الفصل 29
كان أسبوعين فاتوا من يوم ما رجعت **خيرية** من جيغاوا، والأمور لسه زي ما هي مع أمها. لسه مش قادرة تستوعب اللي أمها عايزة منها تعمله. أمها عمالة تزقها توافق على الإجهاض وتعدي كل حاجة عشان كل ما أسرع، كان أفضل.
من وقت ما بدأت **خيرية** تستخدم حبوب النوم، ما قدرتش تنام براحة من غير ما تاخدها. دي كانت أقل مشكلة عندها، لأنها كل اللي عايزاه هو النوم بغض النظر عن أي حاجة، عشان كده الحبوب بقت أحسن صحابها.
النهاردة، غير الأيام التانية، ما قدرتش تنام حتى بعد ما أخدت الحبوب. يمكن عشان كان عندها مغص جامد في بطنها وضهرها من تحت. اتقلبت في السرير والألم بيزيد في كل ثانية بتعدي. الموضوع كان بيخرج عن السيطرة وحست إنها حتغمى عليها. لما الألم بدأ يخف شوية شوية، قامت وخرجت من الأوضة عشان تقول لأمها.
خبطت على الباب بالراحة وهي بتحاول تحافظ على توازنها عشان كانت دايخة وحاسة إن رأسها خفيف فجأة. خبطت تاني، بس لسه مفيش رد. عارفة إن أمها نايمة عشان الساعة بس 3:00 الصبح. قعدت بسرعة على الأرض لما الألم رجع تاني وبقوة، خلاها تتأوه والدموع بدأت تنزل من عينها. إيه اللي بيحصلها؟ إيه نوع الألم ده؟ سألت نفسها وهي بتلف إيديها حوالين بطنها اللي بتوجعها.
**خيرية** قضت حوالي تلت ساعة وهي بتتلوى من الألم على الأرض. كانت محتاجة مساعدة في الوقت ده عشان ما قدرتش تستحمل أكتر من كده. خافت أوي إنها ممكن تموت هنا من غير ما حد يساعدها. في النهاية، قدرت تزحف تاني لحد الباب وبدأت تخبط بعنف وعصبية تاني.
"مامي، مامي، افتحي الباب لو سمحتي." أخدت نفس عميق، وده خلى دموع أكتر تنزل من عينها.
"مامي، بموت هنا، أرجوكي اصحي." خبطت على الباب خبطة أخيرة ورجعت استلقت على الأرض. بدأت تقول أدعية بجدية، عشان ده كان الحل الوحيد في اللحظة دي.
أمها اللي سمعت كأن فيه حد عند الباب بيخبط، فتحت عينها وقعدت. شغلت لمبة السرير وبعدين نزلت من السرير. لما وصلت للباب سمعت صرخات مكتومة خلتها تفتح الباب بسرعة.
"مامي!" همست **خيرية** بصوت عالي كفاية عشان أمها تسمعها أول ما فتحت الباب. أمها اتفاجئت لما شافتها على الأرض وبتتألم. راحت بسرعة ناحيتها ومسكت وشها بحب.
"**خيرية**، إيه في إيه؟ ليه قاعدة هنا؟" سألت **الحاجة مريم** في نفس واحد. **خيرية** حاولت تقعد، ولما شافتها كده، أمها ساعدتها. الكلام رفض يطلع، وما قدرتش تفتح بوقها تتكلم. عينيها بدأت تلف، وقبل ما أمها تقدر تمسكها أقرب من كده، وقعت تاني على الأرض بصوت.
* * * * * *
كان فيه إحساس كده **لخيرية**، زي كأنها مش نايمة ولا صاحية. كانت سامعة الأصوات حواليها بس ما قدرتش تحدد إيه بالظبط.
"أم الخير، لو سمحتي اصحي." سمعت صوت أمها في نومها النص ونص.
"بيبي، لو سمحتي افتحي عينك، أنا قلقانة أوي." **خيرية** فتحت عينها بالراحة عشان تشوف أمها قاعدة على كرسي جنبها. شكلها كان مصدوم وقلقان أوي. **خيرية** لاحظت إنها على سرير في المستشفى، بس إيه اللي بتعمله هنا.
