الفصل 25
بعد شهر.
التحرك للأمام ما كانش سهل، بس خيرية قبلت ده بفرح، كان الأحسن ليها. في الأول فكرت إن ده مش ممكن، لحد ما اضطرت إنها تعمله. نسيت كل حاجة وعرفت ترجع لحياتها العادية.
بعد المرحلة دي، أدركت قد إيه اشتاقت لبيت الأزياء بتاعها، اللي كان قلبها الضعيف والمنكسر بينتمي له. كان حلمها بيتحقق، فرجعت له، والتصميم خلاها تنسى تقريبًا كل همومها.
كانت في وحدة الخياطة في بيت الأزياء، لما بدأت تحس إنها تعبانة ودخَّرت فجأة. كانت حاسة إنها مش على بعضها بقالها أسبوع، وعلقت الموضوع على الضغط. بس لسه بيحصل، فقررت إن الوقت حان إنها تشوف دكتور عشان تعرف إيه اللي معاها. عرفت ترجع لمكتبها، وبعد ما فكت طرحتها، اغمى عليها على أحد الكراسي اللي هناك.
تقريبًا بدأت تغفو هناك، بس موجة غثيان تانية ضربتها زي القنبلة، فخلاها تقوم بسرعة وتجري على الحمام. بدأت تتقيأ كل اللي في معدتها وأكتر، فضلت تكتم لحد ما ما بقاش فيه حاجة جواها. انزلقت على الأرض وفضلت هناك؛ لأن بلاط الحمام البارد كان مريح، وكانت أضعف من إنها تقف على رجليها.
بعد دقايق من إنها رجعت نفسها، غسلت وشها وخرجت من الحمام. بدأت تحزم حاجتها، وبعدين اتصلت بواحد من سواقينها عشان ياخدها البيت. ما كانتش قوية بما فيه الكفاية إنها تفضل في المكتب، في الواقع، الهوا هناك كان حر، فكان الأحسن إنها تروح البيت.
خيرية شكرت السواق بعد ما نزلها في البيت. خرجت من العربية ومشت ببطء ناحية الباب الأمامي، دفعته بهدوء ودخلت. لما ريحة أعواد البخور والروائح وصلت لمنخيرها، على طول حست بغثيان تاني. خيرية رمت شنطتها على الكنبة ودخلت أقرب حمام وبدأت تتقيأ تاني.
أمها اللي كانت في غرفة المعيشة، شافت إزاي كانت ضعيفة لما دخلت وإزاي جريت على الحمام. الحاجة مريم قامت ولحقت خيرية على الحمام. إيه اللي حصل لبنتها؟
خيرية غسلت بقها واتخضت لما لقت أمها واقفة وراها. الحاجة مريم مشيت للمكان اللي بنتها راكعة فيه.
"يا حبيبتي، إيه اللي معاكي؟ تعبانة ولا إيه اللي أكلتيه وخلاكي ترجعي كده؟" شدت خيرية لفوق وبدأت تدقق فيها بعناية.
"يا ماما، أنا حتى مش عارفة إيه اللي معايا. كنت تعبانة كام يوم وحسيت بغثيان في المكتب وبعد ما جيت. ماما، أنا حاسة إني تعبانة أوي."
"كله تمام يا حبيبتي، ارتاحي شوية وهفحصك بعدين، يمكن معاكي سخونية أو مجرد ضغط." قالت أمها بطريقة لطيفة ومهتمة.
خيرية هزت راسها وخرجت من الحمام، راحت على طول على أوضتها واسترخت. بدأت تحس ببرودة شديدة فجأة، وده خلاها تشد البطانية على راسها وهي بترتعش. خيرية عمرها ما حست بكده في الـ 23 سنة، التعب ده كان بيزيد، هتحس إنها حرانة في لحظة، وبعدين بردانه في اللحظة اللي بعدها.
الحاجة مريم قعدت في غرفة المعيشة بعد ما خيرية راحت على أوضتها. قعدت بتفكر في حاجة لاحظتها في بنتها، وما قدرتش تفهمها. اللي بتفكر فيه مستحيل، هي عارفة إزاي دربت بنتها، فما فيش طريقة إنها تعمل كده. بتثق في خيرية، بس لازم تعرف إيه اللي خلاها كده.
