الفصل 31
وجهة نظر ياسمين
'ياسمين، لازم تهدئي وتفكري' قالت أديل.
خطفَت شنطتي مني ورَمَتْ تليفوني على كلارك، اللي مسكه بسهولة… بصيت لها بغضب.
صادروا تليفوني، عشان يمنعوني من شراء تذكرة.
'بس سيبوني أمشي، ثاناتوس محتاجني دلوقتي' تذمرت.
هزت أديل راسها برفض، مسكت كتفي وقادتني إلى أريكة.. خلتني أقعد.
'أديل، مش عاجبني ده. أنتِ بتضيّعي وقتي هنا'
'أنا فاهمة إنك عاوزة تشوفيه، بس هل نسيتي إن عنده زوجة هناك؟'
زوجة… أيوه، زوجته المرتبة موجودة هناك.
ماذا لو استيقظ ولم يتذكرني؟ ماذا لو كان يعتقد أنه يحب زوجته المرتبة قبل الحادث؟
ارتعدت عند التفكير وهززت رأسي بالرفض.
'أهله يعرفون فقط، يحبون ويقبلون زوجته المرتبة ككنتهم…'
توقفت وسلمت شيئًا لكلارك، ثم فحصت شيئًا على هاتفها.
'...إيش راح تقولين لهم عن علاقتك بثاناتوس؟ إنك أم طفله؟'
ما رديتش، بس بصيت على الطاولة اللي قدامي.
'أنتِ ما تعرفين مين زوجته المرتبة، ماذا لو حاولت تأذيك أنت وديفيس؟'
'أنا ما راح آخذ ابني معي إلى الآن، راح أتركه تحت رعايتك'
هزت رأسها.
'حتى لو تركتيه تحت رعايتي، برضه ما راح أخليك تمشين.. أنتِ تتخذين قرارًا متسرعًا' قالت.
رن تليفون كلارك ومد يده إليه، شكله كان نص، لأنه ظل يحدق في تليفونه لفترة طويلة.
'لازم تهدئي وتفكري مرتين' أضافت أديل.
كنت عاوزة أرد، بس الباب انفتح ودخل بيتر.
'سيد إيفانز، آنسة رودجرز' حيّا كلارك وأديل بهزة رأس.
ثم التفت إليّ، انحنى قليلًا.
'السيدة أوبراينز!'
قمت ومشيت نحوه، وقفت على بعد بضع بوصات أمامه.
'وين كنت؟ ليش ما أعطيتني خبر إن ثاناتوس تعرض لحادث؟' سألت.
'كنت أتبع الأوامر يا سيدتي' أجاب.
سخرت.
'أوامر؟' هز رأسه. 'أوامر عن إيش؟'
ما تكلمش، أنزل رأسه وظل يحدق في الأرض.
'ما كنت راح أعرف عن هذا لو ما شفتي الأخبار، صح؟'
نظف كلارك حلقه ووقف.
'ما لازم تلومي بيتر كثير، ربما ثانا أمره ما يخبرك بأي حاجة…'
أعطيته نظرة قاسية جدًا وبلع كلماته، لكن فجأة بدأ يتكلم مرة ثانية.
'...ياسمين، ما أعرف إذا هذا ممكن يخليك تغيري رأيك عن الذهاب.. بس أنا أؤمن إن ثانا عنده خطة'
هز بيتر رأسه بسرعة بالموافقة.
'نعم، السيدة أوبراينز… للسيد أوبراينز خطة وسبب لرجوعه'
رفعت حاجبي.
'هل تشمل هذه الخطة حادثًا مميتًا؟' سألت.
'لا، بس أنا أؤمن إنه حتى مع هذا الحادث، خطط السيد أوبراينز ما راح تخرب.. بالأحرى راح تسهل عليه'
غمزت وبصيت له كأنه مجنون.
قامت أديل كمان، مشت نحوي ولفّت ذراعها حول كتفي.
'لازم تبقين هنا وتنتظرين عودته. هو لسه في غيبوبة، إيش راح يغير ذهابك لهناك؟'
'ممكن يحفزه عشان يستيقظ بدري' قلت.
ضحكت.
'ماذا لو نساك لما يستيقظ؟ إيش راح تسوين؟'
هززت رأسي بعنف.
'ما يقدر ينساني، هذا هو السبب اللي لازم أروح هناك عشانه. ثاناتوس يحتاجني'
بجد، ما أعرف إذا الذهاب هناك راح يعقد الأمور، بس أنا بس عاوزة أروح وأكون مع ثاناتوس.
