الفصل 24
هاجية حواء كانت تمشي ذهاباً وإياباً، تنتظر خروج الدكاترة من الغرفة عشان يقولوا لها وش اللي صار لولدها. ما سمحوا لها تشوفه من أمس بعد الحادثة اللي تخوف. لما سمعت خطوات وراها، لفت بسرعة وشافت زوجها. حضنها بقوة و انفجرت بالبكاء.
"حبيبي، تكفى قول لهم يخلوني أشوفه. مستعدة أشوف أي وضع هو فيه. ولا هم خاشين عني شي؟" مسحت دموعها بطرف المنديل حقها.
"اهدي، أوكي؟ عبد المالك حالته مستقرة. راح يسمحون لك تشوفينه لما يخلصون. ولا هم مو خاشين عنك شي. لو سمحتي تجمعي." حضنها الحاج عثمان بقوة أكثر.
"مو سهل مثل ما تتوقع. عندي إحساس مو كويس إن فيه شي غلط مع بابانا. فيه أحد قال إنه فاقد الوعي لما جابوه هنا أمس، بالله سوي شي." دفنت راسها بصدره وبكت.
سحبها لكرسي وجلسهم. " حبيبتي، خلاص لا تبكين بالله. راح تشوفينه قريب، بس اصبري وادعي له." حطت راسها على كتفه وشهقت بصمت.
"ماما، بابا!" رددوا التوأم بصوت واحد، وهم يمشون لعند أهلهم. حضنوا أمهم هم الاثنين.
"ماما، كيف صار كذا؟" سأل محمد أمه. مسحت هاجية حواء دموعها وناظرت ولدها.
"اتصلوا الصبح وقالوا إن سيارته صدمت سيارة ثانية. كان جاي من المطار و....." بدأت تبكي مرة ثانية.
"خلاص، عادي محمد، خلي أمك تهدى شوي، أوكي؟" قام أبوهم وبدأ يمشي ذهاباً وإياباً مرة ثانية. مو حلو إنه يسمع زوجته تبكي أبداً، يخليه يقلق أكثر.
"وش قالوا الدكاترة؟ وش وضع عبد المالك؟" سألت عائشة. كانت تحاول قد ما تقدر ما تنهار قدام أمها. ما راح يفيد شي.
"لسه داخلين معه من أمس، قالوا يسوون فحوصات أخيرة عشان يتأكدون من الإصابات الداخلية، راح يطلعون في أي لحظة." قال أبوهم.
"وقاسم وزينب بالطريق بعد. تكلمنا معهم قبل ما نجي هنا." مسك محمد يدين أمه. كأنّه عرف إنها بتسأل عن إخوانه الثانيين. ابتسمت له بابتسامة تعبانه.
"وين البيبي لست؟"
"راحت البيت تجيب أغراض." جاوبت هاجية حواء بنتها.
طلع واحد من الدكاترة من غرفة الطوارئ، كلهم قاموا مرة وحدة ومشوا لعنده.
"دكتور، بالله وش فيه ولدي؟ بالله قول لي وش المشكلة." سألت هاجية حواء وهي تحاول تمسك نفسها ما تنهار.
الدكتور ما قال ولا كلمة. مشى، وأبو عبد المالك ومحمد تبعوه. الحركة هذي خلت هاجية حواء تنفجر بصوت مؤلم مرة ثانية.
"عائشة، بالله قولي لي ما صار له شي مو كويس. ما أقدر أعيش بدونه، بالله عائشة قولي لي ما فيه شي." ناظرت عائشة أمها بشفقة. صدت الدموع اللي تحاول تطلع من عيونها.
"ماما، اهدي بالله، ما فيه شي مو كويس. بيكون بخير. بابا راح يكلم الدكتور، راح نسمع كل شي منه لما يطلع."
جلست الأم وبنتها بصمت لعدة دقايق، لين ما قررت عائشة تسأل أمها عن شي كان مضايقها من زمان. "ماما، قلتي إن عبد المالك راح لأبوجا صح؟"
"صح عائشة. فيه مشكلة؟"
"فيه يوم تكلمنا بالجوال وقال لي إنه بأبوجا. مو فاهمة وش يسوي هناك كل شوي، دايم يروح هناك، ولا عنده مكتب ثاني هناك؟"
"يروح يشوف صديقته الفولانية أم الخيرية."
ناظرت عائشة أمها باستغراب. "ماما، يعني عبد المالك لسه مع خيرية؟ يعني مع بعض من زمان."
