الفصل 27
"اطلعي برا يا خيريّة الحين." أمرت الحاجة مريم وهي واقفة عند باب الحمام. بنتها كانت جوا من زمان، وصبْرها بدأ ينفذ.
"لا يما، اتركيني بس. قلت لك ما أقدر أسوي اللي تبين، ما أقدر."
"أنتي بس اسكتي وافتحي الباب ده. يا خيريّة، بس لا تخليني أدخل، لأن لو دخلت ح تندمي إنك ما سمعتي كلامي."
"يما، روحي واترُكيني بس، خلاص طفح الكيل. آسفة، ما أقدر أفتح الباب." شهقت وبكت.
خرجت الحاجة مريم من الغرفة بغضب، ورجعت بعد دقيقة ومعها مفتاح احتياطي. بعد ما فتحت الحمام، دخلت.
قفزت خيريّة لما دخلت أمها. النار اللي شافتها في عيون أمها، خلتها تبلع لقمة كبيرة بصعوبة.
"اطلعي برا وجهزي نفسك الحين!" أشارت الحاجة مريم على الباب.
"يما، أرجوكِ خليني أفكر في ده أول قبل ما أستنتج أي شيء، أرجوكِ يما." ركعت خيريّة قدام أمها.
"قلتي لي بس أفكر قبل ما أستنتج أي شيء؟ يا خيريّة، مجنونة أنتي؟ فكرتي قبل ما تحملي؟ فكرتي؟ والحين عندك الجرأة تقولي لي أفكر؟ أنتي غبية بجد عشان قلتي كده."
"أتوسل إليكِ باسم الله يما، خايفة من ده، ما أقدر أسوي ده." قدرت تقوم من مكانها.
"ما أبغى أسمع أي شيء تاني، بس جهزي نفسك، لأنه ما في شيء حيوقف ده، فتقبليه. وإذا ما سويتي، رح أضربك لين ما الولد اللي في بطنك يطلع، أو الأفضل أكسر عظامك العنيدة وبعدين أحزمك وأوديكِ المستشفى، ما في شيء حيوقف الإجهاض ده هناك."
"ما أبغى أجهض الحمل ده، أرجوكِ يما اتركيني، وإلا ما حيصير عندي خيار غير إني أتصل بأبويا وأقول له الشيء اللاإنساني اللي تحاولي تخليني..." بقية الكلام علقت في فم خيريّة، لما حست بلسعة مؤلمة على وجهها، نتيجة صفعة أمها. حطت خيريّة كفها على خدها وانهارت على الأرض وهي تبكي.
"يا بنت العاقة، فاكرة إنك تقدري تقولي لي اللي تبينه عشان أبوكِ دللك وخلاكِ تصدقي إني الأم السيئة. أنا أسوي كل ده لأني أبغى أساعدك، وأنتي بتقولي لي كده وحتى بتهددي إنك تقولي لأبوكِ؟ عادي، روحي قولي له، أنا أصلاً قلت لكِ إنه ما رح يدعمك المرة دي لأنكِ تحاولي تشوهي سمعتنا الطيبة في المجتمع." مشيت الحاجة مريم باتجاه الباب، لكنها رجعت بسرعة.
"عندك عشر دقايق تجهزي نفسك، وإذا ما سويتي، ما رح يكون عندي خيار غير إني أجبركِ." خرجت من الباب وقفلت الباب بغضب.
خيريّة اللي كانت تبكي، رفعت راسها لما طلعت أمها. أي نوع من الأشياء ده، قالت ما تقدر، بس أمها ما تسمع. ده خطر، وإذا ماتت في العملية، إيش رح تقول لربها؟ ما في شيء. خلاص كفاية، أمها على طول تتحكم في حياتها وتلعب فيها زي ما تبغى، بس مو أكتر، خلاص طفح الكيل.
قامت بغضب وخرجت من الحمام وهي تدوس برجولها في الأرض، لبست الحجاب، وأخذت جوالها ومفتاح السيارة وبعدين نزلت الدرج وطارت من البيت زي البرق. ركبت السيارة وطلعت من البيت بسرعة قبل ما تشوفها أمها.
كانت خلاص قررت، ما في رجعة. جوالها اللي جنبها بدأ يرن، واسم أمها ظهر، وقفلت الجوال ورَمَته على كرسي الركاب.