'أنا راح أروح لشيكاغو!' قلت بالكثير من الإصرار.
'إيش راح نسوي عشان نخليك تبقين؟' سأل كلارك.
'ولا شيء، لسه ممكن أشتري تذكرتي بدون هذا التليفون.. لذا، بس سلموه' رديت.
ظلوا كلهم صامتين، كأنهم يتأملون في قراري.
بس آراءهم ما تفرق معي الحين، أنا قررت إني أروح لشيكاغو.. إذن لازم أروح، ما حد يقدر يوقفني!
وكمان، عاوزة أشوف أبوه… اللي فرض عليه زوجة. والأهم… عاوزة أشوف زوجته.
'تمام، راح نخليك تروحين بس بيتر لازم يجي معك.. من أجل حمايتك!' قال كلارك.
طيب، نص خبزة أفضل من لا شيء… هززت رأسي.
'أديل، لو سمحتِ، اعتني بديفيس لين ما أرجع.. لا تخليه يشتاق لي كثير'
أخذت يدي في يديها وهزت رأسها.
'بس كوني حذرة هناك، لا تتخذي قرارات متسرعة' نصحت وهززت رأسي بالموافقة.
سحبتني في عناق مريح، ربّتت على ظهري قليلًا قبل ما تبتعد.
'سيد إيفانز، بعض رجالي موجودين في الخارج، راح يساعدون في الحفاظ على سلامة السيد أوبراينز الصغير' قال بيتر.
دورت عيني.
بيتصرفون كأن هذا فيلم أكشن.. وهما في موقع التصوير.
جمعت أديل تليفوني من كلارك، وسلمته لي. عانقتني مرة ثانية.
'كوني بخير!'' همست.
هززت رأسي وخرجت، بيتر تبعني بسرعة وهو يسحب شنطتي معي.
'هل تعرف المستشفى اللي دخلوا فيه ثاناتوس؟'
'نعم يا سيدتي' رد ثم واصلنا في صمت.
*
*
وجهة نظر جايد
مستشفى هوم أوف هوب… شيكاغو.
أخيرًا، سحبت الدكتورة غريس إبرة الحقنة من يد ثاناتوس.
التفتت إلى ممرضتها وهمست بشيء في أذنها، هزت ممرضتها رأسها بسرعة وكتبت على دفترها.
لما خلصوا، التفتت إلى أبي.
'هو بخير، بس محتاج حد هو يعرفه كويس عشان يصاحبه.. راح يساعده يستيقظ أسرع'
هز أبي رأسه وألقى نظرة على ثاناتوس، كان قلقان بوضوح حتى بعد ما قالت الدكتورة غريس إن ثاناتوس بخير.
نظرت الدكتورة غريس حولها، ضيّقت عينيها على أمي.
'هذا المكان مزدحم جدًا وده بيأثر على تعافي ثاناتوس…'
عبّست قليلًا، وأنا أنظر حولي.. أنا كمان أعتقد إنه مزدحم شوية.. أمي، وهنري، وأبي، وأنا دائما هنا كل يوم عشان نزوره.
وهذا طبعًا مش ضروري.
'…حان الوقت عشان بعضكم يتوقف عن المجيء لزيارته. بعض الزيارات مش ضرورية!' قالت.
ليش أحس إنها تقصد أمي وهنري؟ هل في أي ضغائن بينهم؟
'هو من عائلتنا، ما تقدري تمنعينا من زيارته.. في النهاية كلنا قلقانين عليه' قالت أمي.
'أقدر أمنعكم، أنا دكتوره المعالجة وأبغى الكل برا… الحين!'
كانت الدكتورة غريس تحدق في أمي، لما قالت هذا. عيونها مظلمة وحواجبها مقطّبة، شفايفها على خطوط رفيعة.
'برنارد، هي بتطلب مننا نطلع، أليس لديّ أي حقوق أزور فيها ابني؟' سألت أمي أبي.
هذا التصريح أغضب الدكتورة غريس، قبضت قبضتها بجانبها.
'هو مش ابنك! ابن أخي مستحيل يكون ابنك!' زمجرت الدكتورة غريس.
'برنارد، هي بتصرخ عليّ' صرخت أمي لأبي.
التفت أبي ليقول شيئًا للدكتورة غريس، بس هي ما أعطته الفرصة.