"مامي." همست.
"يا لهوي! خليتيني أقلق." أمها حضنتها جامد، وهي اتوجعت من الألم في بطنها. أمها فكت الحضن بسرعة لما سمعت كده.
"آسفة يا حبيبتي، نسيت، آسفة، طيب؟ بيوجعك؟ أنادي الدكتور؟ إيه الجزء اللي بيوجعك؟" سألتها **الحاجة مريم** بسرعة. **خيرية** بصت لأمها باستغراب. إمتى بقت حنونة كده؟ آخر مرة شافت أمها كانت بتجبرها تعمل حاجة ضد رغبتها.
"مامي، إيه اللي بعمله هنا؟ إيه اللي بعمله في المستشفى؟ إيه اللي بيحصلي؟" سألت **خيرية** بعصبية، عشان كانت عايزة تعرف إزاي وصلت هنا.
"اهدي يا حبيبتي، انتي عيانة ومش المفروض تضغطي على نفسك، ارتاحي وخفي الأول." قالت أمها بصوت هادي، بس **خيرية** كانت عارفة النبرة دي كويس أوي. أمها بتحاول تخبي حاجة عنها.
"لو سمحتي قولي إيه اللي حصل. فاكرة إني كنت بتألم أوي وما قدرتش أنام، فروحت خبطت على بابك. ده كل اللي فاكراه، ولا حاجة تانية. مامي، لو سمحتي قولي." اتوسلت.
"أنا آسفة أوي يا بيبي. خرجت عشان أشوفك بتنزفي، وقبل ما أقدر أقول أي حاجة، اغمى عليكي، وجبتك بسرعة على المستشفى. خسرتي دم كتير أوي، فكان لازم تاخدي نقل دم." أمها أشارت إلى كيس الدم اللي كان بينزل في جسم **خيرية** بالراحة.
**خيرية** بس استلقت براسها على المخدة بالراحة. فهمت كل اللي أمها قالته، فمفيش داعي للكلام. فهمت برضه إيه سبب النزيف، حتقبل ده من غير ما تسأل عن أي حاجة تانية. في الحقيقة، عارفة إن أمها مش حتقولها أي حاجة عن ده.
أمها بصت لها كأنها بتحاول تفهم حاجة. "ليه ساكتة؟ مفيش عندك أي حاجة تقوليها بعد اللي قولتهولك؟"
**خيرية** بس هزت راسها ووجهت وشها للسقف. كانت بتحاول تدخل كل حاجة في دماغها وتفهمها.
"متخافيش من أي حاجة. اللي حصل حصل عشان الأفضل. في الحقيقة، حصل لصالحنا، وأنا بشكر ربنا على ده. بما إنك رفضتي اللي كنت عايزاه، ربنا بالفعل قدر إن ده يحصل، فحصل. ده الأفضل، فمتفكريش في أي حاجة، طيب؟" أمها مسكت وشها وهي عيانة، ودموعها نزلت بالراحة.
**خيرية** ما قدرتش تعرف إذا كانت دي دموع فرح ولا إيه. حست إنها محايدة، بس حست برضه بموجة سعادة عميقة في قلبها. بس حتى لو عمرها ما كانت عايزة البيبي، الإحساس إنه مش موجود تاني خلا الدموع تنزل. بس زي ما أمها قالت، حصل للأفضل، وهي تقبلت ده من كل قلبها.
* * * * * *
"بتمنى ليكي الشفاء العاجل يا حبيبتي." **سهيلة** انحنت شوية وحطت بوسة ناعمة على جبين صاحبتها، وده خلى **خيرية** تبتسم.
"شكرا يا أحسن صاحبة."
"يا سلام، مش لازم تشكريني، لأني دعيت ليكي، انتي دايما في دعواتي." قالت **سهيلة** وهي بتقعد على السرير جنب **خيرية**. شالت طرحتها وحطتها على جنب، وبعدين لفت عشان تبص لـ **خيرية** اللي لسه شكلها عيان.