"صح، وأعتقد إنهم يمرون بوقت صعب، فلما أبوك لاحظ إن عبد المالك غايب له أيام، طلب منه يرجع لكانو، وصار كذا في طريقه للرجوع." بدأت هاجية حواء تبكي مرة ثانية.
"خلاص ماما عادي، لا تبكين." بدأت عائشة تهدي أمها. قامت لما شافت أبوها ومحمد راجعين من مكتب الدكتور. قامت هاجية حواء بسرعة بعد ما مسحت دموعها.
كان وجه الأب والابن ما عليه أي تعابير، اللي خلى هاجية حواء تبلع ريقها بصعوبة. دعت في سرها. الله يعلم إنها ما راح تقدر تعيش بدون عبد المالك، الولد اللي كان يسوى عشرة أولاد، الولد اللي حط أهله فوق كل شي، عبد المالك كان الكامل في كل أولادها، وقلبها ما راح يتحمل إنه يفقده.
"بابا، وش قال الدكتور؟ وش وضعه؟" سألت عائشة أبوها لما ما أحد تكلم، كانوا واقفين لثواني بدون ما يتكلمون. أمهم كانت ضايعة في أفكارها وما تقدر تتكلم.
تحرك الحاج عثمان لعند زوجته وسحبها له، دعا إن اللي بيقوله ما يكسرها. عرف إنها امرأة قوية وصبورة، فبتقبل كل شي بدون ما تقلق كثير.
"الدكتور قال عنده 7 كسور في العظام و....."
"وش!" قالت هاجية حواء وهي تقاطع زوجها.
"ماما، اهدي بالله، كل شي بيكون تمام، أوكي؟ عبد المالك بيكون بخير وبيرجع يوقف على رجلينه مرة ثانية." قال محمد.
"بسبب كذا يحتاج عملية جراحية، لأن الكسور مركبة، هي الطريقة الوحيدة عشان يصلحونها. الدكتور قال نقدر نشوفه كلنا الحين." ناظر زوجته اللي كانت تحاول بكل قوتها تستوعب كل شي قالوه.
كلهم مشوا للباب وبدأت رجلين هاجية حواء ترجف لما وصلت هناك، حست كأنها مو مستعدة تشوف عبد المالك للحين. ما تدري وش الوضع اللي بتشوفه فيه، لأن أي وضع بيكون فيه بيحدد إذا تقدر تكمل ولا لا.
فتح محمد الباب برفق، وأصوات الأجهزة اللي تصدر أصوات تنبيه، اللي مربوطة على جسم عبد المالك، استقبلتهم في غرفة المستشفى الدافئة والمضيئة. منظر عبد المالك وهو مريض جداً وفاقد الوعي كسر قلوبهم، كلهم كانت في بالهم أشياء مختلفة.
كانت هاجية حواء أول وحدة توصل للسرير، جلست على واحد من الكراسي، وبيدين ترجف وصلت عشان تلمس وجه ولدها: الوجه اللي يشبه وجه أبوه، وجهه كان المكان الوحيد في جسمه اللي مو مغطى بضمادة.
"عبد المالك، يا ولدي!" قالت بصوت يختلف عن صوتها الناعم، الصوت هذا كان صوت أم حياة ولدها معلقة بين الحياة والموت. بدأت تشهق، وخليت الشلال اللي بعيونها يبدأ يمشي. حط زوجها يدينه على كتوفها.
"كل اللي يحتاجه عبد المالك دعواتنا، فيالله ندعي له، البكاء ما راح يحل شي." لف عشان يناظر عائشة اللي كانت تبكي من يوم دخلوا الغرفة.
"حبيبتي، بالله خليه يصحى. هذا الشي الوحيد اللي بيخليني أحس إني أحسن، ودي أناظر في عيون عبد المالك وأقوله خلك قوي عشان الناس اللي حولك."
"لا تقلقين يا حبيبتي، عبد المالك تحت تأثير المهدئات، بس بيفتح عيونه قريب." سحب الكرسي جنب حقها، وجلس ومسك يدينها الباردة في يدينه.
"طلبت من الدكتور يجهز كل شي، عبد المالك راح يطلع برا البلد عشان العملية والرعاية الطبية الأحسن."
رفعت راسها المتألم عشان تناظر زوجها وتسأله. "بس أعتقد الرعاية اللي ياخذها هنا راح تكون صح؟"
"مو بالضرورة، يحتاج مكان أحسن من كذا، بيساعده يتعافى أسرع، ويحتاج بيئة ثانية عشان يرتاح من كل مشكلة عنده." كان الحاج عثمان فاهم من زمان إن فيه شي مضايق ولده من قبل ما يروح أبوجا.
