الفصل 14
خيرية، حلفت إنها عمرها ما شافت واحد وسيم زي اللي واقف قدامها، و على طول ما قدرت تشيل عينها منه. كان طويل جدًا و ضخم، شكله يجنن و هو لابس البدلة السودا. شعره الأسود الغامق كان مقصوص بشكل مثالي، و ذقنه كاملة و متبة. كانت عنده نظرة ذكورية باردة في وشه. نجيب المنصور شكله بالظبط زي أمه الهندية. ما كذبش، الراجل ده وسيم، ده اللي خيرية استنتجته.
شد بدلته للمرة الألف على الرغم من إنها مش مكرمشة، و ده خلاه يبان أنيق و نضيف. عرض على خيرية ابتسامة معوجة بتبين غمّازاته.
"أهلًا". ابتسم بسخرية لأنه لاحظ إزاي شكله لفت نظرها شوية دقايق. عجبته الحركة دي.
خيرية اتكسفت لأنها كانت سارحة في إنه تبص عليه، و نسيت تقول أي حاجة.
"أهلًا بيكي، أنا آسف إني خليتك تستني."
"عادي خالص، أنا ضيعت الوقت و أنا ببص على العربيات الحلوة دي". بص على العربيات في مكان الركنة قبل ما ياخد خطوة لقدام. طوله طغى على خيرية، و خلاها تبان صغيرة جدًا قدامه.
"اتفضل ادخل". قالت، و مشيت و هو ماشي وراها. فتحت الباب، و بعد ما دخل هو، قفلت الباب.
"يا أهلًا و سهلا في بيتنا". قالت أم خيرية و هي نازلة من على السلم بشكل مهيب في الوقت المناسب عشان خيرية و نجيب يدخلوا.
"شكرًا. طاب مساؤك يا عمتي مريم". ركع قدامها.
"نجيب، إزيك؟ لو سمحت قوم."
"أنا كويس". جاوب و راسه واطية. أم خيرية قعدت على الكرسي، و هو قعد جنب رجليها. الحاجة مريم كانت معجبة بإحترامه. خيرية كانت شايفه كل حاجة بايخة، فـ وقفت بس بتبص عليهم.
"إزاي أمك، و العيلة، و إزاي الشغل، زي ما أنا شايفاك جاي من الشغل". ابتسمت الحاجة مريم.
"الشغل كويس، الحمد لله. كل الناس كويسين، و ماما بتبعت سلامها و تحياتها ليكي و لـ خيرية". رفع راسه و هو بيبص على خيرية اللي كادت تدحرج عينيها.
"ده عظيم، بنقدر تحياتها". بصت على خيرية، و استغربت ليه واقفة هناك بدل ما تروح تجيب مشروبات لـ نجيب.
"خير، لو سمحت روحي هاتي مشروبات لـ ضيفك."
خيرية هزت راسها و مشيت على المطبخ، و بعد دقيقة ظهرت بصينية، حطتها على التربيزة اللي جنب نجيب. ما عرفتش تعمل إيه بعد كده لأنها كانت شايفه كل حاجة غريبة.
الحاجة مريم قامت. "أنا هدخل جوه. نجيب، يا رب تكون مبسوط و استمتع، أشوفك بعدين."
"شكرًا". قال نجيب.
خيرية قعدت على الكنبة اللي قصاده، و بعد ما هو كمان قعد، أشارت على الصينية اللي جنبه.
"اتفضل، كُل براحتك". بصت عليه، و إزاي هو بيبصلها خلاها تخاف. ما كانتش عايزة تبان وقحة، و إلا كانت سألته ليه بيبص عليها كده. كأنه عمره ما شاف واحدة ست، و كان فيه حاجة سودا في البصة دي، و هي ما قدرتش تفهمها. قعدوا في صمت لحد ما نجيب قرر ينهيه.
"اسمك حلو يا خيرية. اسم جميل لـ ست جميلة". مدح، و ده خلا خيرية تبتسم.
"شكرًا."
"أمي قالتلي إنك درستي في IFA Paris."
"أيوة درست". جاوبت.
"المفروض إنك تسألي أنا درست فين صح؟" اتريق.
"آه، سامحني على الغلطة دي. طيب، درست فين؟" ما كانش ليها مزاج تتكلم، لكن كان لازم تكون مؤدبة.
"جامعة ولاية ميتشيجان. طيب، إزاي الدراسة في باريس؟ أنا متفاجئ إنك حتى بعد ما درستي في واحدة من أحلى الأماكن في العالم، قررتي ترجعي نيجيريا."