"عارفة إني كنت قلقانة أوي لما اتصلت بيكي وخطوطك كلها مقفولة، لأني أعرفك كويس أوي. إحساسي قالي إن فيه مشكلة. **خير**، انتي بس بتقفلي موبايلك لما يكون عندك مشاكل، لأني فاكرة إزاي كنتي بتقفلي موبايلك لأيام عشان بس كنتي متخانقة مع **عبدالمليك**. على طول وصلتني الرسالة بعد ما اتصلت عدد لا يحصى من المرات، فاتصلت بمامي، وقالتلي إنك عيانة."
**سهيلة** شافت ومضة ألم في عيون **خيرية** وحست إنها وحشة. مكنش المفروض تفتح موضوع **عبدالمليك** هنا، عارفة إن **خيرية** بتحاول بكل قوتها تنساه. حست إنها عايزة تضرب نفسها، عشان هي صديقة وحشة.
"أنا آسفة يا حبيبتي." حطت **سهيلة** إيدها على رجول **خيرية**. **خيرية** بصت لها باستغراب.
"مش فاهمة، آسفة على إيه؟"
"لاحظت إزاي بصيتيلي بعد ما جبت سيرة **عبدالمليك**."
**خيرية** ضحكت بخفة. "انتي بتضحكي أوي، مفيش داعي للاعتذار عشان جبتي سيرته، مفيش مشكلة في ده. ولو سمحتي، لازم تبطلي تقولي آسفة، انتي بتخليني أحس إني ضعيفة وعايزة أعيط."
"لا يا حبيبتي، لو سمحتي متعيطيش، دموعك غالية أوي." ابتسمت **سهيلة** لـ **خيرية** اللي رجعت الابتسامة بابتسامتها الحلوة.
خبطة جت من الباب، و**خيرية** سمحت للشخص يدخل. واحدة من الشغالات دخلت بصينية فيها سناكس وشوية مشروبات. حطتها على الطاولة اللي في النص في الأوضة وخرجت.
"بالهنا والشفا يا حبيبتي. عارفة إزاي صعبة عليكي تقعدي دقايق من غير ما تاخدي أي حاجة في بوقك." **خيرية** هزرت مع **سهيلة**.
ضحكت من قلبها. "أيوه، ما اقدرش أقعد دقايق من غير ما يكون فيه أكل في بوقي. بحب لما بوقي يكون مليان بأي حاجة تتاكل، ده حتى بيخليني مهتمة بشؤوني."
قالت وهي بتاخد قضمة من كيكة الشيكولاتة اللي كانت ماسكاها.
"أيوه عارفة، وعمالة أتساءل إيه نوع الشرهانة اللي بتاكل من غير ما تتخن. بتساءل الأكل بيروح فين."
"على طول على البلاعة."
رفعت دراعها بشكل درامي وهي بتمسح شفايفها.
"مممم! **خير**، الكيكة دي حلوة أوي وطعمها يجنن، ممكن أدي ليكي قضمة صغيرة لو عايزة."
"لا شكرا، أخدت شوية أمس وأنا كويسة."
"كنت بهزر بس، ما اقدرش أديكي قضمة." قلبت عينيها، وده خلى **خيرية** تضحك جامد برضه. وحشتها **سهيلة** أوي، وإنها معاها قريب خلاها تنسى كل همومها، حست إنهم بيطيروا في الهوا.
**سهيلة** مسحت صوابعها بقطعة من المناديل وحطتها على جنب. "لما مامي قالت إنك عيانة، كنت قلقانة أوي وحتى نسيت أسألها إيه اللي فيكي. إيه اللي حصل ليكي؟" سألت بإهمال، وما لاحظتش حتى إزاي مزاج صاحبتها اتغير على طول.
**خيرية** جمعت نفسها بسرعة، مش حتخلي الدموع تنزل تاني، مفيش داعي للعيط، عشان ربنا أنقذها من مصيبة إنها تخلف طفل من غير أب.
"أنا أجهضت." قالت.
