الفصل 29
وجهة نظر ياسمين
أديل و كلارك لسا بيركضوا في الصالة لما طلعت من غرفة ديفيس.
أنا بلهث بتعب، و انهرت على أحد الكنبات و لفيت عيني.
"أديل، وقفي توتير كلارك و خذي الدوا بسرعة" قلت.
"لا. ما بتعرفي قديش هاي الأدوية مُرّة" ردّت.
"أنا بحلف، مو مُرّة. إنتي بس…"
طنّشتهم، و أنا عقلي بيرجع لـ ثاناتوس.
لسّا ما اتصل فيني و خلاص… عيوني اتجهت لساعة الحائط.
الساعة 4 العصر؟! يمكن لازم أرجع أتصل فيه مرة تانية، يمكن أكون محظوظة هالمرة.
مديت إيدي لتليفوني و بسرعة دقيت رقمه مرة تانية، بس تنهدت بصوت عالي لما الصوت الآلي بلش يحكي.
"ياسمين، شو في؟" سألت أديل.
هي نسيت كلارك اللي عم يركض وراها، و اجت لعندي و قعدت جنبي.. و بتطالع فيني بقلق.
"ثاناتوس، رقمه لسا مش ممكن الوصول إليه" اشتكيت.
من الغضب و الإحباط، رميت تلفوني بإهمال على الطاولة.
"بتفكري صارله شي؟" سألت.
أديل هزت راسها، و هي مو موافقة على كلامي. من زاوية عيني، شفتي كلارك قعد على الكنبة.
بين إنه تعب من مطاردة أديل.
"إنتي عم تفكري زيادة عن اللزوم، يمكن بس إنه مشغول كتير ليتصل فيكي"
"متأكدة؟" حواجبي ارتفعت بعدم تأكد.
"أه.. بس اتركيه، هو رح يتصل فيكي بعدين" قالت.
ببساطة هزيت راسي، بس أنا مو راضية لسا.. لازم أعرف ليش رجع لشيكاغو.
عيوني ركزت على كلارك عند التفكير بهالشي، هن أصحاب على كل حال.. ثاناتوس أكيد حكاله عن هالشي.
"كلارك، ثاناتوس حكالك عن رحلته لشيكاغو؟"
هز راسه.
"جد؟ ما جاب سيرة عنها؟"
هز راسه مرة تانية. بصراحة، ما بعرف إذا لازم أصدّق كلارك أو لأ.. هو حكالي كذبة من قبل.. من خمس سنين.
"هو بخير، بس ارتاحي" حكالي.
هزيت راسي مرة تانية.
بكرة الإثنين و ديفيس رح يروح ع المدرسة، لازم أروح أحضر أغراضه المدرسية.. هالشي رح يساعدني أبعد تفكيري عن ثاناتوس في الوقت الحالي.
*
*
وجهة نظر الكاتب
مستشفى بيت الأمل.. شيكاغو.
السيد أوبراينس بيمشي جيئة و ذهاباً، عيونه لسا ثابتة على الأبواب و هو بيمشي.. إيديه مطوية ورا ضهره و شفايفه مطوية بتمه.
الهدوء عم يسيطر على كل مكان، إلا خطواته.
السيدة أوبراينس و هنري الإثنين قاعدين جنب بعضهم على المقعد، بينما جايد متكية على الحيط.
"بابا، لازم تقعد شوي" قالت جايد.
السيد أوبراينس هز راسه، و استمر بالمشي.. مثل ما عم يعمل من ست ساعات تقريباً.
السيدة أوبراينس و هنري بس عم يتطالعوا بالسيد أوبراينس، و بيبين إنهم زعلانين بجد.
جايد عم تطالع بالمي اللي بإيدها، و من يوم ما اشترتها السيد أوبراينس ما أخد و لا رشفة…
قفلت عيونها مع هنري، بس بسرعة أدارت نظرها لما عيونه كانت على وشك تمرير رسالة.
