الفصل 19
عبدالملك تساءل ليه تلفون خديجة مسكر من يومين، كان شي مو طبيعي وخلاه يقلق بزيادة بعد ما ظل يتصل عليها ويسمع نفس الشي كل يوم. حاول يسوي كل شي عشان يوصل لها بس كل محاولاته باءت بالفشل، لما حاول يتصل برقم سهيلة، كانت نفس المشكلة. ظل يدعي ان كل شي تمام وان خديجة بخير عشان الله يعلم انه كان خلاص بينجن بعد ما ماكلمها من يوم الخميس لما قالت له الخبر الحلو.
المفروض انه يروح لأبوظبي اليوم اللي بعده اللي هو الإثنين بس لما ما قدر يهدي نفسه، قرر يروح ويشوف ايش المشكلة معاها، عشان من جوه، كان حاسس ان فيه شي غلط مع حبيبته خديجة. انه ما يسمع صوتها لمدة ثلاث ايام تقريبًا ما كان شي سهل عشان هو متعود ياخذ معها كل يوم.
* * * * * *
حتى بعد ثلاث ايام، خديجة حست ان اللي صار كانه توه صاير، لسا جديد في بالها، كانها في مرحلة من الحياة اللي فيها كل شي ما يتنسي حتى لو انها تحاول تشيل تفكيرها عنه. بس ما قدرت، مستحيل تنسى اليوم ده.
كل يوم تبكي لين تنام، وبعدين تصحي من كوابيس مؤلمة عن القدر اللي هي متورطة فيه. وإدراكها انها مالها كتف تتكي عليه خلاها في مشاكل أكثر. لو بس تقدر تفصح عن الألم اللي في قلبها، يمكن ترتاح، بس ما تقدر. كيف اصلا راح تقول لأي احد انها اتغتصب من نجيب؟ مستحيل، ويمكن ما احد يصدقها، حست ان انها تقول لأحد ما هو الحل، واخفاءه برضو ما هو الحل، ده خلاها مرتبكة بزيادة بس ده قدرها ولازم تتقبله بصبر.
خديجة تقلبت على السرير ولما عيونها طاحت على تلفونها اللي كان على الطاولة جنب السرير، بسرعة حولت نظرها لجهة تانية، التلفون كان مقفل وما قدرت تجمع الشجاعة عشان تشغله، هي عارفة ان عبدالملك راح يتصل وما تقدر تكلمه، راح يقلق بزيادة عشان ما كلمته من ثلاث ايام، بس ما عندها خيارات. هي عارفة كيف عبدالملك فاهمها زي الكتاب المفتوح فـ راح يكتشف بسهولة انها في وضع ما قد مرت بيه قبل كده.
عبدالملك دايما كان موجود معاها، والكتف المريح اللي كانت تبغاه دايما بس مو في الوضع ده، ما تقدر تقول لأي احد ولا حتى ابوها، امها، اخوانها، حبيبها او اعز صديقة. ده سر هي حلفت انها تحافظ عليه لنفسها. حتى لو انها راح تقول لأحد انها اتغتصب، ما عندها دليل، وهي عارفة كيف المجتمع يحكم، يمكن يلومونها على شي ما لها فيه ذنب.
اختارت انها تعاني بصبر في صمت بدل ما تزعج نفسها واحبائها، حست ان ده احسن. الله كان شايف كل شي وهو راح يكافئ كل عمل طيب وكل عمل سيئ. الكارما حقيقية وكل شخص راح يحصد اللي زرعه. هي تركت اللي سواه نجيب فيها في يد ربها.
سحبت قطعة من المناديل من العلبة ومسحت دموعها. خديجة فهمت ان اخفاء ده ما كان شي سهل، راح تحاول بكل ما عندها انها تسوي كده وتكمل حياتها وتواجه الواقع بدل ما تكون محبوسة في ماضي بشع اللي هي عارفة انه عمره ما راح يوقف يطاردها.
كانت تعرف ان فيه ضحايا اغتصاب كثير انتقلوا من ماضيهم بس شافوا صعوبة في انهم يرجعوا يثقوا بالناس مرة تانية. كل ما تسمع عن مشاكل الاغتصاب، تشفق على الضحايا كثير بس عمرها ما تخيلت انها تكون في نفس النوع من الوضع. قبل كده حست انه مو عدل ان المغتصب ما يتحاسب، بس لما صارت في الوضع ده خلاها تفهم انه مو سهل ابدا انها تفصح عن الالم. فضلت انها تعاني بهدوء عشان كيف ضحايا الاغتصاب يتعرضون للوصمة وبعض الاحيان حتى يلومونهم على الكارثة اللي حلت فيهم. ولا ضحية راح تبغى انها تتغتصب فـ ما شافت سبب انها تلوم الضحية ابدا.