* * * * * *
ظلت منيرة تطالع في جوالها بدون ما ترمش، دمعة وحيدة هربت من عيونها ومسحتها بسرعة بظهر يدها. حضنت الجوال بقوة على صدرها اللي يوجعها.
"أرجوكِ قوم بالسلامة يا عبدالمليك، ما أقدر أتخيل حياة بدونك، حتى لو ما تهتم بكل اللي أسويه، بس إني أشوفك بصحة كويسة، يكفي عشان أكون سعيدة."
صوت الباب وهو بينفتح، خلاها تمسح بسرعة الدموع اللي نزلت مرة تانية، وعدلت نظارتها في مكانها. دخلت أمها ووقت وهي تطالع فيها، ده خلاها تنزل راسها.
"يعني لسه بتبكي؟ يا منيرة، إيش بالله عليكِ يخليكِ توقفي عن البكي؟ عبدالمليك حتى ما يعرف إنكِ بتتصرفي كده، وحتى لو يعرف، هو بعيد عنكِ. يا منيرة، أرجوكِ شيلي الولد ده من راسكِ وبطلي تضييع وقتكِ." جلست أمها جنبها على السرير.
"أمي، أرجوكِ ادعي لي، حاولت كل شيء عشان أنساه بس ما قدرت، هو مسيطر على تفكيري حتى لما ما أبغى أفكر فيه."
طالعتها أمها بشفقة، لو بس تقدر تلقى نهاية لده، عشان بنتها ترجع زي ما كانت. من يوم ما أبوها، اللي هو صاحب عبدالمليك، قال لهم عن الحادثة والحالة اللي عبدالمليك فيها. تحولت لشيء ما كانت عليه من قبل، ما تقدر تنام ولا تأكل ولا تسوي أي شيء. تقضي اليوم كله والليل تبكي وتطالع في صور عبدالمليك. أمها لاحظت من زمان إنها تحب عبدالمليك من يوم ما جا بيتهم. كانت شافتها تطالعه من الشباك وبعدين أخذت له صور في جوالها. والشيء اللي تسويه منيرة الحين، خلا أمها تقلق بجد، لأنها ما تخيلت إن بنتها تحب عبدالمليك بالعمق ده.
"عادي يا حبيبتي، كل شيء حيصير كويس. حل كل مشكلة هو الصلاة، استمري في الدعاء وحتتغلبي على كل أحزانكِ."
"أمي، صليت من زمان، بس لسه ما قدرت أتغلب عليه. أمي، أنا أعرف إنه مو من الأدب إني أحب واحد كذا بزيادة من غير ما يبادلني نفس الحب، أو إنه يكون واعي بكل اللي أسويه. آسفة أمي، أعرف إن ده مو اللي ربيتيني عليه، بجد ما أقدر أساعد نفسي. ربنا بيختبرني بحب عبدالمليك وده يوجع بزيادة..." بدأت عيون منيرة تنزل دموع غزيرة.
أمها لفتها بسرعة في حضنها. "يا منيرة، اهدي بس، اهدي وبطلي تبكي طيب." مسكت أمها وجهها بحب وهي تحاول تواسيها.
"اسمعيني يا حبيبتي، ما في رجال يستاهل دموعك، عشان كده بطلي تبكي كده وجمعي نفسكِ. أنتي تستاهلي واحد أحسن من اللي يتجاهلك لما تحاولي توري له حبكِ. يا منيرة، كنصيحة أم، أنصحكِ تنسي الرجال ده، هو حتى ما حيطالع فيكِ نظرة كويسة، فما بالك يحبكِ. هو من خلفية غنية، وأنتي لأ، عشان كده تقبلي ده، وجيبي واحد من نفس مستواكِ. في الحقيقة اليومين دول، الرجال الأغنياء ما يتزوجوا بنات من مستوى أقل، يتزوجوا من نفس الخلفية، اللي الزوج يستفيد والزوجة تستفيد. استمري في الدعاء عشان ربنا يمنع قلبكِ يتعلق بشيء مو مقدر لكِ. أتمنى إنكِ فهمتي كل اللي قلته وواجهي الواقع."