فجأة، الأبواب انفتحت و غريس طلعت.. السيد أوبراينس ركض لعندها.
"غريس، كيف ابني؟" سأل بقلق.
غريس شالت قناعها و الكفوف، و رمتهم بسلة مهملات قريبة.. و ممرضة أخدت السلة بسرعة.
"احكي شي، غريس" قال السيد أوبراينس.
عيون غريس اتجهت للسيدة أوبراينس، و نظرتها اشتدت و هي بتتطالع فيها بقرف.
التوتر بالجو كتير سميك، لدرجة إنه ممكن يجرح جلد أي واحد… الكره كان واضح بلمعة عين غريس.
مثل ما في حقد قديم بينهم.
قفلت عيونها و دارت بوجهها، و ركزت انتباهها على السيد أوبراينس.
"أخد كتير مجهود و إيمان من الفريق" توقفت و أخدت نفس عميق.
واحد دق غريس على كتفها، و دارت و أدركت إنه واحد من أطباء الامتياز اللي اشتغلوا معها على ثاناتوس.
"دكتورة غريس، خلصنا تنظيف المريض.. لازم ننقله لغرفة هلا؟" سأل.
غريس هزت راسها جواباً.
"أيوة، خدوه لإحدى الغرف الخاصة" ردّت.
طبيب الامتياز رجع و بعد شوي، ثلاث ممرضات دفعوا ثاناتوس على نقالة.
جايد ماّلت راسها لتشوفه، بينما هنري و أمه كانوا يطالعوا فيه.
"السيد أوبراينس، لو سمحت تعال معي لمكتبي" قالت غريس.
هي طالعت بالسيدة أوبراينس مرة تانية قبل ما تمشي، السيدة أوبراينس سخرت و أدارت نظرها.
عيون السيد أوبراينس تبعت الممرضات و هن عم يدفعوا ابنه بعيد، و عيونه حمرا.
"بابا، روح.. أنا رح أهتم فيه" قالت جايد.
هنري تقدم للأمام و هز راسه دعماً.
"أيوة، بابا. إحنا هون"
السيد أوبراينس قفل عيونه مع مرته، و مرر رسالة واضحة كتير من خلال عيونه… لا تلمسي ابني!
"بابا، أنا ابنك كمان، عم تخليني أغار" هنري ضحك لوحده على نكته البايخة.
السيد أوبراينس التفت لجايد، ابتسم لها و أخد نفس عميق.. قبل ما يتوجه لمكتب غريس.
*
*
وجهة نظر ثاناتوس
فراغ!
البرد و الهدوء و الظلام مسيطر، أنا بس بقدر أشوف كم شغلة… بس مش واضحين.
و ببين إني الوحيد هون، ما في ناس تانية.. بس أنا!
كيف انتهيت بمكان مثل هذا؟ آخر شي تذكرته كان…
استنوا، شو كنت عم بعمل؟ وين مرتي و ابني؟
"بيبي؟" ناديت، بس ما في رد.
بس صوتي عم يتردد عليي، و البرد فجأة زاد.
"بيبي؟ سامعتني؟"
لسّا ما في رد.
"ديفيس؟ بيبي؟"
كل اللي قابلني هو بس السكون، ليش أنا الوحيد هون؟ و ليش عم يصير أغمق؟
ما لازم أكون هون، ما بظن إنه هذا مكان إلي.
لا… بظن إني ضعت، لازم ألاقي طريق للخروج من هون فوراً.
شفتي نفق، في شعاع نور جاي من النهاية البعيدة كتير للنفق.
من دون تفكير كتير، ركضت باتجاهه و خبطت بحاجز.. اللي رجّعني لورا و وقعت على طيزي.
"لعنة!" همست.
كيف صار في حاجز؟ كيف رح أترك هالمكان؟ و هذا بيبين إنه الطريقة الوحيدة للخروج من هون.
