الفصل 28
الساعة كانت وحدة ونص لما خديجة شافت الساعة، ما قدرت تنام أبدًا بسبب إحساسها بالمرض. كانت تعبانة جدًا ونعسانة، بس النوم رافض يجي. الدموع نزلت من عيونها بهدوء، بس ما قدرت حتى ترفع إيدها عشان تمسحها. ده اللي كان بيحصلها بقالها كام يوم، بتمر بليالي من غير نوم، وأيامها الصبح كلها سخونة. هل ده إحساس الحمل؟ نجيب سابها مع مسؤولية كبيرة، على وشك إنها تقتلها.
كتبت في بالها إنها تجيب حبوب منومة الصبح بدري، لأن الأرق ده أو أيًا كان، ممكن يخلي الواحد يفقد عقله. لما قضت ساعة كمان وعيونها مفتوحة على الآخر، قررت تصلي. قعدت على سجادة الصلاة لأنها ما قدرتش تقف كتير. طولت في السجود، وفتحت قلبها لله، لأنها عارفة إن دعواتها هتتجاب قريب أو بعدين.
خديجة رجعت تاني على السرير بعد ما خلصت صلاة. بدأت تفكر في حياتها، وإزاي تتعامل مع كل حاجة، لسه ما قررت إذا كانت عايزة البيبي ولا لأ. كانت في جيغوا بقالها 3 أيام، وعارفة إن أمها ممكن تيجي تدور عليها هناك، لأن ده مكانها المفضل لما تحب تفكر في حياتها كويس. اتفاجأت لأن أمها كانت هتيجي وراها من أول يوم راحت فيه لجيغوا، بس ما عملتش كده. خديجة ما اهتمتش بده، لأنها مش هتسمع كلام أمها تاني، دايما فيه مشاكل كل ما سمعت كلامها، وهي زهقت من ده.
الصبح بدري تاني يوم، على طول بعد ما خديجة عرفت تفطر، مشيت لغرفتها، ومسكت تليفونها اللي كان مقفول من ساعه ما مشيت. ما كانش فيه حل غير إنها تشغله في اللحظة دي، لأنها كانت عايزة تكلم حد مهم.
رسالة أبوها ظهرت بعد دقايق من لما شغلت التليفون. قرأت الرسالة والدموع بتتملي عيونها.
يا ملاكي، بحاول أوصل لك على التليفون بس مش راضي يشتغل. يا رب تكوني بخير؟ أمك قالت إنك روحتي لجيغوا عشان شغل. متأكد إنك مستمتعة هناك، كلميني لما تشوفي ده.
مع حبي من أبوكي ❤️
خديجة مسحت الدموع اللي نزلت، وابتسمت. بسرعة بعتت له رسالة، لأنها ما قدرتش تكلمه، ممكن يفهم المشكلة من مجرد ما يسمع صوتها. كانت عارفة إن أمها مش هتقول له عن الحمل، وهي كمان مش مستعدة تحكي له. حتى لو عارفة إنها لازم، ومستعدة تتقبل أي قرار ممكن ياخده بخصوص ده، هو أكتر شخص متفهم شافته خديجة في حياتها، عشان كده عمره ما هياخد قرارات صعبة ممكن تكسرها.
بعدين، كلمت صاحبتها في المدرسة اللي بقت دكتورة، كانت عايزة تسألها عن حاجة مضايقاها بقالها أيام.
"ألو سليمان." قالت خديجة على طول لما رد على المكالمة.
"عبد الوهاب أم الخير دنقوتي. واو، بس واو! مش مصدق، هل أنتِ بجد؟" سأل سليمان بصوته الرجولي اللطيف.
خديجة عرفت تضحك شوية. "طبعًا أنا. عامل إيه؟"
"أنا كويس، وأنتِ؟"
"أنا كمان كويسة." جاوبت خديجة، قامت ومشت لمقعد الشباك، وقعدت وهي بتبص حوالين البيت.
"زمان ما كلمناش، إيه سبب المكالمة دي في صباح جميل زي ده؟"
"كلمت عشان أسألك عن حاجة لو ما عندك مانع؟"
"تمام أم الخير، أنا كلها آذان صاغية."