الساعة كانت تقريبًا بعد 8، لما خيرية صحيت. النوم ساعدها تحس إنها أحسن شوية، وبعد ما صلت، خرجت من أوضتها عشان تتعشى. أمها كانت خلاص بتاكل، فانضمت ليها، وفي نص الأكل، نطت من مكانها وطارت على الحمام وبدأت تتقيأ اللي كانت لسه بدأت تاكله. الحاجة مريم ما قدرتش تصدق عينيها أكتر، إيه اللي بتشوفه؟ وليه خيرية بتدخل وتخرج من الحمام وبتتقيأ؟
"خيرية، إيه اللي معاكي؟ بترجعي من ساعة ما رجعتي من الشغل." سألت الحاجة مريم على طول لما خيرية خرجت من الحمام، خيرية اتسندت على الحيطة وهي بتلهث، حست إنها هتغمى عليها لو فضلت واقفة هناك.
"ماما، مش عارفة، بس بحس بغثيان كل ما بشم ريحة معينة، وماما مش قادرة أقف، خليني أروح أوضتي وأسترخي." تمتمت، وعملت طريقها على السلم. أم خيرية بصت لها مذهولة وهي بتصعد السلم ببطء ماسكة الدرابزين عشان تسند نفسها وهي ماشية.
* * * * * *
خيرية فتحت عينيها الثقيلة وبصت من الشباك، كان لسه ضلمة بره. كان صعب أوي عليها إنها تنام؛ لأنها حاسة إنها تعبانة أوي وساخنة. فضلت تدعي إن اليوم يطلع عشان تروح على طول على المستشفى؛ لأن التعب كان بيزيد ومش متحمل، ومش في السيطرة.
سمعت أذان الصبح، وعرفت تصلي، حاولت تنام بعدين، بس المحاولة كانت فاشلة، مهما حاولت، النوم ما جاش. ووقت ما غمضت عينيها، بدأت تحس بغثيان، واضطرت تجري على الحمام على طول. رجعت كل اللي في معدتها وعينيها غرقت بالدموع. التعب ده، أيًا كان، ما كانش سهل. بعد ما خرجت من الحمام، استرخت على الكنبة، وبعد وقت قصير، الباب اتفتح وأمها دخلت.
"صباح الخير يا ماما."
"إيه أخبارك؟" سألت أمها وهي قاعدة جنبها. خيرية بس غمضت عينيها من غير ما تجاوب، وصف اللي بتحس بيه هيكون مجرد كلام، فكان الأحسن إنها تسكت.
"خدي ده." مدت حاجة لبنتها.
خيرية رفعت راسها عشان تشوف إيه اللي أمها بتديها إياه، أخدته وحطته جنبها، عرفت إيه اللي هتعمله بيه حتى من غير ما تسأل أمها، شافتها بتديه للمرضى في المستشفى عدد لا يحصى من المرات.
"هاتيه بعد ما تخلصي." الحاجة مريم عملت طريقها ناحية الباب.
"تمام يا ماما."
* * * * * *
خيرية شالت جزمها وقعدت على الكنبة جنب أمها، دارت عشان تبص لها، فضلت تدعي من جواها إن ده مش اللي بتشك فيه.
"إيه اللي حصل مع الدكتور؟ وفين نتيجة التحاليل؟"
خيرية فتحت شنطتها، طلعت الورقة ومدتها لأمها اللي فتحتها. اللي شافته خلاها تقوم بسرعة، ما قدرتش تصدق اللي بتشوفه، ما قدرتش تصدق إن اللي كانت بتشك فيه صح. بس يمكن حصل لخبطة في النتائج أو حاجة تانية،؛ لأن ده مش ممكن يكون نتيجة خيرية. قررت إنها تهدي نفسها وبدأت تبص على النتيجة بعناية، هي دكتورة، وعارفة إن مفيش لخبطة في المستشفى بتاعتهم. دي نتيجة خيرية، وبس.
خيرية قعدت بتبص لأمها، ما قدرتش تفهم ليه أمها فضلت بتبص على النتيجة كأن فيه شبح فيها.
الحاجة مريم بصت لخيرية بغضب وصدمة في نفس الوقت. "إيه ده؟ قوليلي إيه ده؟"
خيرية قامت مذعورة، ما قدرتش تفهم أي حاجة، التحاليل في المستشفى وكل حاجة، ما قدرتش تدخل كل ده في مخها المشتت اللي ما قدرش يفكر كويس. "دي نتيجة التحاليل يا ماما، فيه حاجة غلط؟"
"طبعًا كل حاجة غلط، ومش قادرة أفهم إزاي مش واضح ليكي إن كل حاجة غلط. خيرية، نتيجة التحاليل دي بتبين إنك حامل في شهرين."
