة لخيرية كمان، لأنها مش هتكون عايشة في نيجيريا حتى، ده هيغير حياتها ومكانتها هتعلى. كل اللي كانت بتدعي بيه هو إن خيرية توافق على ده، لأن دول النوع اللي كانت عايزة بنتها تكون معاهم، مش كل الرجالة من الطبقة المتوسطة دول، نجيب المانصور هو الشخص الصح ليها.
******
كانت خيرية في الدولاب بتغير هدومها لما سمعت باب أوضتها بيتفتح، خلصت لبس وخرجت عشان تشوف أمها قاعدة على الكنبة.
"شكلك تحفة بالفستان ده. شكلك حلوة أوي يا بنتي." قالت أمها وهي معجبة بفستان الأتامبا اللي كان ضيق عليها.
"شكراً يا ماما." ابتسمت وقعدت على الأرض جنب رجول أمها.
"وبعدين، ما زهقتيش من ديكور أوضتك ده؟ بقى كده تقريباً 5 شهور، هتزهقيني لو كنتِ مكاني." قالت حاجة مريم وهي بتبص حوالين الأوضة، وضحكت خيرية.
"أنا حتى ماليش وقت أفكر أغيره عشان كده. ماما ممكن تساعديني فيه، لحاجة أحسن مش كده؟ أنتِ كويسة جداً في تصميم الديكور وعارفة كل قطعة أثاث المفروض تتحط فين بالظبط."
"تمام، هساعدك في ده لما أكون فاضية شوية، وممكن كمان نشوف كام حاجة تعجبك. هسافر دبي الشهر اللي جاي، فلو تحبي ممكن تيجي معايا و تختاري حاجات الفرح وكل حاجة تانية محتاجاها."
بصت خيرية لأمها باستغراب. "ماما! حاجات فرحي؟"
"طبعاً. ولا مش عايزة تتجوزي تاني، عايزة أشوف أحفادي قريب بما إن أخواتك لسه مش جاهزين. فأنتِ اختياري الوحيد." ضحكت خيرية بخجل، أمها كانت مضحكة أوي أحياناً.
كان مفاجأة إن أمها تدخل أوضتها وإزاي أمها بتطلب منها بأدب إنها ترافقها لدبي، أمها عمرها ما عملت كده وكانت أول مرة. كانت عارفة أمها كويس، كانت بس بتيجي أوضتها عشان تشتكي، و أمها بس هتطلب منها حاجة بأدب لما تكون عايزة خيرية تعمل حاجة في المقابل من غير ما تحسسها إنها بتجبرها زي ما بتعمل عادةً.
"طيب، فاكرة صاحبتي اللي جت الأسبوع اللي فات، حاجة ميمونة؟" سألت أمها.
"أيوه يا ماما فاكراها، الست الحلوة اللي شكلها نصانية مش كده؟"
"أنتِ مضحكة بجد. هي هندية، خليني أقول نص هندية ونص نيجيرية، أبوها هندي وأمها فولانية من يولا."
"واو! ماما، ده كويس. كنت بس معجبة بديل الحصان الطويل بتاعها اليوم ده، هي حلوة أوي وكانت بتضحكلي بلطف."
"اتقابلنا لما رحنا إجازة لكندا بعد ما اتولدتي، وصارت بينا صداقة على الرغم إنها مش عايشة في نيجيريا، هي بس بتيجي عشان تشوف قرايب أمها. هي عايشة مع جوزها وعيالها في أمريكا، بس دلوقتي رجعوا نيجيريا عشان هي عايزة كل ولادها يتجوزوا هنا."
"أيوه الجواز هنا أحسن." قالت خيرية، كانت بتتساءل ليه أمها بتلف و تدور، المفروض تدخل في الموضوع على طول وتقولها هي عايزة منها إيه بدل ما تحكيلها حكايات مش تخصها، كل حاجة كانت بتخليها قلقانة.
"قالت إنها حباكي أوي، وبصراحة حسيت بالفخر والسعادة لأنك بتسمعي الكلام زي ما كل الناس اللي يعرفوكي بيقولوا." ابتسمت.
"وأنا حبيتها كمان، هي ودودة ولطيفة، عشان أدتني مبلغ كبير من الفلوس." ضحكت خيرية وهي بتلعب بالخاتم اللي في صباعها.
"ممكن تغيري الخاتم ده و تجيبي مقاس أكبر بما إنه مش غالي أوي. ممكن حتى أشتريلك اتنين أو تلاتة كمان لو تحبي. صوابعك الطويلة شكلها حلو أوي لما تتزين بالخواتم الدهب دي." مدحت أمها، وخليت خيرية تبتسم ابتسامة عريضة. هي بجد بتحب لما أمها بتشتريلها حاجات حلوة و غالية، بس أمها بتعمل كل ده عشان تخليها تتباهى بالمجوهرات الغالية اللي عندها. ممكن تشتري 20 لو عايزة، الخواتم كانت المجوهرات المفضلة عندها، يعني عادي يكون عندها كتير.
"أنتِ عارفة إن حاجة ميمونة عندها 3 عيال، ابنها الكبير نجيب أكبر شوية من صديق، و بيشتغل في كاليفورنيا، والبنت التانية عائشة في نفس عمر إبراهيم، وأنتِ أكبر من فريدة بنتها الأخيرة. مش فاكرة إنك تعرفيهم، زمان أوي."