خديجة قامت من السرير اللي تقريبا قضت نصه وهي منسدحة عليه ودخلت الحمام. حست بشوية راحة لما شافت انها غطت كل المرايا في غرفتها والحمام عشان ما تقدر تتحمل انها تشوف نفسها مكتئبة. كل ما تشوف الشخص اللي يطالع فيها من المراية، تشفق على نفسها وبتنهار هناك وتبكي لين الدموع توقف. فـ سوت احسن شي وهو انها تغطي اي شي تشوفه وتشوف خديجة محطمة تطالع فيها، خديجة اللي تحاول تتقبل قدرها.
* * * * * *
عبدالملك بوق عند البوابة وبعد ما انفتحت دخل جوا وصف السيارة. انه يكون في ابوظبي كان احسن شي عشان كان متأكد ١٠٠٪ ان فيه شي غلط مع خديجة. نزل من سيارته ومشي للباب، هدي نفسه وطق الباب، يا ريته خديجة اللي تفتح له الباب، كان يبغى يشوفها بصحة وعافية.
طلع من احلامه لما وحده من الشغالات فتحت الباب، على طول عرفته، انحنت عشان تسلم عليه وعبدالملك رد بأدب.
"حياك الله يا سيدي، تفضل."
"شكرا." عبدالملك قال وهو يدخل، بعد ما جلس، الشغالة كانت بتمشي للمطبخ عشان تجيب له بعض المرطبات لما وقفها، التفتت وهي تطالع فيه.
"اممم! لو سمحتي، خديجة موجودة؟"
الشغالة طالعت فيه وعلى طول حولت عيونها لجهة تانية. شاف كيف تعابير وجهها اتغيرت، ده خلى قلبه يدق بسرعة، وتمنى ان كل شي تمام. هزت راسها، كان واضح انه مو عارف ايش المشكلة معاها.
"ايوة هي موجودة، خليني اناديها." الشغالة اختفت لفوق الدرج بسرعة، دعت ان خديجة توافق تطلع لما تسمع ان حبيبها هو اللي جاي يشوفها. عبدالملك حس انه مبسوط لما سمع انها موجودة بس حس بزعل في نفس الوقت عشان تلفونها كان مقفل وهي خلته يقلق. ما راح ينسى انه يسألها ليه سوت كده ويمكن يكون عندها سبب كويس ما هو عارفه.
صابر طق الباب قبل ما يفتحه ودخل، عبدالملك رفع راسه عشان يشوف مين. مشي لغرفة المعيشة وجلس مقابل عبدالملك وتبادلوا التحيات.
"أنا اتصل على رقم اختك من ثلاث ايام بس كان مقفل فـ قررت اني اشوفها. يارب انها بخير؟"
صابر طالع في عبدالملك، شاف القلق مكتوب على ملامحه اللطيفة وحتى لو ان صابر صغير، فهم كيف عبدالملك يحب اخته بزيادة، وقدر مجهود عبدالملك واهتمامه بأخته. ايش المفروض انه يقول لعبدالملك عن اخته اللي في مشاكل اللي انحجزت في غرفتها لأيام.
"خديجة بخير ويمكن تلفونها فيه مشاكل عشان كده هو مقفل. فيه احد راح يناديها؟"
"ايوة وحده من الشغالات راحت تشوفها." عبدالملك جاوب، حس كأن فيه شي صابر مخبيه، هز كتفه، يمكن بس هو اللي يتوهم.
صابر ظل يدعي بصدق ان اخته توافق تطلع من الغرفة اليوم، جزء منه حس انه يمكن توافق تطلع بما انه حبيبها عبدالملك. صابر وعبدالملك كانوا غارقين في أفكارهم لما الشغالة رجعت. صابر كان أول واحد ينتبه لها وهي واقفة هناك.
"وينها؟" صابر سأل وهو يطالع وراها، ويأمل انه يشوف خديجة تمشي على الدرج.
"هي في الغرفة." الشغالة قالت وعلى طول مشيت، عبدالملك طالع فيها باستغراب وصابر تقريبا ضرب راسه بس عوضا عن ذلك هز راسه باستسلام، فهم ايش يعني ده.
بسرعة قام. "راح ارجع الحين، خليني اناديها."
عبدالملك عرض على صابر ابتسامة ضيقة وبعد ما طلع الدرج عبدالملك بدأ يتساءل ليه كلهم يتصرفون بريبة، ده يخليه يقلق، المفروض يقولوا له ايش المشكلة مع خديجة بدل ما يخفوا اشياء ويتركوه في الظلام، ده مو عدل أبدا.
صابر لف مقبض باب غرفة خديجة ويدعي انه ينفتح، و لمفاجئته المعتادة كان مقفل زي كل يوم. على الرغم من ده طق الباب بهدوء.
"أختي صاحية؟ عندك ضيف مهم جدا ينتظرك."
خديجة طالعت على الباب المقفل. "صابر لو سمحت روح، ما ابغى اشوف احد، انا طلبت من شافا انها تقول لأي احد انه يمشي."