هزت هاجية حواء راسها وحطت يدها مرة ثانية على وجه عبد المالك. استمرت تردد كل دعاء يجي في بالها، إنها تشوف ولدها المحبوب كذا مو سهل أبداً. هذي الحياة، في دقيقة تكون في سلام، وفي الدقيقة اللي بعدها في قطع.
باست جبينه بحرارة، ودموعها طاحت على خدوده. "الله يبارك لك بشفاء سريع وسهل يا حبيبي."
"آمين يا الله!" قال محمد، عائشة، وأبوهم كلهم بصوت واحد.
* * * * * * *
"خير، مو معقولة، كيف بتنفصلين عن عبد المالك، كيف في هذا العالم هذا ممكن؟"
جلست خيرية تناظر سهيلة وهي تسقط الدونات اللي كانت تستمتع فيها من علبة الدونات المحشوة بالنوتيلا. رجعت سهيلة من إجازتها مؤخراً، وشلون شافت صديقتها المقربة خلاها تذرف الدموع تقريباً. ما كانت تدري وش الوضع اللي كانت فيه خيرية، لأن كل مرة كانت تحاول تتصل، جوال خيرية كان مسكر.
"يا سو! كيف تبغيني أجاوب على هذا السؤال. ممكن لأنها صارت. أنا وعبد المالك مو مع بعض." قدرت خيرية تقول، كانت تحاول تنسى الموضوع ذا، بس سهيلة ما كانت تدري، فلازم تقول لها.
"بس ليش، وش سوا لك؟ أو وش سويتي له؟ ما أقدر أصدق كذا، فيالله قولي لي إنها مزحة بشعة."
حطت خيرية يدها على جبهتها. " بالله سو، هذي مو مزحة، تقبليها، ووقفي تزعجيني، أوكي؟ الكلام عنه يخليني ودي أبكي بقوة."
ناظرت سهيلة صديقتها بشفقة. "بس ليش، قولي لي بس ليش؟"
"اللي صار كان مقدر له، وصار للأحسن، فما فيه داعي نسأل ليش. بكون جد سعيدة إذا ما سألتي ليش مرة ثانية." ناظرت خيرية بعيد، ما تقدر تقول لسهيلة ليش، وعدت نفسها ما تقول لأي أحد عن اللي صار، قررت إنها تحافظ على السر إلى الأبد. تقبلت حياتها كذا، صح إنها تعرضت للاغتصاب، صح إن نجيب خرب حياتها، بس مستحيل تخلي أي بشر يعرف. الناس يحكمون، فما فيه داعي إنها تقول. حست إن ما أحد بيفهم وضعها بدون ما ينتقدها. كل واحد عنده سر أو سرين مخبين جواته، هذا سرها، وهي مستعدة تشيله معها للقبر.
ناظرت سهيلة خيرية عن قرب، هذي مو صديقتها المقربة، خيرية هذي كانت شخص جديد، صديقتها المقربة ما تخفي عنها أشياء أبداً، صديقتها المقربة تغيرت، وهي خايفة إن التغيير مو للأحسن. بس هي سهيلة، ما راح تستسلم من السؤال، راح تستمر تزعج خيرية لين ما تقول لها كل شي، وليش انفصلت عن الرجل اللي حبته كأنه ما فيه غيره.
"عشان كذا شكلك كأنك جاية من أرض الأموات. خيرية، شكلك شاحب ومثير للشفقة. في المقام الأول ليش بتنفصلين عنه إذا كنتي تدرين إنك ما بتقدري تعيشين بدونه؟ خيرية، عبد المالك يحبك مرة، وما يستاهل منك كذا."
"سهيلة، أتوسل في اسم الله إنك تتركين الموضوع هذا بالله، قلت لك ما ودي أتكلم عنه. بالله اتركيه. راح أعيش مع أو بدون عبد المالك." مجرد ما تقول اسمه يوجع قلبها، اشتاقت له مرة، وهذا يخليها تحس إنها مستهلكة بحزن ما يوصف. تشك إنها بتصير خيرية اللي كانت قبل ما تتدخل الأقدار.
"انفصلتي عنه بسبب الرجال نجيب ذا؟ قولي لي، تحبينه، وعشان كذا دفعتي عبد المالك برا حياتك، برا الحياة اللي كان مرتبط فيها؟" سهيلة ودها تعرف كل شي.