"كل اللي فاكراه إن عندها تلاتة عيال، بس مش فاكرة حتى أسماؤهم أو شكلهم طول السنين دي."
"ممكن تزوريهم يوم من الأيام أو حتى تقضي وقت معاهم لما تكوني فاضية بما إنهم كلهم رجعوا نيجيريا." هي بس ضحكت، أمها رجعت تاني بتحاول تخليها تقابل عيال أصحابها، وبتفكر إن خيرية هتصاحب العيال اللي مدلعين أوي، وده مستحيل يحصل. هي ست حاسة إنها مش مهتمة يكون عندها أصحاب كتير، الأصحاب اللي عندها كويسين بالنسبة ليها.
"تعالي اقعدي جنبي هنا." وطبطبت على المكان اللي جنبها، وبعد ما خيرية عملت كده، مسكت وشها وحطت قبلة حب على جبينها.
"ربنا يبارك فيكي يا حبيبتي، ربنا يوفقك بزوج صالح و يرزقك بكل اللي بتتمنيه."
"آمين يا ماما."
كان فيه سكات بعدين، لحد ما خيرية بصت لأمها اللي كانت بتفكر بعمق. "ماما، حاسة إن فيه حاجة عايزة تقوليها مش كده؟"
ضحكت أمها "خيرية يا حبيبتي، أيوه طبعاً فيه حاجة."
"تمام يا ماما أنا كلها آذان صاغية."
"ابن حاجة ميمونة هييجي يشوفك، هي مهتمة بيكي وسألت إذا كنتِ مرتبطة بحد، فقلتيلها إنك مش مرتبطة. هقولك على التاريخ اللي هييجي فيه عشان تعرفي، أوكي؟"
هزت خيرية راسها بس، وحست بدموع بتنزل في عينيها، بس بسرعة زقتها لورا. يا لهوي! إيه اللي بيحصل ده، هي مش مهتمة تشوف حد خالص، أُعطيت شباب كتير، بس ولا حاجة ظبطت، هي متأكدة إن ده كمان مضيعة للوقت. الخبر ده كان صدمة بجد.
"أنا عارفة إن ده مش سهل يا حبيبتي، بس أرجوكي كوني صبورة، أنا عايزة الأفضل ليكي عشان كده هعمل كل اللي أقدر عليه عشان أشوفك سعيدة ومستقرة في بيت جوزك." شدت خيرية ناحيتها.
"أرجوكي وافقي تشوفي الولد ده، وأنا بوعدك إني هخليكي تتجوزي اللي عايزاه لو نجيب مش كفاية عليكي، ده وعد يا حبيبتي، وأنا عارفة إنك مش هتندمي لما تقابليه. انتوا الاتنين هتظبطوا مع بعض و هتحبوا بعض، وده أنا متأكدة منه."
"تمام يا ماما، هفكر في ده. عن إذنك بس عايزة أجيب حاجة من الصالة." قامت بسرعة وخرجت من الأوضة، القعدة هناك بس هتخليها تعيط وتخليها معصبة أكتر ما هي معصبة.
خرجت من البيت ومشت على الجنينة، المكان اللي هتكون فيه لوحدها، كانت عايزة تفكر بوضوح من غير أي إزعاج. قعدت على واحد من الكراسي في الوقت المناسب عشان دموعها تبدأ تنزل. ليه أمها بتعمل فيها كده، إزاي هتوافق على إن حد يجي يشوفها من غير ما تستأذنها، ده مش عدل خالص. إزاي أمها ممكن تقول إنها مش مرتبطة بحد، طبعاً هي مرتبطة. أمها مش عايزة تكون مع عبد الملك عشان كده قادرة تقول أكتر من كده.
ندمت إنها ما قالتش لعبد الملك إن أبوها عايزه يشوفه في وقته، كانت بتتساءل إيه اللي منعها إنها تقوله لما جه، ودلوقتي ده كمان؟ كل حاجة بتحصل بتخليها صعب تفكر بوضوح. إزاي المفروض تشوف حد تاني وهي بتحب عبد الملك أوي. ده مش ممكن، ما ينفعش تخونه، ماذا لو اكتشف؟ كانت عارفة عبد الملك أوي، كان بيحميها أوي لما يتعلق الأمر برجالة تانيين. ليه الحاجات بتخلص في حياتها باستمرار.
حست بغضب، حيرة، حزن، ويأس في نفس الوقت، ومش قادرة تفكر في أي حاجة تخليها مرتاحة. لازم تتصل على أبوها وتقوله كل حاجة. حتى لو أمها توسلت بيها عشان تسيب عبد الملك عشان خاطرها. دلوقتي كانت بتفكر تاني في ده، بس مش ممكن تتخيل إن أمها تعمل كده فجأة، تطلب منها تشوف حد تاني قريب كده، كأنها بتحاول تتخلص منها. هي بتفضل تقابل حد لوحدها، مش إنها تتعرف عليه، بتحس إن الولد ده مش هيشوف قيمتها أو يقدرها.
"الحياة مش متوازنة أبداً!." قالت وهي بتنزل دموع جديدة.