ما بقدر أكون مسجون هون، بدي أكون مع عيلتي.. ياسمين و ديفيس.
"حد هون؟" صاحيت.
"حدا يطلعني من هون!"
*
*
وجهة نظر جايد
عيوني ركزت على وجهه، هاي أول مرة بشوفه و أنا مو خايبة الأمل أبداً.
خط فكه الحاد… حواجبه المقوسة بشكل مثالي… شفايفه الشاحبة و أنفه المدبب.. خلاه وسيم حتى تحت هالظروف.
عنده ضمادات بتغطي كل وجهه تقريباً، بس لسا وسيم… احكولي مين ما رح يوقع بحبه.
"تذكري اتفاقنا، كوني زوجة منيحة له و اتركي الباقي إلي.. رح يكون عندك وريث" سمعت هنري عم يحكي من ورايي.
أنا قاعدة على كنبة جنب سرير ثاناتوس، هنري و أمي واقفين ورايي.
"تمام.. بس أي شي بتعمليه، لا تأذي هالطفل البريء" قلت.
سخر.
"هالطفل مو بريء، إذا ما تخلصنا منه هلا.. رح يكون عائق لابنك بعدين" ردّ.
قتل هالطفل البريء مو شي بدي أعمله، بس الأخذ بكلامه بالاعتبار… بظن إنه صح.
"عم بعمل هالشي عشانك، شفتيي كيف استنيتي ثاناتوس على مر السنين.. ضيعتي شبابك باستنانه…"
توقف و درس تعبيري، ما بعرف شو ردة الفعل اللي عم بعطيها هلا… بس هو هز راسه بشكل مُرضي.
"… رح تتركي ابن امرأة تانية ياخد كل شي منك بالمستقبل؟"
أيوة.. استنيت ثاناتوس خمس سنين، ابني بيستحق يكون الوريث… بالنظر للسنين اللي استنيته فيها.
إذا تركنا هالطفل حي، رح ياخد مكان ابني بعدين.. الأمان أحسن من الأسف.
"جايد، إحنا كلنا عيلة على كل حال… ما بنقدر نعمل أي شي ممكن يجرحك أو ثاناتوس" أمي علقت.
كل اللي عم يحكوه منطقي، بس التخلص من هالطفل البريء هو…
مهما كان! ما بقدر أخلي ابن حرام يزق ابني بزاوية بعدين!
"بس اعملي أي شي بدك تعمليه، أنا بس بدي أكون أم الوريث"
هذا كل اللي بده إياه أبوي، هذا السبب اللي خلوني أجي لهون.. لأولد الوريث.
"لا تخافي، أنا رح أعمل كل الشغل الوسخ… كل اللي لازم تعمليه هو إنك تكوني زوجته المنيحة و الجميلة" قال هنري.
أمي اجت قدامي، مسكت إيديه و ابتسمت لي.
"إحنا مو بس عيلة، بس كمان فريق هلا… رح نكون الداعم القوي إلك بهالعيلة، بس كوني مطيعة و اعملي أي شي بنطلبه منك"
هن كتير مناح، هن جد عندهم حب لبعضهم.
"شكراً، أمي"
"على الرحب و السعة يا حبيبتي" ابتسمت.
التفتت لتطالع بثاناتوس، و أنا كمان عملت نفس الشي.
*
*
وجهة نظر الكاتب
مكتب الدكتورة غريس…
غريس توقفت عن الكتابة و سلمت بعض الأوراق للسيد أوبراينس.
هي شالت نظارتها و مسحت النظارات بلطف، و طالعت بالسيد أوبراينس و هو عم يطالع بالأوراق.
"شو يعني كل هالحكي؟ ما عم أفهم شي"
غريس نقت صوتها.
"هذا نتائج فحوصات ثاناتوس" قالت غريس.
السيد أوبراينس هز راسه، بس استنى غريس لتكمل.. بما إنه ما بيقدر يفهم اللي كتبته.
