الفصل الرابع عشر: وداعًا يا فيدينتو!
قلتي، لو ما كان في زعل كتير بيني وبينك، كنا حنكون مبسوطين؟
فيدانتو ما ردّ. ليش لو؟ ما في لو! خلص، اللي صار صار، وما بيرجع زي الفيلم.
عرفت إنّه مش حيرد، سيجينا سألت نفسها تاني.
"لو متّ، حتصدّق إنّي بريئة؟"
بصّ عليها باستغراب. بعد كلّ الوقت ده، بتسأل السؤال ده؟
إزاي ممكن يصدّق اللي بيشوفه بعينه؟
مع إنّه... نفسه يصدّق!
سيجينا بصّت له شوية، كأنّها بتدلّ على أمل، كأنّ ردّه هو...
كلمة من السما، كلمة من النار!
بس هو ما عندوش ردّ برضه.
"مش حأعرف إلا لما تموتي!"
"بجد؟" سيجينا سألت بهدوء، وطلعت تنهيدة خفيفة في الهوا.
ما فيش كلام بين الاتنين.
لما البوليس دخل، فيدانتو شاف سيجينا بتتسحب، ماسكين إيديها، ساكتة من الأول للآخر.
لغاية ورقة التحقيق.
"لازم نسأل شوية أسئلة. لو محتاجة محامي، ممكن تتصلي بـ..."
"لأ!" سيجينا رفضت بحزم، وراحت لفيدانتو، بتتكلم ببطء، كلمة كلمة، كأنّها بتقصده هو بالذات.
"قتلت ناس، خدوني!"
فيدانتو اتصدم، ووجعه قلبه بشكل مش طبيعي. مينمينج لسه بيحاول يشرح، وفهمها في لحظة!
بس عشان قال، ما يخليهاش تحسّ إنّه بيقلّل من قدرها؟
بصّ على ضهر سيجينا، وما قدرش يمسك نفسه من إنّه ينادي عليها.
"سيجينا ~"
بصّت وراها ببطء، عيونها مليانة دموع، ابتسامتها حزينة ومؤثّرة، فيها شوية تصميم من الراجل القويّ إنّه يكسر إيده.
"وداعاً يا فيدانتو!"
الابتسامة دي، النبرة دي، قلبه دقّ دقّة وحشة!
ما لحقش يفهم، بين صوت الطقات، شاف سيجينا فجأة خطفت المسدس من خصر أقرب شرطي، ورفعت المسدس وصوبته!
شوّية شرطة وقفوا فجأة، وضربوا طلقات تحذيرية.
"نزّلي المسدس!"
"ما تحاوليش تقاومي!"
سيجينا وجّهت مسدسها على فيدانتو، وبصّت له بعيون مصدومة!
"أنا بكون وحيدة لما أموت لوحدي. تعالي معايا!"
عشان تشدّ الزناد.
بانج!
المسدس ضرب، واللي وقع مش فيدانتو، دي سيجينا!
عقل فيدانتو وقف، بيتفرج على سيجينا وهي بتفكّ قبضتها وبتستند لورا على طول، وابتسامة الرضا على وشّها.
بعد سنين، لسه فاكر إنّ الشمس كانت حلوة قوي في اليوم ده، اللي خلى بشرتها بيضا وناعمة.
لما وقعت، طارت معاه شوية تراب طاير، والدم اللي اتشرشر كان اللون الوحيد في الصورة.
مش عارف مين اللي قال إنّي لو أقدر أتحوّل لشوّية تراب، حألصق في كلّ مرة عدّيت فيها، وأتمنّى إنّك تفتكر إنّ وجود ضعيف برضه نفس، هو نفس النفس المفقود!
دونج، صوت مكتوم من الجسم وهو بيقع!
الدنيا اتقلبت!
الشرطة اتجمّعت حوالين، وفيدانتو سمع الشرطي العجوز بيعلّم الشرطي الجديد اللي ضرب!
"إيه نوع المسدس اللي بتضرب بيه عشوائي؟ دي حتّى ما عندهاش ذكاء إنّها تركّب طلقة. إزاي حتقتل ناس!"
أصوات مزعجة، خطوات ملخبطة، المشهد كان فوضويّ لأبعد حدّ، بس عقل فيدانتو كان أوضح من أيّ وقت.
من تلات سنين، لما الشركتين اتعاونوا، هو قرأ معلومات سيجينا. كانت بتحبّ تلعب بالمسدّسات، وفازت بجوايز في مسابقات الرماية الهواة في المدينة. الستات بيحبّوا يلعبوا بالمسدّسات أقلّ، عشان كده هو فاكر كويس!
يعني ما بتعرفش إنّها لازم تركّب طلقة قبل ما تضرب. التفسير الوحيد هو...
هي صوبت عليه عن عمد، وخلّت الشرطة تضرب!
هي... يائسة إنّها تموت!
بس اللي خوّف قلبه زي السكينة، أشدّ من القلب زي السكينة، اتقطع!
"سيجينا!"
فتح بين الناس، ومسكها بين إيديه، مليانة دم!
بصّت لفوق بضعف، "موشنج..."
بمجرّد ما فتحت بقها، كحّت وبصقت دم.
"أنا هنا!" هو صرخ برعب.
"إسعاف!"
"تعالوا ساعدوها!" هو ما كانش عايزها تموت!
رفعت إيدها المليانة دم، ومسكت بأكمامه بصعوبة.
"أنا... كنت عايزة أسألك..."
بصّة دم تاني!
"ما تقوليش، ما تقوليش!" هو كان حزين يغطّي جرحها، بس ما قدرش يوقف الدم اللي نازل!
الدم اللي نازل على طول كان بيحرّق قلبه زي الشطة، كان بيخنقه!
وجسمها اللي بيبرد تدريجياً كان بيخلّيه يحسّ إنّه في جليد، وقلبه كان بردان!
هزّت راسها بصعوبة، وإيدها اللي ماسكة بكمّومه، بقت أصعب وأصعب.
"أنا... دلوقتي... بـ أموت، كح... بتصدّق... فيّ؟"
قلب فيدانتو ملخبط. كان يفضّل يموت وما يثقش فيها؟
سيجينا فقدت الوعي، جفونها بتنزل، بس شفايفها بتتحرّك، ولسّه بتسأله بإصرار.
تصدّق ولا لأ؟
فتح بقّه، بس زوره اتخنق، وما قدرش يقول ولا كلمة.
أخيراً استسلمت، وابتسمت باعتذار.
"أيوة... لأ، أنا... ما أقدرش أستنّى!"
مسك إيده، وأخيراً نزلها بلا قوة...