**سهيلة** نطت من الصدمة، وعينيها الكبار كادوا يخرجوا من محجرهم. إيه اللي بتقوله صاحبتها؟ **خيرية** كانت بتحاول بجد إنها ما تضحك عليها، عشان إزاي واقفة وبقها مفتوح كان يضحك. بس مش غلطتها، **خيرية** كانت حتعمل نفس الشيء لو كانت مكان **سهيلة**.
"لو سمحتي اقعدي يا شوو، بصي إزاي بتبصيلي كأني طلعت راس تانية." سحبت **خيرية** **سهيلة** لتحت.
"**خيرية**، انتي في وعيك؟ عارفة إيه اللي لسه قولتيه؟" الصدمة والمفاجأة لسه مكتوبة على وش **سهيلة**.
"أكيد يا شوو، أنا جادة. أنا أجهضت، بس الحمد لله أنا كويسة تماما دلوقتي."
"إيه نوع الإجهاض؟ الإجهاض اللي أجهضتي فيه حواسك صح؟ أنا متأكدة 100% إن دماغك فيها مشاكل. إيه نوع النكتة دي يا أم الخير؟ إمتى حملتي وبعدين أجهضتي، ولا ممكن شخص يجهض من غير ما يكون حامل؟"
"اهدي يا **سهيلة**، أنا في وعيي ودي مش نكتة، أنا جادة أوي." **خيرية** جمعت كل الجدية اللي فيها عشان **سهيلة** تصدقها.
"بس إزاي؟ إمتى حملتي؟ في الحقيقة، مين اللي حملك؟ لو سمحتي يا **خيرية**، قوليلي إني بحلم." اتوسلت **سهيلة**.
"**سهيلة**، ده مش حلم، دي حقيقة. طيب، انتي عارفة..." **خيرية** وقفت وما قدرتش تتكلم أكتر.
"كملي يا **خير**، بتغرقيني في التشويق." كانت بتفقد صبرها.
"انفصلت عن **عبدالمليك** عشان **نجيب** اغتصبني، بس ما قدرتش أستمر معاه بعد ما راجل تاني لوث حياتي. شفتي إن الانفصال عنه هو الحل المثالي، حتى لو كان أكتر حاجة مؤلمة حصلتلي. فاكرة إزاي كنتي بتزنقي عليا عشان أقولك ليه انفصلت عنه، وما قدرتش. كنت عايزة أخفي ده سر، بس إحنا بنخطط، وربنا أحسن المخططين. عشان أخصر الحكاية، اكتشفتي إني حامل في طفل **نجيب** بعد شهر، انتي عارفة إني خفيت إني اغتصبت، بس مفيش طريقة أخفي بيها إني حامل. ما قلتش لحد إني اغتصبت غير لما مامي عرفت إني حامل. بس ده كله للماضي."
**سهيلة** ما قدرتش تقعد، فقامت تاني، ما قدرتش تهضم اللي **خيرية** لسه قالته. "يعني **نجيب** اغتصبك؟"
"أههم." هزت **خيرية** راسها.
"وما عملتيش أي حاجة في الموضوع، والأهبل حتى خلاكي حامل. يا سلام!" حطت **سهيلة** إيدها على وشها.
"ما كانش عندي الشجاعة أقول لحد، فروحت التجربة لوحدي. أنا كويسة عشان ده قدري، وأنا تقبلت ده من زمان، فمتتعبيش نفسك، أنا تجاوزت كل السلبية دي تماما."
**سهيلة** رجعت وقعدت وحضنت صاحبتها. كانت مش لاقية كلام تقولوا أو تعزي بيه **خيرية**. بس حست بالسعادة إن **خيرية** حصلها إجهاض، لو مكنش كده، ربنا بس اللي يعرف إيه اللي كانت ممكن تروح فيه.
"أنا آسفة أوي يا حبيبتي، أنا معجبة بالمرأة القوية والصابرة اللي انتي فيها، وأنا بشكر ربنا إنك حصلك الإجهاض ده. ربنا حيبارك روحك الصابرة، وزي ما وعد، صرخة المظلوم عمرها ما حتروح هدر. المصير حيلحق بـ **نجيب** بإذن الله."