خيرية ضحكت. "الدراسة في باريس كانت تحفة، و الرجوع لنيجيريا لازم، لأن أهلي هنا، و أنا بفضل نيجيريا على أي مكان تاني في العالم، و عشان كده."
"حلو إننا نسمع، و يبدو إنك بتحبي بلدك؟"
"طبعًا بحب نيجيريا. حب أرض أمي واجب."
"طيب، بتشتغلي إيه، أقصد إيه وظيفتك؟" رشف بهدوء من كاس عصير الفاكهة.
"أنا مصممة أزياء، و إنت؟"
"ده جميل جدًا، و أنا محامي دولي."
"حلو كمان". قالت و هي مش مهتمة، قد إيه كانت عايزاه يمشي دلوقتي.
نجيب نزل الكاس و مسح حلقه، و ده خلى خيرية تبص عليه.
"طيب، إنتي عارفة ليه أمي طلبت مني آجي أشوفك صح؟"
أهو جه!
"أهم". تمتمت خيرية، إزاي كان متوقع إنها ما تعرفش، هو بيحاول يرغمها، و بالتالي هي لازم تعرف.
"أمي و أمك عايزين نتجوز، و ده كويس، بس لازم يكون فيه تعاون مننا إحنا الاتنين، دي الطريقة الوحيدة اللي هتنجح بيها العلاقة دي، و عشان كده أنا بدور على تعاونك هنا". صوته كان كأنه بيترجاها، بس مش بجد.
"طيب، يا رب كل حاجة تظبط". يا ريت لو كان يتجنب الموضوع ده، هي مش مستعدة.
"هتظبط، لأني عارف إنك و أنا هنتفاهم كويس، و هنفهم بعض أكتر كل ما الوقت عدى."
"أيوة". لفت راسها على التليفزيون لأنها كانت بتزهق و نجيب كان بيستمتع بحلوياته.
ده ادى لـ نجيب فرصة إنه يبص عليها كويس، هو ما أخدش الفرصة دي من و هو جه. لما أمه قالتله عنها، في الأول فكر إنه هيقابل واحدة من طبقة قليلة، مش على ذوقه، زي معظم البنات اللي طول الوقت بيرموا نفسهم عليه بسبب شكله، لكن البنت دي أثبتت إنه غلطان.
كانت بتتصرف كأنّه مش موجود، و بتجاوب على أسئلته ببرود، و ده كان مش عادي بالنسبة له، هو متعود يكون محور الاهتمام. في الأول لما شافته، لاحظ إنها منبهرة بشكله، لكن بعدين ظهرت مش مهتمة بكل حاجة بتخصه. هو بيحب فيها الحركة دي، حتى لو جرحت غروره. ولا بنت عملت كده معاه قبل كده، يمكن هي مش مهتمة، أو ده طبعها.
و إزاي هي بتتصرف بطريقة سيدة راقية، ده خلاه يفهم إنها هتكون صعبة، يمكن جمالها اللي بيلفت النظر هو اللي مخليها فخورة كده، أو حاجة هو ما يقدرش يعرفها. ابتسم لأنه عرف هو مين، هيخلّيها تقع جامد جدًا، و مش هتعرف إيه اللي ضربها.
"أنا مش بحب أقعد في صمت، عشان كده ممكن نتعرف على بعض أكتر، ده لو إنتي موافقة. لاحظت إنك من النوع الهادي."
"أكيد، اتفضل."
خيرية قالت و هي بتبص عليه، عيونهم اتلاقت، و هي حست إنها تايهة فيهم، ما قدرتش تشيل عينها لحد ما هو مسح حلقه و سأل.
"إيه وجهة السفر المفضلة ليكي؟"
"أول حاجة باريس، بعدين الإمارات، السعودية، و نيويورك". لسه حاسة إنها بايخة بعد ما هو مسكها و هي بتبص.
ضحك من قلبه. "مش بتزهقي من باريس؟ أقصد، درستي هناك و قضيتي فترة سنين معقولة."
"أيوة، بس المدينة دي بتحمل ذكريات أيام دراستي، و دي ذكريات لا تُنسى، و عشان كده أنا عمرري ما هقدر أتخطاها."
"طيب، ممكن تروحي شهر العسل هناك؟" بص عليها، و هي كادت تختنق من كاس الكولا اللي بتشربه.
"أووووه! ممكن". سؤاله كان غريب شوية.