'يا للأسف ماريا اضطرت للتضحية بنفسها من أجل هذا!' قالت وخرجت مسرعة.
عبّست على هنري، وأسأله بصمت إيش اللي بيصير بس هو هز رأسه… تنهدت.
نظراتي استقرت على ثاناتوس، صار له ثلاثة أيام وما زال ما يظهر أي علامة على الاستيقاظ.
ما أقدر أنتظر عشان يستيقظ ويشوفني. أتمنى ما راح يخيب أمله، أتمنى إنه راح يحبني كمان.
'أبي، راح آخذ أمي عشان نتمشى' قال هنري.
ما قال أبي أي شيء، بس مشي أقرب إلى ثاناتوس وجلس بجانب سريره.
'أمي، هيا بنا!' قال هنري لما ما حصل أي رد من أبي.
قامت أمي واتبعت هنري للخارج، أغلقوا الباب خلفهم.
تنهد أبي بعمق.
'جايد' ناداني.
'نعم يا أبي!'
عيونه ما تحركت من ثاناتوس، كان يحدق فيه بأسف عميق.. كأنه مذنب في شيء.
'ثاناتوس… ما نعرف متى راح يستيقظ' توقف.
أنا بس أنتظر منه يكمل.
'أنتِ زوجته، لازم تبقين بجانبه وتكلميه.. أعتقد إنه راح يتعافى بسرعة بمساعدتك' قال.
أنا زوجته، بس هو ما شافني قبل.. هل أنا حقًا أقدر أساعده يتعافى؟
'هل تقدري تبقين بجانبه وتصاحبيه؟' سأل.
هززت رأسي. 'نعم'
هذه مهمتي إن أبقى بجانبه في هذا الوقت الحرج.
'شكرًا' شكرني أبي. 'لازم أروح للمكتب، عندي أكوام ملفات تنتظرني'
قام، حدق في ثاناتوس بضع دقائق أخرى قبل أن يغادر الجناح.
الحين أنا وثاناتوس بس، أخذت يده في يدي وعصرتها بلطف.
'مرحبًا، ثاناتوس، أنا جايد، زوجتك…'
تركت الكلمة. ما أعرف إيش أقول له غير هذا، لأن هذا هو في الواقع أول مرة أتكلم معه.
تزوجنا خمس سنوات، بس ما في شيء نتكلم عنه… ما عندنا أي ذكريات مع بعض.
إيش لازم أكلمه عنه؟
*
*
وجهة نظر ثاناتوس
كتفي اصطدم بالحاجز مرة ثانية، بس ما زلت ما قدرت أمر… كنت أحاول أكسر هذا الحاجز بس بدون جدوى.
ما كنت أقدر أسمع الأصوات، بس ما كانت واضحة… ما أقدر أقول مين يتكلم أو إيش بالضبط بيقولون.
مع كل محاولة أقوم بها عشان أكسر هذا الحاجز، بيصير أقوى.
لكن على الرغم من إنه ظلام حولي، كنت أقدر أشوف وجهين بوضوح… وجهين فقط.
ولما أشوف هذه الوجوه، اسمين لمعوا في ذهني.
ياسمين وديفيس!
ليش أشوف وجوههم بس؟ وهل يبدو كأنهم هم الأشخاص الوحيدين اللي أقدر أتذكرهم؟
يبدو كأني حتى نسيت كيف وصلت إلى هنا، ما قدرت أتذكر إيش كنت أسوي وإيش اللي جابني هنا.
كل اللي أقدر أتذكره الحين هو، إني كنت أحاول أكسر هذا الحاجز… بس ليش ما أتذكر.
الأشخاص الوحيدون اللي أقدر أتذكرهم.. هم هذين الوجهين. الاسم الوحيد اللي أقدر أتذكره.. هو هذين الاسمين.
ليش أنا عالق هنا؟ عاوز أخرج، عاوز أقابل ياسمين وديفيس.
'مرحبًا، ثاناتوس، أنا جايد، زوجتك…' سمعت أخيرًا صوت أنثوي يتكلم.
بس مين جايد؟ مين ثاناتوس؟ هل هم أشخاص أعرفهم؟ بعدين، ليش ما أقدر أشوف وجهها؟
'هيا! جايد! وينك؟ هل تقدري تساعديني أخرج من هنا؟' سألت بصوت عالٍ، عشان تقدر تسمع.
بس ما حصلت أي رد منها، توقفت عن الكلام وعبّست.