**خيرية** عرضت عليها ابتسامة دافية. ربنا كان عارف العمل الشرير اللي واحد من مخلوقاته عمله فيها. ده كل اللي يهم، بما إن العليم بكل شيء عارف، يبقى ده كفاية.
**خيرية** كانت على وشك إنها تقول حاجة لـ **سهيلة** لما موبايلها رن. **سهيلة** صرخت بغضب قبل ما ترد على الموبايل.
"إيه في إيه؟"
اللي بيتصل قال كام كلمة، و**سهيلة** قفلت المكالمة من غير ما ترد. مسكت شنطتها، حطت الموبايل جواها، وقامت.
"رايحة فين؟" سألت **خيرية** وهي بتقوم برضه.
"حأروح دلوقتي، مامي قالت للسواق ياخدني الساعة 4:00 العصر، عشان رايحين مكان. والراجل بالفعل هنا. إزاي الوقت بيطير؟ كأني لسه جيت، وحتى ما خلصناش كلام." اشتكت **سهيلة** زي الطفل الصغير.
"متكونيش كئيبة، عارفة إن لسه فيه كلام كتير لازم نتكلم فيه، بس تمام. حنتكلم في الموبايل، وحأجي أشوفك يوم الجمعة، طيب؟"
**سهيلة** بس هزت كتفها وبعدين مسكت طرحتها وحطتها على كتفها. "تمام يا حبيبتي، لحد الوقت ده."
**خيرية** وصلتها للعربية. "سلامي لمامي وإخواتك. باي." سلموا على بعض، ولما العربية خرجت من البيت، **خيرية** دخلت.
"باباكي قالك تقابليه في أوضته دلوقتي." الشغالة اللي كانت جابت سناكس لـ **سهيلة** قالت لـ **خيرية** على طول ما دخلت غرفة القعدة.
"تمام." طلعت على السلم في طريقها لأوضة أبوها.
**خيرية** خبطت على الباب، وبعد ما أبوها رد، فتحت الباب ودخلت. اتفاجئت لما شافت أمها هناك. أبوها وأمها عايزين يشوفوها؟ ده معناه إن فيه حاجة مهمة أوي لازم يناقشوها. بصت لأمها اللي كان عندها تعبير غير معقول، وقعدت عند رجلين أبوها.
"بابا، انت طلبت **شفا** تكلمني."
"أيوه يا بنتي، أنا عملت كده." **الحاج عبد الوهاب** مسح حلقه وحط موبايله على جنب.
"**مريم**." قال أبو **خيرية**، قلب **خيرية** وقلب أمها اتقفزوا، **خيرية** ممكن تحلف إنها عمرها ما سمعت أبوها بينادي أمها باسمها.
"نعم." ردت ببرود، كان فيه حاجة في صوتها **لخيرية** ما قدرتش تفهمها.
"أنا متأكد إنك فاكرة إني مش عارف كل حاجة بتحصل في البيت ده من ورا ضهري، صح؟" كان هادي أوي.
"مش فاهمة إيه اللي تقصده هنا."
"طيب، حأوريكي إزاي تفهمي دلوقتي." أداني مراته نظرة مركزة.
"أم الخير." نادى.
"نعم يا بابا." قلب **خيرية** كان بيدق جامد أوي في صدرها. كان واضح إن أبوها اللي رجع من إنجلترا من أربع أيام فاتوا عرف عن الإجهاض وكل حاجة أمها كانت بتحاول تخفيها.
"ليه كنتي في المستشفى لأيام؟ عارفة إنك مش حتكذبي عليا، فقوليلي الحقيقة."
**خيرية** اتغيرت، قبل ما تبص لأبوها وبعدين لأمها، مفيش داعي تخبي حاجات، عشان أبوها عرف بالفعل.
"أنا أجهضت."
"سمعتي ده؟ ده بالضبط اللي قصدته لما قلت إني عارف كل حاجة بتحصل. إزاي اجبرتيها تقابل الراجل ده، إزاي اغتصبها، إزاي أجبرتيها تجهض الحمل، إزاي سابت البيت عشان كانت محبطة، وكل حاجة. انتي بتفكري..."
