الفصل 20
قامت خيريّة من الكنبة اللي نامت عليها ومطّت عضلاتها اللي بتوجع، حسّت إنها ضعيفة وتعبانة خالص حتى بعد ما عرفت تنام كويس. معدتها قرقرت بصوت عالي وقفلت عينيها، الأكل كان آخر حاجة في دماغها، وما كانش عندها اختيار غير إنها تاكل عشان كانت بتضعف. آخر مرة أكلت فيها وجبة كويسة كانت من أيام، وكانت بتشرب مية بس لما تحس بالعطش، وبس.
بصت في ساعة الحيطة، الساعة عدت العشرة، الوقت المضبوط للفطار، والخادمات كانوا هيجيبوا فطارها كالعادة حتى لو ما فتحتش الباب، كانت بس بتبعتهم، بس مشكلة اليوم مختلفة، حسّت كأنها هتموت لو ما أكلتش. خيريّة ما يهمهاش في ده كله، أي حاجة ممكن تقتلها عشان كانت زهقانة من الحياة في اللحظة دي.
بعد دقايق، خبط حد على الباب، وخيريّة بصت على الباب مستنية أي حد يتكلم.
"صباح الخير يا مدام صغيرة. جبت فطارك." قالت الخادمة وحطت الصينية جنب الباب، لما خيريّة ما قالتش حاجة، مشيت.
قعدت هناك تقريبا ساعة بتفكر في ولا حاجة بالذات، افتقدت خيريّة القديمة اللي كانت مرحة وسعيدة، ومش هتنسی أبدا اللي عمله نجيب فيها، أخد منها بالقوة خيريّة اللي الكل كان عاوز يشوفها. خيريّة دي كانت بتخبّي نفسها عن العالم عشان حاسة إن الحياة ما تستاهلش. دموع نزلت من عينيها ومسحتها بسرعة.
أخيرا لما بدأت تحس بصداع فظيع، قامت ومشت للباب، كان مفاجئ إنها لسه حاسة بألم في أماكن معينة. وقفت هناك بتفكر إزاي تفتح الباب، ولما معدتها قرقرت تاني بصوت عالي، لفت المفتاح بالراحة وفتحت الباب وبصت على العالم اللي كانت حبسة نفسها منه، البيت كان هادي ووحداني زيها بالظبط. مسكت الصينية ودخلت تاني الأوضة، تقريبا قعدت، بس لما افتكرت إنها ما قفلتش المفتاح، قامت بسرعة وقفلت الباب. دي الحياة اللي اختارتها، كانت بتحاول تلاقي نفسها تاني، وما كانش سهل.
فتحت الأكل اللي ريحته ملّت مناخيرها، الأكل كان مفروض يخليها تسيل، بس مش تاني، كل حاجة في الحياة كانت وحشة ومش بتشدها في اللحظة دي. حطت أجزاء صغيرة من البطاطس الفِرايِز، الفراخ، والأومليت في الطبق وبدأت تنزل الأكل بالعافية في زورها. عرفت تاكل شوية ودموعها مستمرة، الحياة ما كانتش سهلة خالص.
خيريّة زقت الصينية بعيد بعد ما شربت فنجان قهوة ونامت على الأرض، رفعت عينيها اللي تعبانة وحمرا، وبصت على السقف. الدموع السخنة ما بطلتش تنزل من عينيها اللي كانت زمان حلوة ومنورة.
افتكرت إزاي عيطت كتير في الحمام لما صابر قال لها إن عبدالملك كان هنا من يومين. كانت تتمنى إنها خرجت تشوفه، بس ما كانش في طريقة لده، خلاها تحس وحش أوي إنها عملت كده لعبدالملك عشان كان قلقان عليها، وبيحبها أوي.
******
صوت الأذان خلّى خيريّة تقعد من وضعية النوم، كانت بتحاول تنام من زمان بس ما قدرتش، عقلها فضل يروح ويفكر في ولا حاجة وفي كل حاجة. افتقدت إحساس إنك مرتاح.
بعد ما صلّت قعدت على سجادة الصلاة وهي بتدعي من قلبها المكسور اللي ما بيبطلش يوجعها. رفعت راسها، ولما عينيها وقعت على رف الكتب في الأوضة، قامت وأخدت واحد من المصاحف اللي هناك، ورجعت تقعد. فتحته ودموع نزلت.
"يارب سامحني!"
ما افتكرتش آخر مرة فتحت فيها المصحف عشان تقرا، كانت مضطربة ومستغلة بالعيطة لدرجة إنها ما كانتش بتفكر في القرآن، اللي لو قرأته هتلاقي فيه راحة وطمأنينة تامة على طول.
قرأت ساعتين وكانت في الآية قبل الأخيرة لما سمعت خبط على الباب، قرأت الآيات الباقية، وبعد ما قفلت المصحف ورجعته مكانه، مشيت للباب في الوقت المناسب عشان خبطة تانية.