"أنا تعبانة، وما عرفتش أنام بقالي أيام، واللي شاكة إنه أرق، عشان كده عايزة تعرفني أحسن دوا منوم أخده." جمعت خديجة كل شجاعتها وقالت كده.
"معلش يا حبيبتي. بس أنا الأول أنصحك تزوري الدكتور، ممكن يفحصك كويس، ويقول لك الأرق ده سببه إيه. أعتقد إن ده أحسن. الدكتور ممكن يوصف لك أحسن دوا بعد ما يعمل فحوصات عشان يعرف إيه اللي غلط عندك بالظبط. ولو ما نسيتش، أمك دكتورة صح؟"
"يا عم سليمان، ليه كل الرسميات دي؟ أنت دكتور، عشان كده اتصلت، بس قول لي إيه الدوا اللي أستخدمه، وده كل شيء."
"بما إنك مصرة، ماشي. هبعت لك الاسم على طول، والروشتة بتاعته."
"شكرًا كتير."
"العفو، وأتمنى لك الشفاء العاجل أم الخير."
"شكرًا، ويوم سعيد." قالت قبل ما تقفل المكالمة. جابت مفتاح العربية من فوق، وخرجت، ما كانش فيه داعي تستنى، لازم تجيب الحبوب من غير ما تضيع دقيقة. كانت عايزة تنام أوي، بس ما عرفتش، وده كان هيخليها تجن.
* * * * * *
خديجة رجعت من المكان اللي راحت تجيب منه الدوا، لما لاحظت عربية غريبة في مكان الركن، ركنت عربيتها وخرجت. في الأول، فكرت إنها عربية أمها، بس ما كانتش، بس بعدين محدش يعرف إنها في جيغوا. مشيت من الباب الخلفي، ووقفت عشان تاخد الدوا في المطبخ، سمعت صوت الخادمة، وصوت الزوار في الصالة، سابت الكوباية، ومشت لجوه.
إنّا عائشة قامت على طول لما شافت خديجة، ده خلى خديجة تجري بسرعة في حضنها، وانفجرت في البكاء. الخادمة استأذنتهم على طول.
خديجة بكت لغاية ما شبعت، قبل ما عمتها تقعدها جنبها على الكنبة. حسّت بسعادة كبيرة في الحضن الأمومي الدافئ، وما قدرتش تبطل دموع.
"كله تمام يا حبيبتي، ما تبكيش تاني."
"ما عرفتش أتحمل أي حاجة، عشان كده جيت ه..."
"أختك قالت لي كل حاجة يا حبيبتي، عشان كده ما فيش داعي تفتحي الموضوع تاني." إنّا عائشة مسحت دموع خديجة.
"فاهمة وضعك، وعارفة إن مش سهل تفكري صح مع كل اللي بيحصل. أنا مش بقول إنك تسافري من البيت، وتخلي أمك تقلق صح، بس عملتي الصح لما ما استعجلتيش عشان تجهضي البيبي. ممكن تشوفي أمك مش مهتمة وقاسية، بس بتعمل كل ده عشان تمنع كرامتك إنها تدمر. خديجة، مفيش راجل هيتجوزك لو عرفتي إنك كنتي حامل قبل كده. عشان كده هي كانت عايزاكي تجهضي الحمل قبل ما أي حد يعرف، وقبل ما الكلام يبدأ ينتشر حوالينك، بس أنتِ فهمتيها غلط و..."
"بس ماما كانت بتجبرني أعمل حاجات ضد رغبتي، والحمل ده بسببه. قلت لماما إن نجيب مش كويس، بس هي كانت بتثق فيه أوي، وخلتني أروح أشوفه، وده اللي حصل بسببه. أنا دلوقتي اللي بعاني من العواقب، مع إن مش ذنبي."