"يا حبيبي، لو سمحت اسمع...
"اسكتي لما أتكلم، ومتفكريش تتدخلي تاني." حذر بغضب.
"فكرتي إن كل اللي كنتي بتعمليه عشان بتحبيها صح؟ فاكرة إنك بتحاولي تختاري الشخص الصح ليها؟ انتي غلطانة أوي، عمرك ما تقدري تجبري شخص يحب اللي مبيحبوش، كان عندها حد أحسن بتحبه، بس انتي كنتي عمية بحب الثروة، وما قدرتيش تشوفي ده. **مريم**، كل اللي حصل للبنت دي كان نتيجة لضعفك كأم. عشان خاطر ربنا، إيه نوع الأم اللي بتجبر بنتها تعمل كل اللي انتي أجبرتي **خير** تعمله، إيه نوع الأم اللي مش بتسمع لبنتها؟ هل دي الطريقة اللي أمك ربتك بيها؟ وعشان ربنا باركك بطفلة صبورة، فضلتِ تستغليها من غير ما تاخدي في اعتبارك إحساسها. **مريم**، ربنا بالتأكيد حيسألك عن إزاي ربيتيها، وإيه حتقوليله، إنك دمرتي حياتها عشان كنتي عايزة تجوزيها لراجل غني؟"
نظر **الحاج عبد الوهاب** إلى مراته وبنته، الاتنين كانوا بيعيطوا، هز راسه بحزن.
"**مريم**، انتي حتى مؤهلة تكوني أم؟ أنا شاكك في ده، لأن الأم عمرها ما حتعمل اللي انتي عملتيه لبنتها، عمرها ما حتعمل كده! إزاي عايزة **خيرية** تشوفك؟ أنا متأكد إنها بتشوفك كأم شريرة ومش مهتمة بعد اللي دفعتيها فيه. **مريم**، أنا خايف أقول إني عمرى ما حأغفرلك إنك دمرتي حياة بنتي، وأنا متأكد إن **خيرية** برضه مش حتغفرلك."
"بابا، لو سمحت ابطل تقول حاجات زي دي. مامي معملتش أي حاجة غلط، أي حاجة حصلت كانت مقدرة. عمري ما حكون في صراع ضد الأم اللي مرت بألم الولادة عشان تجيبني في الدنيا." قالت **خيرية** وهي بتعيط.
"كله تمام يا حبيبتي، بطلي عياط. أنا مش طالب منك إنك تكوني في صراع ضد مامي، بس عايزها تفهم أخطائها وتصلحها، ده كل اللي أقصده. و**خيرية**، أنا دايما قلت ليكي مرات ومرات إنك تبلغيني بسرعة لما مامتك تحاول تجبرك، بس انتي ما كنتيش بتسمعي. كل اللي كنتي عايزاه هو إنك ترضيها بأي ثمن من غير ما تفكري إيه اللي ممكن يحصل."
"أنا آسفة أوي، خلينا ننسى كل ده ونتوجه للمستقبل، أنا تقبلت أخطائي. لو سمحتي اغفريلي." استخدمت مناديل عشان تمسح دموعها وهي بتبص لجوزها.
"كله تمام، سمعت اعتذاراتك. والسبب التاني اللي خليتكم تيجوا هنا، هو إني حأخد **خيرية** معايا لإنجلترا. هناك، أنا شايف إن ده حيكون أفضل ليها، غير هنا، اللي دايما بتُجبر فيه."
**الحاجة مريم** رفعت راسها لأبوها بصدمة، ليه حيعمل كده؟ ليه حياخد بنتها بعيد عنها؟ ده مش عدل. راحت للمكان اللي هو فيه وضمت كفيها على بعض.