"مين؟"
"أختي أنا، اتكلمنا مع بابا، ولما سأل عليكي، قلت له إنك نايمة. بيبعت تحياته الحارة، واعتذر لأنه مشغول ومش بيتصل بيكي من أيام، مع إن تليفونك كان مقفول لما اتصل الصبح." صابر حاول يفتح الباب بس كان مقفول كالعادة، هز كتفه، كان بيبدأ يتعوّد على ده.
"وكمان اتكلمت مع ماما. قالت إنها هترجع بعد بكرة الخميس، قالت إنك ممكن تبعت لها قائمة بكل اللي عاوزاه، أنا بالفعل بعت لها بتاعتي عشان أساعدك في بتاعتك لو عاوزة."
خيريّة وقفت هناك مش عارفة تتكلم عشان ما كانش عندها كلام تقوله لصابر. أبوها كان واحد من الأسباب اللي خلتها تقفل تليفونها عشان فيه احتمال إنه يفهم إنها مضطربة من صوتها بس. ما كانتش عاوزة تضغط عليه أكتر، وعرفت لو عرف باللي حصل لها، الدنيا هتقوم، وهي متأكدة 100% إنه مش هيتفهّم ده لأمها. ما كانتش عاوزة أهلها يكون عندهم سوء تفاهم تاني بسببها، فوعدت إنها هتكون صبورة وهتخبي ده عن أبوها، ده كان أحسن حاجة تعملها حتى لو بتوجع أوي إن ما فيش كتف تعيط عليه.
صابر خبط على الباب تاني لما خيريّة ما قالتش حاجة. "إنتِ هنا؟"
"أيوه، سمعت اللي قولته، هفكر في الموضوع، وممكن تمشي." ردت خيريّة.
"أنا آسف، بس همشي لما تقولي لي الحاجات اللي عاوزة ماما تجيبها ليكي عشان أقول لها."
دموع خيريّة بدأت تنزل تاني، مجرد ذكر أمها خلاها دمها يغلي، وخلّى دموع أكتر تنزل. ما قدرتش تبطل تتساءل ليه أمها كده، أمها ما بتهتمش بالحالة اللي هي فيها، كل اللي يهمها حاجات الدنيا بدل صحتها. شخرت بالراحة ومسحت دموعها.
"إيه ال"...
"صابر مش محتاجة حاجة، بس امشي!" قالت خيريّة وسط الدموع، حاولت تمسك دموعها بس ما قدرتش، انهارت هناك وعيطت براحتها.
خيريّة كانت صلت وكانت هتتني سجادة الصلاة لما سمعت صوت عربية برة البيت، كانت قريبة من الشباك، فمشت الخطوات القليلة هناك، وزقت الستاير بالراحة، اللي شافته واقف تحت خلاها دموعها اللي باقية في عينيها تستمر في النزول.
عبدالملك كان واقف جنب عربيته وإيديه متشابكين على صدره، كان لابس قميص رمادي وجينز، حتى لو كان قلقان، لسه هو الشاب الوسيم اللي خيريّة ما بتبطلش تحبه كل دقيقة. وقفت هناك بتبص عليه، ودموعها نزلت، ياريتها تقدر تصرّح بوجعها له، ياريتها يقدر يفهم الحالة اللي هي محبوسة فيها، ياريتها عبدالملك يقدر يفهم كل حاجة من غير ما تقول له خالص.
بصت على إزاي هو حنين، ولطيف، وطيب، ومهتم، يستاهل حد أحسن منها، ست مش ملوثة، ست مش مكسورة لدرجة ما تتصلحش، ست أحسن منها، ست تقدر تدّيله كل الحب اللي يستحقه. بس هو ما يعرفش عن ده كله، وهي ما تقدرش تكون معاه تاني، أيوه تقدر تخبي كل حاجة عنه وتكمل معاه، بس هتكون أنانية أوي لو عملت كده. عبدالملك عنده قلب كويس، والمفروض يكون مع حد أحسن. هي بتحبه أوي، وعايزة دايما الأحسن له، فلازم تعمل اللي هو أحسن ليهم هما الاتنين. هي قررت.
بصت على صابر وهو بيمشي للمكان اللي كان فيه عبدالملك، وقال كام كلمة اللي هي عرفت إنها بتخصها عشان صابر بص على الشباك، وعبدالملك بص هناك كمان، خلاها ترجع بسرعة عشان حسّت كأنه شافها.
خيريّة مشيت للكنبة في الأوضة وقعدت، دفنت راسها في كفوف إيديها وعيطت. عبدالملك كان قريب أوي، بس شكله بعيد أوي، حسّت إن حاجة بتشده بعيد عنها، حاجة حسّت إن قلبها ما يقدرش يحتملها، بس ما كانش عندها اختيار، ده كان أحسن حاجة تعملها، وهتصبر على وجعها، عشان مع كل صعوبة بيجيّ سهولة.
