الفصل 18
كان فيه كتير سواد حواليها، ولما حاولت تفتح عيونها الثقيلة، النور كان بيوجعها أوي. لما اتجاهدت بجد عشان تخلي عيونها مفتوحة، بصت بعنيها حوالين المكان، قدرت تشوف إنها في أوضة مفروشة بشكل جميل ومش مألوفة، والسرير اللي كانت نايمة عليه كان أقسى من بتاعها. هي فين في الدنيا؟
دي مش أوضتها ولا أي مكان تعرفه، طب ليه هي هنا؟ أول رد فعل ليها كان إنها تترعب، حاولت تقوم بسرعة بس ما قدرتش بسبب الوجع اللي حست بيه حوالين جسمها، الوجع كان شديد، وجع عمرها ما حست بيه قبل كده.
عقلها اتشوش وهي بتحاول تفكر إيه اللي حصل، حاولت تفتكر كل حاجة بس حست إنها متلخبطة أوي. هديت نفسها وهي بتحاول ما تترعبش لأن قلبها كان بيدق بطريقة مش منتظمة ونفسها كان بيتقطع تقريبًا.
وبعدين فجأة كل حاجة بدأت تظبط. افتكرت إنها خرجت مع نجيب للمطعم وإنّه كان بيضايق زي عادته. بعدين عبدالملك كلمها وهي اعتذرت عشان تكلمه تاني، وبعد ما رجعت، محاولة نجيب إنه يلمسها وإزاي حاولت تضربه. افتكرت إنها حست إنها تعبانة ونعسانة أوي، أيوه افتكرت كل ده، بس ما قدرتش تفتكر أكتر من كده، بس إيه اللي جابها هنا؟
لما فكرت في الحاجة الوحيدة اللي ممكن تكون بتعملها هنا، غمضت عيونها جامد وهي بتحس إنها سخنة أوي في كل حتة. فهمت معنى الوجع اللي كانت بتحس بيه.
هي كده ضاعت!
بصت حواليها تاني وهي بتحاول تلاقي دليل تاني على اللي شاكة فيه. بصت على نفسها، كانت متغطية بـ"دوفيه" وجسمها كان بيحس بغرابة من جوه، بصت في الـ"دوفيه" واللي شافته خلا الدموع اللي كانت ماسكاها تنزل، كانت عريانة خالص من غير أي لبس.
بصت على الشباك اللي كان قصادها، كان في نور كتير بره، وممكن تخمن إنّه تقريبًا الظهر، قدرت بجهد كبير إنها تقوم، والوجع كان أحّد، حست إن الدموع بتنزل تاني. مشيت بخطوات محسوبة على الشباك بوجع كتير، بصت بره على المبنى اللي مش مألوف، هي فين بالظبط، إيه اللي عمله نجيب فيها؟ انهارت على الأرض وهي بتعيط بشكل لا يمكن السيطرة عليه، ليه الحياة كده، حياتها كانت بالفعل ركوب أفعواني وده كمان؟
لما بدأت تفكر في اللي حصل تاني، قدرت بسرعة إنها تقوم، لازم تخرج من المكان ده لو حصل أي حاجة تانية، إيه لو رجع، هو فين؟ حست إنها ضعيفة ومتكسرة من جوه. مسكت هدومها اللي كانت متطبقة بشكل نظيف على السرير ولبستها، دموعها ما قدرتش تبطل تنزل.
إيه الشر اللي عملته في الحياة عشان أستاهل ده، إيه الشر اللي عملته لنجيب عشان يفكر يعمل كده فيها، إنه يحط مخدر في مشروبها في المطعم ويجيبها هنا عشان يغتصبها؟ كانت متأكدة أوي إنّه اغتصبها لأن الوجع اللي كانت بتحس بيه في المكان ده كان فظيع. خيرية ندمت إنها أخدت المشروب ده لأنه كان لا إنساني، وليه العالم مليان شر؟ عمرها ما هتسامح نجيب، دمّر حياتها، لوّثها للأبد، أخد منها اللي كل ست كانت بتفتخر بيه بالقوة. نجيب كسر الحياة اللي كانت عايشاها وبتدعي ربنا إنه يخليها أحسن.
بعد ما لبست هدومها، لقطت شنطتها و"الشباشب" بتاعتها اللي كانوا على الأرض. بصت على الأوضة نظرة أخيرة واتجهت للباب، فتحته وخرجت على الممر، ما عرفتش تروح فين، فاتبعت الشمال وهي بتمشي وبتعرج، الوجع اللي كانت بتحس بيه كان بيزيد أوي، وحست كأن نجيب ممكن يجي ويجيبها. وصلت للسلم ونزلت وهي بتكشّر لأن دموعها كانت بتنزل. لما خرجت من المبنى، بصت حواليها وهي بتفكر إيه اللي هتعمله بعد كده، لأن كل اللي كانت عايزاه في اللحظة دي إنها توصل لراحة بيتها.