بوووووممممم!
عيون خيرية اتفتحت بصدمة، وحست إن رئةها وقفت عن الشغل كام ثانية. شالت طرحتها وركنتها على جنب، ما قدرتش تستوعب اللي أمها لسه قالته، كان مش معقول. حطت إيدها على صدرها عشان تحس إذا كان قلبها لسه بيدق؛ لأن ربنا يعلم إنها بتحاول أوي ما تنهار هناك. كان ممكن إنها ما سمعتش أمها كويس، أو يمكن دي كابوس وحش لازم تصحى منه.
"ماما إيه؟ لأ مش صح، دي كدبة، مش ممكن تكون صح. أعتقد إن دي نتيجة حد تاني، مش بتاعتي." كان فيه خوف وهلع في صوت خيرية الناعم، والدموع كانت خلاص بتنزل على وشها المريض الشاحب.
"اسكتي!" أمرتها أمها بحزم.
"نتيجة مين دي لو مش بتاعتك؟ دي بتاعتك، إنتي حامل. كنت شاكة في ده من زمان. يبقى ما كنتش غلطانة؟" أمها فضلت واقفة بتبص على الورقة.
"لأ يا ماما، أنا مش حامل، ده مش ممكن يكون صح، ده غلط. ما فيش طريقة إني أكون حامل، ما فيش طريقة لكده." خيرية بلعت الكتلة المرة في حلقها، حست إنها مخنوقة، وما قدرتش تستقبل المعلومة الخطيرة دي.
الحاجة مريم مشيت بغضب للمكان اللي خيرية واقفة فيه. "بصي هنا، ده مش اسمك؟ وإيه اللي مكتوب؟ مكتوب إنك حامل، يبقى الأحسن إنك تبطلي تنكري، وما تفكريش حتى إنك تذرفي دموع التماسيح هنا."
"يا إلهي!" صوتها كان مجرد همس، لأنها ما قدرتش تسجل اللي بتشوفه على الورقة في مخها اللي كان بطل شغله من زمان. غمضت عينيها مرة، مرتين، تلاتة، يمكن عينيها مش بتشوف كويس. بس اللي مكتوب على الورقة ما اتغيرش، كان هو هو زي ما قرأته أول مرة. خيرية وقعت على ركبها بضربة، وانفجرت في عياط يقطع القلب.
أم خيرية طلعت بسرعة على السلم ورجعت على طول. مشيت للمكان اللي خيرية راكعة فيه وهي بتعيط. خيرية رفعت راسها وبصت لأمها، لما فتحت بقها عشان تتكلم، الكلام ما عرفش يطلع.
"عرفت إنك حامل حتى قبل ما تروحي المستشفى. استخدمت الأنبوبة اللي طلبت منك تبولي فيها عشان أعمل التحاليل دي باستخدام شرائط الحمل دي. عملت كده تلات مرات عشان أتأكد إنها إيجابية، وما قدرتش أصدق، فبعتِك المستشفى عشان أتأكد، ودلوقتي بتقولي كلام فارغ، أنا دكتورة وعارفة اللي بعمله، يبقى ما تستهزئيش بيا." الحاجة مريم رمت شرائط الحمل على خيرية اللي كانت صامتة من الصدمة.
"بس بصي على نفسك يا خيرية، إيه اللي نقصك في الدنيا دي؟ عندك كل حاجة تحت إيديكي، كل حاجة. ومع ذلك روحتِ عشان تجيبي ده لنفسك عشان تشوه سمعتنا. بتلبسي هدوم قيمتها ملايين، عربيات قيمتها مليارات، بتلبسي ألماس وذهب وقت ما تحبي، حساباتك مليانة فلوس ممكن تصرفيها لبقية عمرك. عندك كل حاجة أي إنسان ممكن يتمناها في حياته، بس نسيتي كل ده وروحتِ عشان تدَمّري سمعتنا. إيه اللي عايزاه، عشان خاطر ربنا؟" الحاجة مريم اتغاظت.
خيرية قامت بسرعة، حتى لو رجليها كانت بتترنح. "ماما، من فضلك بس...".
اللي حسّت بيه بعدها خلاها تكاد تصرخ، بس مسكت نفسها بسرعة. اللطمة من أمها خلتها تترنح وتقع لورا من غير ما تدري. ما قدرتش تصدق إن أمها ضربتها، لأنها عمرها ما عملت كده. في حياتها كلها، تقدر تعد عدد المرات اللي أمها رفعت إيديها عليها.