"حتى لو كان الشخص ده عبدالملك؟" صابر سأل، يا ريته الباب ينفتح بمعجزة.
قلب خديجة دق ألف دقة في نفس الوقت، الشغالة قالت لها ان فيه احد هنا عشان يشوفها بس هي طردتها من غير ما تنتظرها انها تقول لها مين هو. اذن عبدالملك هو اللي هنا عشان يشوفها، حبيبها. هي عارفة انه راح يقلق بزيادة بعد ما ما سمع منها لأيام. قامت من الارض وجلست على السرير وهي تفكر.
كانت تبغى تشوفه بزيادة عشان كانت تحتاج تكون مع احد ممكن يهديها في اللحظة دي. بس ما تقدر تطلع من الغرفة دي، عبدالملك مو مفروض يشوفها كذا مو مرتبة، ولا حتى انها تحس كأن الكل راح يلاحظ ايش صار لها بمجرد ما يشوفوها.
كانت ملوثة ومو الخديجة اللي عبدالملك يعرفها قبل او يبغى يشوفها الحين. انه يشوفها في حالة سيئة زي دي بس راح يخليه يقلق بزيادة وهي ما تقدر تقول له السبب اللي خلاها في الوضع ده. في النهاية وبعد ما فكرت مرة تانية قررت انها تسوي الشي الأحسن للاثنين، كانت خايفة تنهار قدامه.
"قلت ما ابغى اشوف احد فـ بس روح صابر..." انفجرت في البكاء بصوت عالي يسمعه صابر والإدراك باللي سوته للتو خلاها تغطي فمها بكلتا يديها، غمضت عيونها وهي تبكي، حست كأنها ممكن تفقد الوعي بسبب الالم الفظيع في قلبها.
"ليه بتبكي لو سمحتي قولي لي ايش المشكلة معاكي، لازم انادي ماما ولا بابا واقول لهم؟" صوته كان ممزوج بالقلق.
خديجة ما قالت اي شي وهي تظل تبكي وصابر وقف هناك يسمع للشهقات الخفيفة اللي ما قدرت تمسك نفسها منها. لو بس يقدر يسوي شي عشان يساعد اخته ويلاقي حل للمشكلة اللي معاها.
"عبدالملك تحت يستناكي، لو سمحتي اطلعي وشوفيه عشان شكله قلقان عليكي."
ليه صابر ما يفهم مشكلتها، هي كمان قلقانة على عبدالملك بس اللي تسويه هو الأحسن للاثنين، هي كمان تبغى تشوفه، اشتاقت له وحست انها فارغة وضعيفة من غيره قريب منها. لازم تعترف ان عبدالملك صار جزء كبير منها، بس ما عندها خيارات في الوقت ده.
صابر لف مقبض الباب مرة تانية. "أدا خديجة لو سمحتي كلميني، راح افهم كل شي. انا فاهم انك ما تبغي تشوفين احد في اللحظة دي فـ عادي. بس لو سمحتي سوي ده عشان عبدالملك، يمكن يحس بزعل لو انك رفضتي تشوفيه، راح يفكر ان فيه شي غلط معاكي اللي احنا نخفيه عنه ويمكن يشك في شي بما ان تلفونك مقفل."
خديجة نطت من السرير وركضت للحمام، قفلت الباب وسقطت عليه وهي تبدأ تبكي مرة تانية. ما قدرت تتحمل انها تسمع صابر يقول الاشياء دي اللي خلتها تبغى تصرخ على ولا احد بالذات. قدرت مجهود عبدالملك وفهمت انه يبغى يكون معاها بزيادة. يا ريتها كل شي كان في حلم ممكن تصحي منه وتكتشف انها نفس خديجة السعيدة والحلوة اللي كانت قبل ما الكارثة دي تحل فيها.
صابر زهق من الكلام ولما تذكر ان عبدالملك تحت يستنى خديجة قرر انه يقول له ان خديجة مو في حالة انها تشوف احد، ممكن يرجع وقت تاني لما تكون احسن. بس ما قدر يفهم ليه اخته تسوي كده، ايش المشكلة معاها مو شي يمزحوا فيه عشان هي عمرها ما تصرفت كذا.
عبدالملك رفع راسه لما صابر نزل الدرج وكتفه منحنية بحزن. صابر فتح فمه عشان يتكلم وعبدالملك وقف بسرعة.
"عادي، ما يحتاج انك تقلق. انا فاهم كل شي وتمام جدا." عبدالملك حط يدينه على كتف صابر وصابر طالع فيه، شاف لمحة ألم في عيون عبدالملك. ابتسم وعبدالملك مشي للطريق للباب، توقف قبل ما يفتح الباب والتفت ناحية صابر اللي لسا واقف هناك.
"لو سمحت اعطي تحياتي الحارة لخديجة وقول لها انها لو سمحت تعتني بنفسها كويس." فتح الباب ومشي في خطواته اللي فيها رجولة من غير ما يستنى صابر انه يقول اي شي.