الفصل 5 فارغ
في نص الفسحة، جلست ناتاشا فيرونا بتعب في الصالة.
القلب فاضي.
ما عندها إلا إيمان واحد وبتنكر كل شي.
تبغى تتمسك، تتمسك، حتى لو ما عندها سند، بس أبوها يحتاجها.
وقف أحمد بمسافة وجاوب على التليفون بلامبالاة.
الشخصية الطويلة واللي واقفة مثل اليشم كانت قاسية جداً لدرجة إنها ما لقت أي حنان لما حضنها وصاح "صيف".
لما فكرت في حبها اللي استمر 12 سنة، أكلت الكلب في لحظة. الغضب، الكره، وعدم الرغبة كانت ممكن تكسرها من جوا.
تنهد المحامي بيأس جنبها. "ناتاشا فيرونا، في الوضع الحالي، لو ما عندنا أدلة جديدة، الدعوة راح تخسر أكيد."
انقبضت يد ناتاشا فيرونا على شكل قبضة، وأظافرها اللي ما قصتها من زمان، اخترقت الجلد وغاصت في كفها.
أحمد ما يدري متى قفل الخط وناظر لها بعيون كئيبة وقاسية.
جات ناتاشا فيرونا قشعريرة في ظهرها.
اقتربت حميدة. "تسمم من أكل ماندي جويانا سبب فشل كلوي حاد ومحتاجة زراعة كلى!"
تنكرت ناتاشا فيرونا مع مو مو ولسى مو قادرة تتخلى. "طيب؟ وش دخلني؟"
"لو غيرتي لها كلى، راح أفكر أخليك تروحين."
"ليش!" وقفت ناتاشا فيرونا فجأة، معصبة مثل الأسد المهاجم وحزينة مثل طفل عاجز.
"من أيام الإعدادي وأنا أحبك 12 سنة. في الـ 12 سنة هذي، أتمنى لو أقدر أعطي حياتي عشانك. حتى هذا ما قدر يهز قلبك البارد والوقح. مو مصدقة، هي ماندي جويانا، ممكن تخليك تحب كل شي؟ حتى تتخلى عن انتقامك الدقيق!"
واضح إنها كلمات غاضبة، قالت ناتاشا فيرونا بنبرة هادية، بين السطور، العمق والضحالة كلها ألمها!
"صحيح، هي ما تستاهل! بس مين اللي خلاها تعطيني كلى؟" طبقت حميدة شفايفها وابتسمت، مليانة سخرية.
ناتاشا فيرونا، ما قدرت تتحمل، ترنحت وكادت تطيح.
مسكت ظهر الكرسي، وغطت يدها بدون شعور على الجرح اللي حول خصرها، وانتظرت شوية وناظرت أحمد.
"... وش قلت؟" أخذ وقت طويل عشان ناتاشا فيرونا تلقى صوتها وتسأل بهدوء.
"ماندي جويانا تبرعت لي بكلى بدون تردد، فإذا كنتي مستعدة تغيرينها، راح أسوي اللي قلته وأخليك تروحين من اليوم!"
ناتاشا فيرونا مو قادرة تصدق. خصرها كان مغطى بيدها، وألمها كان فاضي.
كانت محضرة معدة ممتلئة، بس الكلام طلع ناشف وسألت، "ليش أنا؟"
"لأنكم خوات، نسبة التوافق أعلى من غيركم."
"آسفة، أرفض. أستخدم أعضائي عشان أكافئ إحسانك على اللي تحب، مين تحسب نفسك؟!" ابتسمت ناتاشا فيرونا كأنها نجحت في خدعتها. اللي قالته ما أذى أحمد ولا شوية، بس كان مثل سكين وسهم، وغاص في قلبها.
ناظر أحمد لها ببرود، ناظر بلامبالاة وحزن. "خلاص لا تلوميني."
حست ناتاشا فيرونا كأن فيه ألم في كل مكان، بس كأن فيه ألم في كل مكان.
لما رن الجوال، شبكته بتبلد.
رقم تليفون قسم العناية المركزة في المستشفى: "آنسة ناتاشا فيرونا؟ أبوك صحي قبل شوي ويبغى يشوفك. ما شفتي إن نبضات قلب الناس صارت فجأة غير طبيعية. اتخذنا إجراءات الإسعافات الأولية، بس ما قدرنا نعيدها. حتى اللحظة الأخيرة، ما نام ولا غمض عين..."
أذن ناتاشا فيرونا كانت بتزن. فتحت فمها وشهقت بقوة، بس كأنها ما استنشقت شي.
الجوال فجأة انزلق من يدها وطاح على الأرض بصوت "بانق"، وتحول لكذا بتلة.
مقارنة باليأس، أخطر إنك ما عندك أمل على الإطلاق...
ناظرت ناتاشا فيرونا حميدة، في عيونها خراب.
"تتوقع إنك تقدر تمسكني جد؟ حميدة، تمسك رجال ما عنده شي؟ بالإضافة للحياة، ما تقدر تاخذ أي شي..."
قلب أحمد القوي في الأصل، اهتز بشدة.