"أيوة خديجة، أختك مريم كانت بتجبرك تعملي حاجات، وبما إنك طفلة مطيعة، بتعملي كل حاجة من غير ما تشتكي. أنا قلت لأمك إن ده غلط أوي، وهي وافقت على غلطتها، وياريت ما تستمريش تقولي إن ده ذنب أمك، طيب؟ اللي حصل كان مقدر له إنه يحصل، عشان كده مفيش حاجة تقدر توقفه. خيري، أنتِ عارفة إن أختك مريم بتحبك أكتر من أي حد في الكون، عشان كده لو كانت عرفت إن نجيب كده، ما كانتش هتخليكِ تقابليه، ولا تفكر حتى إنها تجمع بينكم."
"بس ماما رفضت تصدق إنه اغتصبني، حتى اتهمت عبد الملك إنه عمل كده. ده كسر قلبي حتت، لأن عبد الملك عمره ما هيأذيني، أو يعمل حاجة شريرة زي دي. وبعدين، حاولت تجبرني على إجهاض الحمل ده، من غير ما تفكر في مشاعري، كنت خايفة من الإجهاض، وده شيء غير إنساني إنك تقتلي بيبي بريء أوي. ما قدرتش أتحمل كل ده، عشان كده جيت هنا، لأن عارفة إني هلاقي راحة في إني أقعد لوحدي، وبعيد عن أمي. إنّا عائشة، المفروض أمي تسمعني، وتواسييني، بس كانت بتكلمني بكلام جارح، وكأن مش بنتها. ماما حتى قالت إنها ندمت إنها جابتني للدنيا..." خديجة انفجرت في البكاء، وإنّا عائشة حضنتها تاني، وهي بتهمس كلامًا ناعمًا في أذنها.
"خديجة، ياريت ننسى اللي فات، لأن ما فيش داعي نرجع اللي حصل خلاص. أمك وافقت على غلطها، وندمانة على كل حاجة عملتها معاكِ. أختك مريم كانت فاكرة إنها بتعمل كل ده من حبها، بس كانت غلطانة أوي، عشان كده أنا بعتذر بالنيابة عنها. خديجة سامحي أمك، ياريت، أختك مريم كلمتني أمس، وهي بتبكي، وحكت لي كل اللي حصل. أنتِ عارفة الست القوية اللي هي، وأقدر أحلف إني عمري ما سمعتها بتبكي غير أمس. ندمت بصدق إنها أجبرتك على حاجات معينة. كانت خايفة إن أبوك يعرف ده، لأن ربنا وحده اللي عارف إزاي هيرد فعل. عشان كده كانت عايزاكي تجهضي الحمل، بس غير كده، ما قصدتش أي أذى." حاولت تخلي خديجة تفهم.
"يبقى ماما طلبت منك تيجي هنا، وتقولي كل ده، عشان فاكرة إني هوافق أرجع البيت؟ لا إنّا عائشة، مش المفروض أقول حاجات زي دي، ما تقدريش تهربي من بيتك، وأمك، مهما حصل. وعارفة إنك مش عايزة إن أهلك يكون عندهم سوء تفاهم، عشان كده ما فيش داعي تقولي لأبوك عن ده. جيت هنا من نفسي، ومش لأن أختك مريم بعتتني، وأنا جادة لما أقول إن أمك ندمانة على كل حاجة عملتها. ياريت تصبري خديجة، دايما كنتِ طفلة صبورة، عشان كده ياريت تنسي كل اللي حصل."
خديجة بس هزت راسها، ومسحت دموعها. كان لازم تصبر كالعادة، وكل حاجة هتعدي. مع كل صعوبة بتيجي سهولة. زيادة على كده، ما قدرتش تقول لأ لعمتها المحبوبة.
"مش ده بس السبب اللي خلاني آجي، جيت عشان آخدك معايا، لأني مش مرتاحة إنك تقعدي لوحدك من غير صحبة في البيت ده، إيه لو حصل لك حاجة؟"
"بس حارس الأمن ومراته في البيت، وأنا مش لوحدي. إنّا عائشة، مش كأني مش عايزة أروح معاكِ، بس عايزة أقعد لوحدي، وأفكر في حياتي، وإيه عايزة أعمل منها."