"أنا وجهة سفري المفضلة في العالم هي لاس فيجاس، بسبب فنادقها الكبيرة الجميلة، و الترفيه الرائع، و المطاعم الفاخرة، و السهر."
خيرية بصت عليه باستغراب، لأن بالنسبة ليها لاس فيجاس مكان ما ينفعش لـ شخص مسؤول إنه يروح.
"بس لاس فيجاس معروفة بالقمار الكتير، و الشرب، و أنواع مختلفة من الناس، عشان كده أنا شايفه المكان ده ممنوع."
اللي قالته خلّاه يضحك، البنت البريئة دي مش معقولة، و هو مستمتع إنه معاها. "ده مش مكان وحش، لو الشخص يعرف هو رايح ليه، و ما تقلقيش، هاخدك لـ لاس فيجاس يومًا ما، عشان تشوفي إزاي المدينة مرحة و فيها حياة". غمز.
خيرية طأطأت راسها و دحرجت عينيها، إيه اللي هيوديها مدينة الخطيئة؟ ولا حاجة! أحسن تموت في نيجيريا بدل ما تكون هناك.
"و إنتي عندك كام سنة؟ أظن ١٨". سأل نجيب و هو بيلعب.
"ده لو إنت كمان عندك ١٨ أو أقل."
"يا عمري، أنا عندي 34، عشان كده أنا أكبر من كده بكتير. قوليلي عندك كام سنة."
"إنت عارف إن الناس عادةً مش بيحبوا يقولوا سنهم، بس بما إنك قلت لي سنك، فـ إني أقولك سني مش هيضر. أنا 23."
"بجد؟ بس إنتي شكلك أصغر من 23، شكلك 20 أو 19."
"طبعًا، أيوة، أنا 23."
ابتسم بشكل وسيم و هو بيفرك ذقنه، ده فكّر خيرية في عبد الملك، حست بالسوء، لكن بسرعة زقت الفكرة بعيد عشان تفكر فيها بعدين. التفكير فيها هيخليها تدمع قدام نجيب، و ده هي ما كانتش عايزاه. هو ما يستاهلش يشوف دموعها الغالية.
"حلو إننا بنتكلم، و ده مثير لأن كأننا نعرف بعض من زمان."
"أيوة". ليه مش هتستمتع و إنت بتكلمني، و أنا لطيفة و بحاول بأقصى ما عندي إني ما أبينش وقحة، و لولا الأدب كنت شفتي الجانب التاني مني. خيرية كانت عايزة تقول، لكن غيرت رأيها.
"ممكن، لو سمحتي، تشغلي التكييف، الجو بدأ يحر شوية". قال نجيب بأدب، و في دوافع خفية. خيرية استغربت فين الحر، لأنها عارفة إن جو المساء لطيف، لكن مع ذلك هزت كتفها.
"تمام". قامت، و في الطريق، طرحت طرحتها على الأرض، انحنت عشان تلقطها، و نجيب بلع ريقه.
وااااو!
شكلها كان حاجة تموت، كانت جذابة جدًا، و إزاي كانت بتمشي بشكل مهيب و بتهز وركها سحر شياطينه من ساعة ما شافها بره. أعجب بجسمها الرفيع الممشوق، و اللي فيه منحنيات مناسبة و معتدلة.
واااو!
الحقيقة تتقال، هو شاف عدد معقول من الستات، لكن يحلف إنه عمره ما شاف واحدة بجسم جميل زي خيرية. حس إنه عايز ينط من الفرح لأنها عجبت ذوقه، الجمال، العقل، و المستوى. كان محظوظ فعلًا لأن أمه اختارت الأفضل له. شكر ربنا على إنه رجع نيجيريا، حيث قابل الآنسة دي. حس بحاجة قوية جدًا ناحيتها، لكن ما قدرش يقول إيه هي. الآنسة دي هتكون بتاعته، و عمره ما هيخليها تروح، هيحارب لحد آخر نفس لحد ما يحصل عليها. خيرية كانت جوهرة ثمينة، فريدة من نوعها، و هو مش هيجازف و يخسرها.
فضل يحدّق فيها لحد ما رجعت و قعدت، هو عدل نفسه على الكرسي لأنه كان شايف إن الصعب إنه يرتاح. البنت الجميلة دي كانت بتجننه بكل حركة من حركاتها الجذابة.