"أمي، ما أقدر أتقبل كل اللي قلتيه. أحب عبدالمليك أكتر من أي شيء، ومستحيل أوقف حب شيء بدأته. أحبه وأبغى أكون معاه حتى لو جوعني لين الموت، ضربني لين ما أصير لحم مفروم، أو حتى قطع لحمي لقطع صغيرة لما أتزوجه. رح أتقبل كل ده، طالما إنه رح يعيش معاي كزوجته. عبدالمليك صار الدم اللي يجري في عروقي والسبب اللي يخلي قلبي يدق، ما أقدر أشيله من تفكيري." شهقت وبكت.
طالعت أمها بفم مفتوح وفي حالة صدمة، هل بنتها بتقول كل ده عشان رجال، رجال مو واعي بده، رجال عمره ما حيكون لها، رجال بعيد بزيادة عن متناولها؟ كان فيه مشكلة كبيرة، ولو بس تقدر تلقى حل لده، عشان بنتها تكون سعيدة. بس بعدين تذكرت إنه مو كل شيء دايماً حيصير في صالح الشخص.
حضنت منيرة أمها مرة تانية وانهارت في بكاء ما تقدر تتحكم فيه. ما قدرت تتحمل أكتر، تحملت بما فيه الكفاية، لأنها كانت في الحالة دي من يوم ما شافت عبدالمليك أول مرة.
"عادي، لا تبكي أكتر يا حبيبتي. أوعدكِ أجيب نهاية لأحزانكِ، كل اللي أبغاه منكِ هو صبركِ وصلاتكِ. إذا عبدالمليك مقدر لكِ، ما في شيء على وجه الأرض حيوقف ده، وبنفس الطريقة إذا مو مقدر لكِ، ما في شيء حيخليه لكِ. بطلي بكاء وكوني صبورة، طيب؟" هزت منيرة راسها بس، وقلبها مليان دموع. ما في شيء حيوقف عبدالمليك من إنه يكون لها، لأن عندها إحساس من جوه إنه رح يصير زوجها مهما اللي يخفيه المستقبل.
خرجت أمها بعد دقائق، و تكتلت منيرة في شكل كرة، واستمرت تبكي. ما قدرت توقف سيل الدموع، كانت تبغى تشوف عبدالمليك مرة تانية على رجليه بصحة ونشاط. دي كانت الطريقة الوحيدة اللي تقدر توري له كيف تحبه، ودي المرة حتقاتل لين ما يكون لها لحالها. ما رح تستسلم، إلا لما يصير زوجها وهي لحالها. بس بعدين كيف ده ممكن يصير، وهو مو في البلد، ده خلاها تنهار في شهقة تانية مؤثرة. دفنت راسها في المخدة عشان تهدي الشهقات المؤلمة وتمنع أمها من سماعها والرجوع مرة تانية.
تذكرت شيء، عشان كده جلست بسرعة وأخذت جوالها وفتحته. صار روتين يومي عندها، ترسل رسائل شفاء حلوة لعبدالمليك، حتى لو ما رد. يمكن مو قادر يشوفها بسبب مرضه، بس حتى لو شاف رسايلها وتجاهلها، عادي. هي تعرف إنها الشخص اللي يهتم فيه، واللي يرسل رسايل كل يوم يسأل عن صحته.
ابتسمت ابتسامة مؤلمة بعد ما أرسلت الرسالة وحطت الجوال مرة تانية. وين ما كان، وفي أي حالة كان فيها، رح تكون هنا تفكر وتدعي له لين ما يتعافى.
* * * * * *
انقلبت خيريّة على السرير وفتحت عيونها، تفاجأت إنه الصبح خلاص، كأنها بس غمضت عيونها الثقيلة وفتحتها. مدت عضلاتها اللي توجعها وغمضت عيونها لأن الألم انتشر في كل جسمها. حتى لو نامت، لسه تعبانة بزيادة بعد رحلتها اللي أتعبت.
بعد ما صلت، جلست تدعي تدعي عشان تسهل كل شيء في حياتها. طلبت من ربنا يختار لها الأفضل ويجيب حل لمشكلتها الحالية: الحمل. هي عارفة إن أمها رح تكون قلقانة بزيادة بعد ما ما سمعت عنها أمس وربما بعد ما حاولت تتصل عليها. حست خيريّة إن ده أفضل شيء تسويه عشان ما تجبرها أمها على الإجهاض وما تقدر. تركت لأنها تبغى أمها تدرك أخطائها، تركت لأنها تبغى تفكر في حياتها بشكل صحيح وإيش تسوي في البيبي، سواء تجهضه أو تحتفظ بيه، لأن ربنا يعلم إنها مو متأكدة من أي شيء لحد الحين.