'هيا! لسه موجودة؟'
ما في رد.
'جايد؟! هل لسه تسمعيني؟' سألت.
بس لسه ما في رد منها، تنهدت وسحبت شعري بالإحباط.
هل مستحيل أخرج من هنا؟ هل راح أموت هنا؟
أنا أشعر بالاختناق هنا! لازم أخرج وألاقي ياسمين وديفيس!
بس كيف أخرج وأنا ضايع هنا؟ لو كان فيه بس حد يساعدني!"
*
*
وجهة نظر ياسمين
بعد أربع ساعات…
'وصلنا، السيدة أوبراينز!' قال بيتر.
خرج من مقعد الراكب، لأننا ركبنا سيارة أجرة.
ما استنيت حتى يفتح لي الباب، فتحته بنفسي وركضت.
'هل أكدت جناحه؟' سألته.
كان يدفع حساب سائق الأجرة، ولما خلص، التفت إليّ.
'نعم، هو في…'
'توقف عن الكلام، بس دلّني على الطريق!' صرخت.
هز رأسه. 'اتبعيني، لو سمحتِ' قال وقاد الطريق.
بينما كنت مستعجلة عشان أوصل لثاناتوس، ما انتبهت لوين قاعدة أمشي… بالغلط اصطدمت بشخص.
'آسفة، آسفة' قلت مسرعة.
بدون ما أرفع راسي عشان أشوف مين اللي اصطدمت فيه، ركضت وراء بيتر.
رؤية ثاناتوس هي الشيء الوحيد اللي في بالي… أنا قلقانة.
*
*
وجهة نظر الكاتب
'آسفة، آسفة' تمتمت ياسمين وركضت.
ابتسم هنري وهو يشاهدها تركض وراء بيتر، هز رأسه.
أعطته أمه تعبيرًا مرتبكًا، وأشار نحو الاتجاه اللي ركضت فيه ياسمين.
'هي هنا' قال.
'مين هنا؟'
'ضيفنا اللي انتظرناه طويلًا، هي هنا عشان تخلي العرض شيّق جدًا'
قطّبت أمه حاجبيها، تفكر في كلماته لفترة قصيرة.. هزت رأسها.
بدت كأنها فهمت إيش يقصد، ثم ابتسمت هي كمان.
'إذن إيش قاعدين نسوي هنا؟ هيا نذهب ونشاهد العرض!'
'بعدك يا سيدتي!' قال هنري.
*
*
وجهة نظر ياسمين
توقف بيتر قدام باب، مسك المقبض ودفعه وفتحه.
'هذا لازم يكون جناحه، السيدة أوبراينز' قال.
أفسح لي الطريق لأدخل، هززت رأسي.
دفعت الباب على وسعه ودخلت، عيوني استقرت على السرير وشهقت بهدوء.
عيوني دمعت على طول، يدي طارت إلى فمي وخرجت شهقات صامتة.
ساقه اليمين في جبيرة، معلّقة على حبل كأنهم يسندون رجله.. رقبته ووجهه ملفوفين بالضمادات.. بشدة.
ركضت إليه، ودفعت من كان جالسًا بجانبه.. أخذت مكانهم وأمسكت بيده اليمنى في يدي.
عيوني تفحصت وجهه، في كدمات في كل مكان في وجهه.. شفايفه فيها جروح صغيرة كمان.
لو ما كنت أعرفه قبل، كنت راح أعتقد إنه عنز مقرفة.
لما شفتيه في هذه الحالة، ما قدرت أشرح المشاعر اللي تدفقت فيني.
ما قدرت أمسك دموعي، تركتها تنساب بحرية على خدي.
'ثاناتوس…' همست باسمه. '.. كـ كيف.. إيش اللي صار؟' سألت ما حد معين.
أرحت رأسي على أيدينا وبكيت.
تونا رجعنا مع بعض، توني قبلته ورجعته في حياتنا.. الحين هذا.
ليش؟ ليش لازم يصير الحين؟
'مين أنتِ!؟' صوت ذكوري صرخ خلفي.
في البداية تجاهلت الصوت، بس اللي توه تكلم مسك كتفي وسحبني بقوة.
'سألتك سؤالًا!' صرخ عليّ.
التفت بعيوني الدامعة عشان أشرح نفسي، بس التقيت بصدمة حياتي.
عيوني ورأسي كبرت على اللي قدامي.
'ياسمين؟!'
'جايد?!'