قدرت توصل على جنب الطريق، فيه تاكسي وقف قبل ما ترفعه بالإشارة، رجعت بسرعة في خوف. ممكن تحلف إنّها عمرها ما ركبت تاكسي في نيجيريا، آخر مرة استخدمت تاكسي كانت في باريس أيام الدراسة.
"مدام، على فين؟" سواق التاكسي سألها وهو بيبص عليها من فوق لتحت.
"ميتاما." جاوبت ودخلت بسرعة في التاكسي، الوقوف في المكان كان بيخليها تحس إنها تعبانة ودوخة، والوجع الداخلي اللي كانت بتحس بيه كان بيزيد في كل ثانية بتعدي.
بصت من الشباك وهي بتشهق، بتبص على أماكن عمرها ما كانت فيها في الجزء ده من أبوجا، شهقة كانت بتحاول تحبسها طلعت، فخلى سواق التاكسي يلف عشان يبص عليها بسرعة قبل ما يرجع رأسه للطريق.
"مدام، أنتِ كويسة؟" خيرية كانت تايهة أوي وما سمعتهوش حتى، المشكلة اللي كانت فيها كانت أكبر من إنها تتكلم أو حتى تسمع حد بيتكلم. لما ما جاوبتهوش، هز رأسه، لاحظ إزاي كانت شكلها تعبان كأنها هتغمى، وإزاي كانت بتعيط دلوقتي خلاه يخاف، فضل يدعي بجد إنه يوصلها لوجهتها قبل ما يحصلها حاجة في التاكسي بتاعه.
لما سواق التاكسي وصل تقريبًا لميتاما، قدرت إنّها تديه العنوان، ما كانش صعب عليه لأن بيتهم كان معروف كويس في المنطقة. وصل ونزلها على البوابة وبعد ما نزلت، مد إيده من الشباك.
"حسابك ٢٠٠٠ نايرا."
خيرية بصت عليه قبل ما تفتح شنطتها، عقلها كان في حتة تانية فما فهمتش اللي قاله، جمعت نص الفلوس اللي في شنطتها وسلمتها له. أخد الفلوس وهو بيبص عليها مصدوم. الفلوس اللي أدتهالوا كانت أكتر من ٥٠٠٠ نايرا، النهارده كان يوم حظّه وحس إنه عايز ينط. بص عليها بحزن وهي بتعرج على القصر بدموع، وادعي ربنا إنه يسهل اللي غلط معاها.
ما كانش فيه حد لما دخلت الصالون فتوجهت مباشرة لأوضتها، قفلت الباب، دارت المفتاح، قلعت "الشباشب" بتاعتها، وانهارت هناك. انفجرت في صرخة قوية لأن الجدران اللي كانت ماسكاها اتهدت. حضنت نفسها لأن كل اللي حصل معاها رجع في ذاكرتها، الحياة ما هياش عادلة أبدًا، دقيقة بتكون مبسوط وبعد كده في دمار.
حاولت تقوم والوجع زاد، فخليها تصرخ وادت على بقها بسرعة بكفوفها، قررت تقعد تاني هناك. الوجع ده ما كانش حاجة بالنسبة للوجع اللي في قلبها، قلبها كان في حالة خراب، في حتة أبعد من الإصلاح. إدراك إنّها عمرها ما هترجع اللي نجيب أخده منها بالألم خلاها تعيط أكتر. خيرية عيطت لما خلاص الدموع خلصت، أخيرا استسلمت وقفلت عيونها وهي بتهمس بصلوات عشان تخفف الوجع اللي في قلبها اللي بيوجعها.
عمرها ما هتسامح نجيب، خان جسمها، وتمنت إن كل اللي عمله معاها كان في علمها، كانت هتدافع لآخر نفس فيها لأنها عمرها ما هتسمح له إنه ياخد منها اللي عمرها ما هترجعه.
خيرية حست إنها مجبورة وواعية في نفس الوقت كان أحسن لأنها عرفت كل حاجة حصلت، بس بعد كده قرر إنّه يحط مخدر ليها ويعمل اللي هو عايزه بجسمها، اللي عمله كان زي اغتصاب شخص ميت. ده كان قمة القسوة. إزاي ممكن تتأقلم مع اللي ما تقدرش تفتكره. نجيب دمر حياتها وعمرها ما هتسامحه حتى لو هتسامح كل واحد غلط معاها في الحياة.
دخلت الحمام وغيرت هدومها، حست إنها متضايقة من مجرد التفكير في اللي عمله نجيب فيها، اللي عمله هيفضل يطاردها للأبد. بصت على نفسها في المراية وانجرت في بداية جديدة من الدموع. دخلت في حوض الـ"جاكوزي" وشغلت المية السخنة لأنها كانت الحاجة الوحيدة اللي ممكن تغسل الوجع والعذاب اللي عمله نجيب. قعدت في الحوض وهي بتدفن راسها بين ركبها وفضلت تعيط بشكل فظيع لأن المية غسلت الدموع ولسه بتنزل.