في النهاية طلعت من غرفتها ومشيت لتحت في المطبخ اللي ريحة الوينا وميان تاوشي استقبلتها. تفاجأت إنها شافت زوجة البواب اللي كانت تساعدهم زمان.
"صباح الخير."
"صباح الخير أم الخير، كيفكِ وكيف كانت الرحلة؟" سألت المرأة المكتنزة وهي بتعطي خيريّة ابتسامة دافية.
"كويسة، ورحلتي كانت كويسة برضه. كيف عرفتي إني هنا؟ فكرت إنه ما في أحد في البيت غير زوجكِ." سألت خيريّة.
"صحيح، انتقلنا للشقق اللي ورا البيت قريب عشان إيجارنا خلص وما كان عندنا مكان تاني نقعد فيه. أرجوكِ، أشكريهم أهللكِ بزيادة لأنهم ساعدونا في حاجات كتير."
ابتسمت خيريّة. "حأسوي كده."
"زوجي قال لي إنكِ موجودة عشان كده جيت عشان أحضر لكِ شيء، أتذكر إنكِ تحبين الوينا بزيادة."
"شكراً بزيادة على اهتمامكِ، وصحيح لسه أحب الوينا." جلست خيريّة على واحد من الكراسي في المطبخ وهي تنتظرها تخلص الأكل. الشيء اللي يفاجئ، إن ريحة المطبخ ما خلتها تحس بغثيان زي العادة، يمكن البيبي يحب الريحة. لفت يديها حول بطنها بلطف، ممكن تنادي ده بيبيها؟ تبغاه؟ ممكن تحافظ عليه؟ هل ده القرار الصح ليها؟ ابتسمت خيريّة لأول مرة من أيام، هي تعرف إن ربنا حيظهر في حياتها ويباركها بالأفضل بس، ده خلاها تحس بالراحة.
خرجت خيريّة من المطبخ من الباب الخلفي بعد ما خلصت أكل الوجبة اللذيذة. مشت وهي مستمتعة بشمس الصبح الجميلة، ومشت حول البيت وهي تتذكر أيام طفولتها هناك. تذكرت خيريّة كيف كانوا يجروا ورا الغزلان الصغيرة وأمهم في البيت وكيف كانوا يجلسوا فوق السلحفاة مع إخوانها. البيت فعلاً فيه ذكريات طفولتها الكتير وهي وعدت نفسها تجيب عيالها هنا يوم من الأيام عشان يستمتعوا بذكرياتهم.
كانت على وشك تمشي من قدام البيزبو، بس توقفت بسرعة. تذكرت آخر مرة كانت هنا، مع عبدالمليك، دي كانت آخر مرة زارت.
وصلت هناك وجلست على واحد من الكراسي. تذكرت كل شيء بوضوح، عطر عبدالمليك الحلو، الملابس اللي كان لابسها، جزمه، ساعة يده، وكل شيء عنه في اليوم ده. لسه طازج في ذاكرتها وما تقدر تنساه.
تذكرت خيريّة الهدايا اللي جابها لها في اليوم ده: الجوال الجديد و طقم الماس الجميل. تذكرت كيف كانت متحمسة ومقدرة. لمست خاتم الماس على إصبعها بحب، كان هدية منه برضه، وده من أثمن ممتلكاتها. حتى لو كانت بعيدة عن كل شيء أهداه ليها عبدالمليك عشان تنساه بسهولة، ما قدرت تشيل الخاتم ده. صحيح، يذكرها بيه بزيادة بس قررت تتمسك بيه. جزء منها كان يبغى يشيله من تفكيرها والجزء التاني من جوه كان بيقول لها تتمسك بماضيهم اللي كان مليان حب وتفاهم.
طالعت في لا شيء بالذات وابتسمت، هي تقبلت قدرها. "وداعاً يا عبدالمليك، ربنا يبارك كل واحد منا بالأفضل ويعطينا صبر أكتر عشان نعيش من غير بعض."