نجيب بص على الساعة في ساعة اليد بتاعته من نوع باتيك فيليب و هي بتدق. هو قضى أكتر من ساعة، و كان يستاهل، لأنه في الأول فكر إن زيارة خيرية هتكون تضييع لوقته.
"أنا شايف إني لازم أمشي، قضيت أكتر من ساعة. شكرًا على كل حاجة، أنا بقدر كرم ضيافتك الراقية، و أتمنى أشوفك قريب تاني". قام، و شد بدلته، خيرية قامت كمان.
"خليني أقول لماما إنك ماشي". مشيت على السلم، و نجيب وقف بيبص عليها لحد ما اختفت من نظره.
البنت دي!
الحاجة مريم نزلت مع خيرية وراها.
"خيرية قالت إنك خلاص ماشي. بالسرعة دي؟ و لا هي عملت حاجة عشان تبعتك؟" خيرية بصت على أمها بصدمة. إزاي هتبعتّه، و لإيه؟
"أبدًا يا عمتي مريم. أنا قضيت وقت كويس، و خيرية ما بعتتنيش، هي كانت لطيفة جدًا، و أنا أقدر ده جدًا. شكرًا."
"أهلًا بيك يا حبيبي. خيرية هتستناك قريب". اللي أمها قالته خلاها تتكسف، أمها بترميها عليه برخص. يا ريت لو ما قالتش لأمها إنه ماشي، بس بما إنه ضيف أمها مش ضيفها، فهي لازم تنادي عليها. كل اللي يهمها، نجيب مش ضيفها، هي بس ما عندهاش اختيار إلا إنها تضيّفه.
"هآجي قريب جدًا عشان أشوفها تاني". ابتسم لـ خيرية اللي بصت الناية التانية، و اتصرفت كأنه مش بيقصدها. كانت شبعانة من مهزلة، و صبرها كان خلاص بينفد.
"خدي يا خيرية". أعطتها شنطة جميلة، و هي أخدتها و بتبص على أمها و بتسأل، أمها تجاهلت النظرة.
"دي لـ نجيب، اديها له و إنتي بتوصّليه بره". همست الحاجة مريم في إذن بنتها، كانت عايزة الموضوع يبان إنه هدية من خيرية لـ نجيب. خيرية حست إن أمها كانت قالتلها الكلام ده جوه في الأوضة قبل ما يطلعوا.
"تحياتي لأمك و أخواتك. أتمنى لك يومًا سعيدًا". فتحت الحاجة مريم الباب ليهم.
"شكرًا جزيلا و أتمنى لك يومًا سعيدًا أيضًا". خرج وراحت خيرية و الحاجة مريم واقفة بتبص على الإتنين، كانوا بيرفكت ماتش، و شكلهم حلو مع بعض. قفلت الباب، و مشيت تاني على أوضة القعدة و هي مبتسمة بسعادة. كانت فخورة ببنها، لأن الواضح إنها تعاونت و ما خيبتش أملها.
خيرية وصلّته للعربية و بعد ما دخل، سلمته الشنطة.
"دي ليك من ماما". كانت يائسة جدًا إنها ترجع و تنهار، هي مثلت بما فيه الكفاية النهارده.
"سلمي على ماما، أنا مقدر لطفك". بص عليها، و هي بصت الناحية التانية تاني، هو استغرب ليه بتعمل كده.
"باي". قالت، و لفت عشان تمشي.
"ما تروحيش خلاص، أنا لسه ما شبعتش من وشك الحلو". قال بحرارة.
خيرية لفت و ادته نظرة قاتلة، و دي اخترقت روحه بعمق. كانت كإنها بتقوله بطريقة غير مباشرة إن ما عندوش أي حق إنه يقول كلام حلو ليها.
"نسيت أسأل على رقمك، عشان كده، ممكن آخد أرقامك؟" مد تلفونه.
ادته نظرة أخيرة قبل ما تلف، الواد ده واخدها على محمل الجد، و ده بيخلّيها تفقد هدوئها. الصمت كان أحسن إجابة تتقال لـ أهبل.
"تمام، بس استني مكالمتي بعدين يا مراتي المفروضة. أتمنى لك يومًا سعيدًا يا حبيبتي". قال بسخرية، و شغل عربيته.
الدموع اللي خيرية كانت ماسكاها، بدأت تنزل كأنها مستنية الوقت المناسب. ما عرفتش الدموع دي كانت على إيه، حتى لو كان فيه واحد بس في دماغها. حب حياتها، إجابة كل دعوة. سعادتها.
عبد الملك