حست خيرية إن الدموع بتطلع في عيونها، مسكت منديل بسرعة ومسحتهم، وعدت نفسها ما تبكي مرة ثانية، وعدت نفسها إنها تكمل حياتها وتترك ماضيها البشع وراها. أدركت إن البقاء في الماضي ما راح يسبب إلا ألم أكثر لحياتها المتألمة أصلاً.
"سهيلة بالله، تكلمت بما فيه الكفاية اليوم."
"تدرين إني ما أحب أكون متروكة مع أسئلة تنط وتعرج في بالي، يخليني قلقة مرة. بالله جاوبي على أسئلتي." توسلت.
"سهيلة، أقسم بالله إنك صداع، في الحقيقة في كل الجسم. تقدرين تقتلين إنسان بأسئلتك اللي ما تخلص." اشتكت خيرية، اللي خلت صديقتها المقربة تبتسم بطريقة شيطانية.
"ولازم تجاوبين على أسئلتي سواء حبيتيها ولا لا، وإلا راح أستمر في اختبار صبرك لين ما تتكلمين." سوت سهيلة وجه مضحك، ودرت عيونها. ضحكت خيرية من قلبها بعد ما سوت سهيلة كذا، ما تتذكر متى آخر مرة ضحكت، بس اليوم سهيلة نجحت إنها تخليها تضحك.
"أنا صديقتك المقربة خيرية، أعرفك من يوم ما كنا ما نعرف تعريف الصداقة. تذكري دايم إنك صرتي جزء مني، وأنا صرت جزء منك، ولما أقول جزء أقصد جزء كبير. خيرية، ودي تعرفين إني دايم بكون معك وقت ما تكون عندك مشكلة، وأنا دايم كتفك عشان تسندين عليه." فهمت سهيلة إن خيرية مو في مزاج إنها تتكلم عن مشكلتها، فما راح تسأل مرة ثانية.
ابتسموا لبعض، كل وحدة منهم عندها أشياء مختلفة تدور في بالها. خيرية مستحيل تتوقف عن تقدير الصديقة الرائعة والمتفهمة سهيلة. ما كانت مستعدة تقول لها كيف صارت الأمور مع نجيب، ولا كيف وليش انفصلت عن عبد المالك. ودها تنسى الموضوع ذا، وما فيه داعي تجيب الأشياء. الأيام اللي تعرضت فيها للاغتصاب، واليوم اللي انفصلت فيه عن عبد المالك كانت الأيام اللي ما تنسى في حياتها. الأيام راح تضل عالقة في ذاكرتها للأبد.
حتى بعد ما سوى أبوها كل جهده عشان يشوف خيرية قالت له وش صار لها بالضبط. ما قدرت تجمع الشجاعة عشان تقول أي شي، حاول وحاول، بس كان بلا فائدة، لين ما قرر صابر إنه يقول له كل شي. شلون أمهم أجبرت خيرية تشوف نجيب، شلون كانت غاضبة بعد ما رجعت من مقابلته لرجة إنها قفلت على نفسها بغرفتها لأيام. شلون أمهم قالت أشياء تجرح لعبد المالك لما ما كان صح إنها تتدخل في مشكلته هو وخيرية. كان أبوهم غاضب لدرجة إنهم تقريباً كان عندهم قتال كبير لين ما تدخل صديق وإبراهيم. إنها تقول لأبوها وش سوى نجيب بيسبب ضرر أكثر من المنفعة، لأنها تدري نوع شخصية أبوها. حياة نجيب بتصير جحيم لو عرف أبوها. قررت إنها تخفي الموضوع: عشان تنقذ أمها من غضب أبوها، وعشان تنقذ كرامتها بعد. عرفت إن اتهام نجيب للمحكمة بيفضح اللي كانت تخفيه، والناس بيحكمون عليها ويسخرون منها، يمكن ما أحد حتى يصدقها.
أعطى أبوهم أمهم تحذير قوي وفعال مرة، قال لها إنها مستحيل تفكر تخلي بنته مع رجال ثاني مرة ثانية. خيرية بتزوج الرجال اللي تحبه، ولا شي أكثر. ذاك الوقت كان متأخر، لأنها انفصلت عن الرجال اللي حبته. الرجال اللي المفروض تتزوجه وتقضي بقية حياتها معه. تقبلت خيرية ذا الشي، لأنه مو كل شي بيمشي في صالحك دايم. هذي الحياة!