"بكرة نتائج الأشعة رح تطلع، و بعدين رح نعرف إذا رح يعاني من فقدان الذاكرة.. بس هو مستقر و خارج الخطر هلا"
السيد أوبراينس تنهد بعمق بارتياح بهالشي، و قفل عيونه و زفر ببطء.
"شكراً كتير، غريس"
"عم بعمل شغلي بس، يا سيد أوبراينس"
عبس، هاي تاني مرة عم تذكره باسم عيلته.
"غريس، ما لازم تكوني بهالاحترافية معي" قال.
"آسفة، بس لازم.. إحنا ما منرتبط ببعضنا بأي طريقة" ردّت.
السيد أوبراينس قطّب حواجبه.
"لازم تعرفي ليش حاولت قدر الإمكان أنقذ ثاناتوس، عملت هالشي لأنه ابن أخي"
بين إنه عرف لوين عم تتجه الأمور هلا، و مسك الأوراق بإيديه بقوة و عض على أسنانه.
"بتعرفي إني بكرهك و بكره مرتك اللي بتسميها!"
عيونها ضاقت و هي بتحكي هالكلام، عيونها اسودت و الغضب عم يغطي رؤيتها.
"غريس، صار سنين"
غريس سخرت.
"سنين؟! بس الجرح لسا طازة بقلوبنا!" ضربت على الطاولة.
إذا النظرات ممكن تقتل، السيد أوبراينس كان رح يكون تحت الأرض بست أقدام هلا.
"بعرف، كنت غلطان و…"
ضربت على الطاولة مرة تانية، بصوت أعلى من المرة الأولى و السيد أوبراينس انكمش لورا شوي.
"إنتي مو بس غلطانة! إنتي شريرة و سيئة.. خنتي أختي و هي عم تدفع ثمن جرائمك!"
غريس قامت، عيونها تحركت للإطار الكبير المعلق بالجهة التانية من مكتبها.
مرأة لابسة عقد نجمة ذهبية واحدة… شعرها مصفف بشكل مثالي بضفائر عرائسية… فستانها مخيط بشكل مرتب بحبات لؤلؤ صغيرة عليه.
في ابتسامة جميلة و دافئة كتير على وجهها.
بنظرة واحدة، واحد ممكن يعرف إنها امرأة غنية.. امرأة بتصدر كتير من الرقة.
إنها امرأة تستحق الحسد!
"هاي المرأة عم تدفع ثمن جرائمك.. بينما إنتي و كلبتك عم تستمتعوا بحياتكم البائسة!"
السيد أوبراينس رمش بسرعة و هو بتطالع بالصورة، بين إنه عم يمسك نفسه من إنه ينفجر بالدموع.
"أنا بأشفق على ابن أخي، هو ما قدر يشوف أمه.. لأنه ناس أشرار أحبطوا حياتها لحد ما استسلمت!"
"غريس، ماريا…"
"لا تحكي اسمها!" صاحت فيه.
"إنتي مو مؤهلة بعد" طالعت فيه.
بعدين دارت بوجهها عن الصورة، و غمضت عيونها و هي عم تحاول تبعد الدموع اللي بتهدد بالنزول.
"اتركي مكتبي!"
"غريس، بحلفلك، ما كنت…"
"قلت اترك!"
السيد أوبراينس بقي صامت للحظة، عيونه تحركت للصورة مرة تانية.. تنهد.
"ثاناتوس هو…"
"لا تخاف عليه، هو ابن أختي… أنا رح أعتني فيه"
السيد أوبراينس هز راسه، و شفط شوي هوا و طلع.
غريس رجعت لتطالع بصورة أختها، ما قدرت تمسك حالها أكتر.. انفجرت بالدموع.
التطالع بهالصورة بس بيبين إنه بيرجع هالذكريات البشعة…
ذكريات ما حدا بيتمنى يتذكرها… ذكريات الكل رح يدعوا إنها ما تكون موجودة… ذكريات بتسبب كتير من الألم.