الحاجة مريم مشيت للمكان اللي بنتها قاعدة فيه بتعيط. "إنتي عارفة الأحسن إنك ما تقاطعنيش لما أكون بتكلم، وجرّبي تاني هتشوفي الجانب التاني مني اللي عمرك ما شوفتيه في حياتك كلها." كل حاجة النهارده كانت سريالية، خيرية عمرها ما شافت أمها غضبانة كده. هي عارفة أمها كويس أوي، هي بالكاد بتبين غضبها، بتخبي غضبها جواها من غير ما حد يلاحظ لحد ما الأمور تخرج عن السيطرة.
"أم الخير، يا ريتني ما جبتك في الدنيا دي. ياريتني أوي، وبأتمنى لو أرجع بالزمن عشان أمنع نفسي من إني أخلف طفلة زي دي، طفلة مالهاش فايدة، طفلة هتفضحني في الدنيا دي. خيرية، إنتي فضحتيني أوي، فضحتيني بكلام ما أقدرش أوصفه. أم الخير، أنا ما ربتكش كده، ربيتك بالطريقة اللي الإسلام بيأمر الأمهات يربوا بناتهم. ما ربتكش إنك تخرجي وتحملي، ما ربتكش إنك تكوني زانية." الحاجة مريم بصت لبنتها بكل اشمئزاز قبل ما تشاور عليها بإصبعها.
"هتندمي على كل ده، يا نفس اللي ما بتعرفش قيمة النعمة، هتندمي على ده." رمت النتيجة على خيرية قبل ما تخرج من الأوضة وهي سايبة خيرية لأفكارها.
دموعها فضلت تنزل؛ لأنها ما قدرتش تتعافى من صدمة اللي أمها لسه سمّتها بيه، سمّتها زانية. الكلمة دي كانت من أسوأ الكلمات اللي أي إنسان ممكن يسميها بيها. ما كانتش زانية، ليه حتى هتفكر تعمل كده بعد ما عرفت إن الزنا بيدخل تحت فئة الذنوب اللي بتبعد الإنسان أوي عن ربنا.
بس ليه أمها مش عايزة تفهم إن ده مش غلطها، مش تهورها ولا انحرافها. كان 'القدر' اللي ورطها في شبكته. حتى كان غلط أمها، لو ما كانتش أجبرتها إنها تروح تشوف نجيب، ما كانتش هتحمل. المفروض إن أمها تسمعها وتواسيها، بس بدل ده بتلومها على كل حاجة، وهي مش عارفة إنها السبب الرئيسي لكل مصيبة حلت بيها.
نجيب بوظ لها حياتها، دمر حياتها. بعد ما اغتصبها، دلوقتي حامل بطفله، إيه نوع الشر ده. خيرية حست إنها ممكن تقتل نجيب بإيديها العارية لو شافته؛ بسبب الحاجة اللا إنسانية اللي عملها ليها. كانت هتفضل إنه يقتلها على إنه يعمل كده. دلوقتي هتقول إيه للعالم، هتقول إيه لو سألوها إزاي ومين اللي خلاها حامل.
كل حاجة في حياتها فضلت بتقع في كل مرة بتحاول تخرج من بؤسها. عانت من ألم الاغتصاب، وبعدين اضطرت تفترق عن عبدالملك، ووقت ما عرفت تزحف من المرحلة السودا دي في حياتها، تاني؟ بالفعل دي كانت أسوأ لحظة في حياتها، أيام عمرها ما هتنساها. اليوم ده انضاف لـ 2 يومين اللي عمرها ما هتنساه من حياتها.
ندمت إنها عرفت نجيب، ندمت إنها راحت عشان تشوفه في اليوم ده بعد ما أمها أجبرتها. ياريتها ما سمعتش كلام أمها ورفضت تشوفه، وبعدين أمها ممكن تقتلها بعدين لو عايزه، ياريتها ما تبعتهوش للمطعم ده، وياريتها ما شربتش الشراب ده. بس خلاص فات الأوان، ولو كانت الأمنيات خيل لركبها المتسولون.
"يا حياتي المسكينة، نجيب، إنت سببت ضرر أكتر من كفاية لحياتي، نجيب، إنت قتلتني."
اللي كانت بتخفيه دلوقتي هيتكشف، كانت بتخفي إنها اتغتصب، بس ما قدرتش تخفي الحمل. حياتها اتحولت لرحلة أفعوانية، خيرية دفنت وشها في كف إيديها، ودموع أكتر بدأت تنزل من عينيها.