"بابا **صديق**، لو سمحت متعملش كده، لو سمحت متأخدش أم الخير بعيد عني، أنا بوعدك إني حاعاملها زي ما انت عايز من غير ما أجبرها، بس لو سمحت متأخدهاش بعيد، فين حتلاقي زوج تتجوزه في إنجلترا؟ لو سمحت أنا بتوسل إليك إنك تفكر في ده." فضلت تتوسل والدموع بتغرق عينيها.
**الحاج عبد الوهاب** قعد بيبصلها وهو حاطط إيده تحت دقنه. "الأفضل إنك تبطلي عياط وتتوسلي، لأني بالفعل أخدت قراري، ومفيش رجعة. مش لازم تقلقي بشأنها تجيب جوز هناك، دي مش مشكلتك. مش حأسيبها هنا عشان تقدري تجبوريها على راجل تاني."
"لو سمحت متعملش كده فيا، لو سمحت حط نفسك مكاني." لفت لـ **خيرية** اللي كانت بتعيط برضه. "أم الخير، لو سمحتي كلمي أبوكي، لو سمحتي قولي إنك مش ممكن تروحي معاه." **خيرية** بس فضلت تبص لأمها من خلال دموعها.
"متجرأيش تفكري إنك تجبريها على كلام زي العادة. سيبيها، عشان مفيش حاجة حتمنعني من إني أروح معاها. تقدري تستمتعي بحياتك لوحدك من غير ما حد يجبرك." قام وهو بيبص على ساعة يده.
"**خيرية** جهزي حاجاتك، حنرحل يوم الجمعة، اللي هو بعد تلات أيام من دلوقتي. متقلقيش على مامتك، حتكون كويسة. لو سمحتوا تسمحولي، عندي شغل مهم لازم أخلصه." أداني مراته نظرة أخيرة وخرج من الأوضة، وساب أم وبنت بيعيطوا.
* * * * * *
**خيرية** شافت السواق بيحط شنطها في الشنطة، قفلها بعد ما حط كل حاجة جواها. شافت أبوها وهو بيمشي للمكان اللي كانت واقفة فيه هي وأمها بتبص للسواق.
"**خيرية**، ادخلي العربية، كل حاجة جاهزة. ولا عايزانا نفوت طيارتنا؟ عارفة إنك مش ممكن تخاطري بده، عشان وحشكي إنجلترا أوي." هزر.
**خيرية** ابتسمت ولفت عشان تبص لأمها اللي كانت بتحاول ترجع دموعها. "مامي، حنرحل."
**الحاجة مريم** شمت بسرعة ولففت بنتها في حضنها قبل ما تبدأ تبلها بوس على وشها وهي بتعيط. "**خيرية**، لو سمحتي اغفريلي، أنا آسفة على كل حاجة مريتي بيها بسبب الأم الأنانية اللي أنا فيها. اعتني بنفسك، وحأجي أشوفك لما تحبي. حأوحشك، وبحبك أوي يا بنتي الصغيرة."
"كله تمام مامي، لو سمحتي بطلي عياط، الناس بيشوفوا. بطلي اعتذار، عشان ما عملتيش أي حاجة غلط، وأنا كمان بحبك يا أمي. مع السلامة." فكت **خيرية** الحضن ودخلت العربية بسرعة، كانت بتحاول بجد إنها ما تعيط برضه.
أبوها قال شوية حاجات لأمها قبل ما يدخل العربية، والسواق شغلها. بصت لأمها من الشباك وسلّمت عليها، ودمعة نزلت من عينها.
قبل ما السواق يسوق من البيت، ادت البيت نظرة أخيرة، وبعدين حولت نظرتها بسرعة. بالتأكيد حيوحشها البيت وكل الناس اللي فيه. البيت والبلد بشكل عام بيحتووا على ذكريات كتير مش ممكن تنساها، الحلوة والوحشة والقبيحة. بس على الرغم من ده، كانت عارفة إنها حترحل للأبد. لازم تنسى ماضيها وتكمل، لو كانت عايزة مستقبلها يكون أفتح.
"وداعا!" همست **خيرية** بهدوء. الرحيل كان الحل الصح لـ **خيرية** المكسورة اللي كانت بتحاول تخبي أحزانها من الناس اللي حواليها.