"يا بنتي، مفيش مشكلة تروحي معايا، في الحقيقة هتحسي إنك أحسن لما تكوني معايا، وأصحابك، كلهم وحشوكِ. أؤكد لكِ إنك هتنسي كل مشاكلك، وتلاقي حل إن شاء الله."
* * * * * *
"صباح الخير يا أختي، ماما قالت لكِ تصحي، وتفطري." قالت بنت إنّا عائشة الكبيرة، وهي بتشد الغطا من على خديجة بطريقة مرحة.
خديجة فتحت عيونها، واتفاجأت أوي لما شافت إزاي الدنيا منورة بره، لفت راسها ناحية ساعة الحائط، وعيونها كادت تخرج من مكانها لما شافت الساعة. الساعة كانت 9:30، وكانت نايمة بعد ميعاد الفطار، إزاي قدرت تنام لغاية دلوقتي. في الحقيقة، إيه اللي حصل للمنبه اللي بيصحى كل يوم.
"تمام كوثر، قولي لإنّا عائشة إني هطلع بعد دقايق." كوثر ابتسمت، وخرجت من الأوضة، بينما خديجة بسرعة دخلت الحمام، ورجعت بعد دقايق، وبدأت تصلي.
"شكله حد نام كويس." إنّا عائشة هزأت وهي خديجة بتقعد جنبها على ترابيزة الأكل. خديجة ابتسمت.
"صباح الخير إنّا عائشة."
"صباح الخير يا حبيبتي، عاملة إيه، وإزاي قضيتي الليلة؟"
خديجة ابتسمت تاني. "كانت كويسة." كلهم بدأوا ياكلوا، وبعد كده راحوا تاني للصالة، وقعدوا.
"أبلة خديجة، ماما قالت إنك هتقعدي معانا هنا، وأنا مبسوطة أوي." قالت رُقي بحماس.
"أيوة يا حبيبتي، هقعد هنا دلوقتي، وأنا كمان مبسوطة إني هقضي وقت مع حبايبي."
أفراح اللي كانت آخر بنت لإنّا عائشة، مشيت للمكان اللي كانت فيه خديجة، وقعدت جنبها. "بابانا قال إننا كلنا هنروح إجازة للقاهرة الأسبوع الجاي، هتجي معانا ولا هتقعدي في البيت مع ماما، لأن بابانا قال إنها مش هتيجي معانا، لأنها مش بنت كويسة."
إنّا عائشة رفعت راسها من الشغل اللي كانت بتعمله على اللاب توب، وبصت لبنتها بصدمة، أبوهم نجح في إنه يخلي العيال يشوفوها كالأم الوحشة. مزاجها اتغير على طول، وخديجة ما فاتهاش ده. كان واضح جدًا إن عمتها لسه عندها مشاكل مع جوزها. خديجة قالت دعوة سرية في قلبها، صلت لربنا إنه يسهل أي مشكلة بتمر بيها عمتها الصبورة.
"بصي يا أفراح، خليني أوريكي حاجة على تليفوني." حاولت خديجة إنها تمنع البنت إنها تقول حاجة تانية ممكن تبوظ مزاج أمها. أفراح أخدت التليفون، وخديجة قامت، وراحت للأوضة النوم. كانت مبسوطة إن البنت الصغيرة نسيت الموضوع في اللحظة دي.
كان متأخر في الضهر، لما خديجة وبنات عمها كانوا في المطبخ بيعملوا سناكس وعصير ليمون، لما سمعت صوت زي صوت أمها بره البيت. قلبها ضرب بسرعة، بسرعة سابت برطمان السكر على الكونتر، وخرجت من المطبخ في عجلة.
وقفت في مكانها لما شافت أمها وعمتها بيحضنوا بعض، يبقى ما كانتش غلطانة، ده صوت أمها اللي سمعته. بس إيه اللي بتعمله هنا، هل جت عشان تجبرها تجهض الحمل تاني، أو عشان تفضل تقول لها كلام جارح؟
خديجة كانت تايهة في أفكارها، لدرجة إنها ما لاحظتش لما أمها مشيت للمكان اللي كانت فيه، وحضنتها جامد.
"قلقتيني عليكِ أوي يا حبيبتي."