خرجت من الـ"جاكوزي" بعد ما قضت ساعات جوه وهي بتعيط من قلبها. جسمها الضعيف بدأ يتهز وفقدت التوازن فخلها تقع بعنف على أرض الحمام، فضلت كده وهي بتعيط أكتر على القدر اللي كانت متورطة فيه. عيطت هناك لغاية ما نامت.
خيرية فتحت عيونها بعد كام ساعة وبعد ما أدركت فين وإزاي كانت نايمة، قامت بسرعة والوجع انتشر في كل جسمها. دموعها نزلت، وتمنت إن كل ده كان كابوس وحش ممكن تصحى منه في اللحظة دي، بس للأسف!
دي كانت الحقيقة.
******
خيرية نزلت من السرير اللي ما افتكرتش إنها كانت نايمة عليه، حاولت بأحسن ما عندها إنها تقف، بس المحاولة دي كانت بلا فائدة، حست بدوخة، وعرفت ليه، لأن معدتها كانت فاضية، ما افتكرتش آخر مرة أكلت فيها حاجة، ده كان أقل مشاكلها، الجوع ممكن يقتلها بكل اللي يهمها.
قعدت على السرير والدموع فضلت تنزل على خدودها بلا نهاية، ممكن الوقت أخيرًا جه لما دموعها هتخلص. حست إنها تعبانة، منهكة، مجهدة، وملّت من الحياة. كل حاجة حواليها بتوجع، حست بآلام جسدية في كل جسمها وآلام عاطفية، قلبها كان متكسر لقطع مستحيل تتصلح.
كان فيه نور بره لما بصت على الشباك، ولما بصت على الساعة، كانت الساعة تقريبًا ١١:٠٠. معدتها قرقرت بصوت عالي، زحفت على الأرض ودموعها نزلت.
سمعت كأن فيه حد بيخبط، ورفعت راسها بتبص على الباب، ما حدش جه يشوفها من امبارح بالليل قبل ما تنام.
"أختي." صابر قال وخبط على الباب تاني، فضلت ساكتة كأنّها مش موجودة، وما بطلش، فضل يخبط، لأنه عرف إنّها جوه، كانت بالفعل نايمة لما جه يشوفها امبارح بالليل.
"أختي أنا، من فضلك افتحي الباب. أنا مش هنا عشان أضايقك، ماما على التليفون وعايزة تكلمك، من فضلك!" ترجى.
"صابر بس أمشي، مش مهتمة أتكلم مع حد." خيرية قالت وهي بتضغط على إيدها على بقها بتحاول تكتم الشهقة اللي كانت بتحاول تطلع، ما قدرتش تخلي صابر يسمعها وهي بتعيط.
"ومن فضلك إيه اللي حصلك، من فضلك خليني أدخل، ماما قالت إنّها عايزة تكلمك، كانت بتتصل بخطك وما بيجيبش. خير، من فضلك افتحي الباب، أنا قلقان أوي، من فضلك قوليلي إيه المشكلة."
كان تقريبًا هينهار من الدموع، ومجرد سماع ده خلى خيرية تشهق أكتر ودفنت راسها تحت المخدة، ما قدرتش تتحمل إنها تسمع أخوها الصغير بيعيط، وما قدرتش تنهار في وجوده.
صابر اتكلم وترجى، ولما فهم إن أخته ما عندهاش نية تفتح الباب ليه، مشي، حتى نسي إن أمه لسه على الخط، هي سمعت كل اللي كانوا بيقولوه. فهمت ليه خيرية عملت كده، لسه زعلانة منها لأنها أجبرتها إنها تقابل نجيب، ابتسمت، ما كانش فيه حاجة تقلق. هتعتذر وهترجوها لما ترجع، وبعد ما تغرقها بهدايا غالية زي العادة. عرفت إن بنتها عندها قلب طيب وبتسامح بسرعة، فهتنسى كل حاجة في وقت قصير.
"صابر حبيبي." الحاجة مريم نادت بنعومة.
"أيوه ماما، خير مش عايزة تفتح الباب وقالت إنّها مش عايزة تكلمك، وإنّي لازم أمشي. أ..." الدموع بدأت تنزل وما قدرش يتكلم أكتر.
"يلا يا حبيبي، بطل عياط ومن فضلك ما تهتمش بأختك ماشي؟ أنا فاهمة إنها لسه زعلانة مني لأني أجبرتها تقابل نجيب، بس ما تقلقش كل حاجة هتبقى كويسة لما أرجع."
"ماما بحس كأن فيه حاجة غلط معاها، مقفولة على نفسها في أوضتها من امبارح، ورافضة تخرج عشان تاكل أو تعمل أي حاجة تانية، إيه لو حصلها حاجة وحشة؟" استخدم ظهر إيده عشان يمسح دموعه.
"ما فيش حاجة غلط معاها، هي بس زعلانة وأنت عارف إزاي ممكن تكون كتومة أحيانًا، فسيبها. ما فيش حاجة وحشة هتحصلها بس تأكد إنك بتتابعها."
"تمام ماما.