سمعت عبدالملك يمشي بعد دقايق، ده خلاها تعيط أكتر عشان افتقدت الأيام الحلوة لما الحياة كانت ماشية تمام، وهي كانت معاه بتستمتع باللحظات الحلوة اللي مش هتنساها، لحظات هتعيش عشان تعزها. عبدالملك كان حلمها اللي اتحقق في الحياة، بس ما تخيلتش الكارثة دي اللي حبستها بعيد عن كل الناس اللي بتحبهم.
******
عبدالملك ركن العربية جنب الطريق عشان إزاي كان بيفكر في خيريّة طول الوقت كان بيجننه. التفكير فيها مع السواقة كان خطر، ما قدرش يركز في الطريق، فركن العربية كان أحسن اختيار. حط راسه على الدركسيون، بيفكر في الحاجات اللي حصلت من اليومين اللي فاتوا لما راح يشوفها، وهي رفضت تطلع، وفضل يتساءل إيه اللي عمله من غير ما يعرف، بس ما قدرش يفكر في أي حاجة. هما الاتنين كانوا كويسين مع بعض من اليوم اللي قالت له فيه إن أبوها طلب يشوفه، ومن اليوم ده تليفونها كان مقفول.
أخوها قال له إنها لسه محبوسة في أوضتها، وما عندهاش نية تخرج، ولما سأله ليه بتعمل كده، صابر قال له إنها كده من يوم الخميس. هو فهم إن صابر بيخبي حاجات معينة عن خيريّة، ولما حاول يستفسر أكتر، صابر ودعه، ورجع بسرعة على البيت. صابر عمل كده عشان الوقوف هناك مع عبدالملك، والبص على إزاي كان بائس، كان ممكن يخليه يقول له كل حاجة، وإزاي أمهم أجبرتها إنها تقابل نجيب، وإنها كده من ساعة ما خرجت تشوفه.
قبل ما يمشي، شاف لمحة من حد زي خيريّة عند الشباك بتبص عليهم، ولما شافته، مشيت بسرعة من هناك. ما كانش مفروض إنها تتجسس، كان مفروض تنزل تشوفه، هو كان عاوز يشوف وشها الحلو.
عبدالملك بعد كده فكر في كل الأسباب الممكنة اللي ممكن تخليها تقفل تليفونها، وبعدين ترفض تشوفه، بس ما قدرش يجيب سبب كويس كفاية ليها عشان تعمل كده. تساءل يمكن حد قال لها حاجة وحشة عنه، بس ده ما ينفعش يكون السبب، حتى لو ما كانش كامل، ما فيش حاجة وحشة فيه ممكن حد يستخدمها ضده. تساءل لأيام، ولما افتكر حاجة سمعها من مصدر مهم أوي، اتضايق، يمكن ده كان السبب اللي بيخلي خيريّة تبعده.
حد زمان قال له إن أم خيريّة مش بتوافق على علاقتهم عشان هو راجل هوسي، وإن خيريّة أعلى من مستواه، وحاجات تانية. ما صدقش ده أبدا، بس مع كل الحاجات دي بتحصل، حسّ يمكن أم خيريّة أخيرا أقنعتها إنها تسيبه، ولسه مش قادر يستوعب ده. هو عارف خيريّة كويس أوي، وبيثق فيها، عمرها ما هتتخلى عن حبهم مهما المستقبل ممكن يشيل إيه، مهما هتمر بإيه. كل ده سابه محتار كل ما افتكر هي بتعمل إيه.
هو حاول يديها مساحة هدوء من اللي كان غلط معاها، بس ما قدرش، حسّ إنه محتاجها قريبة أوي منه عشان يقدروا يشاركوا مشكلتها، كانت جزء كبير منه، فلازم يكون معاها، بس مع كل اللي بيعمله في محاولة مساعدتها، هي بتبعده، وهو ما قدرش يتحمل ده، قلبه هيكون في حتت لو استمرت على كده.
خاف يمكن خيريّة تعبت وملت منه، ده خلا قلبه يوجعه، بس وعد نفسه إنه هيسيبها لو ده اللي هي عاوزاه، أيوه هو بيحبها أكتر من نفسه، بس مش أناني كفاية عشان يفضل يضغط على نفسه عشانها لو ما عادتش مهتمة بيه، هيديها كل المساحة اللي محتاجاها.
عبدالملك غطى وشه بإيديه، حسّ إنه عاوز يعيط، بس الدموع ما نزلتش، حسّ إنه عيان وتعبان من الحياة، وتمنى إنه يقدر يرجع بالزمن للحظات الحلوة اللي شاركها مع حبيبته، لحظات محفورة في ذاكرته للأبد، كل ده راح، ومش هيفقد الأمل، هيفضل يبص لقدام لأيام أحسن في المستقبل، لما كل حاجة هتحصل، وهيرجعوا للعشاق العاديين اللي كانوا. هو وعد إنه يكون عمود دعمها، بس ده ما ينفعش لو ما اتكلموش. الكلام هو الأساس في كل علاقة، لازم تقول له همومها عشان يقدروا يحلوا المشاكل.