الفصل 32
من وجهة نظر ياسمين
أنا وجايد بصينا لبعضنا البعض بصدمة تامة.
ست سنين… ست سنين مرت من يوم ما شفنا بعض. ست سنين من يوم ما كلمتها آخر مرة.. ولا حتى مكالمة تليفون.
ست سنين طويلة!
بس إيه اللي بتعمله هنا؟ افتكرت إنها اتجوزت واحد غني؟
درستها، فيه ابتسامة على وشها، وكانت عايزة تتقدم.. عشان تحضن شكلها.. بس مسكت نفسها.
الابتسامة اللي على وشها اختفت فجأة، وعنيها اتنقلت ما بين ثاناتوس وأنا.. شكلها فهمت حاجة.
بس تجاهلت تعبير وشها، وشديتها بسرعة في حضن.. حضن جامد أوي.
'جايد!' صرخت بفرح.
كنت متوقعة إنها تحضني كمان، بس بعدت عني وبصت لي باستغراب.
'جايد، طولت الغيبة.. إزاي الدنيا معاكي؟' سألتها.
حاولت أمسك إيديها، بس خبتهم عني… اتكشفتي.
إيه اللي حصلها؟ ليه شكلها مش مبسوطة إنها شايفاني هنا؟ ليه بتبص لي بنظرة كأنني أسأت إليها؟
ولا يمكن تكون متفاجئة أوي بإنها شايفاني؟
'جـ.. جايد، إيه اللي بتعمليه هنا؟'
ميلت راسها، رفعت حاجبها لي وسخرت.
'أنا اللي المفروض أسأل السؤال ده، إيه اللي بتعمليه هنا؟' قالت.
نبرة صوتها بتبعت رسالة واضحة أوي، بتميز منطقة.. ضيقت عنيها.
'إيه اللي بتعمليه هنا؟ ما سبتينا عشان حبيبك الغني؟' سألت.
جايد كان صوتها عدواني شوية، كانت بتنطق الكلام بقسوة.
بصتي راحت لثاناتوس، لسه مبيتحركش.
'أنا هنا عشان ثاناتوس' قلت. 'هو حبيبي' ضفت.
'إيه؟!' صرخت بصوت عالي بصدمة كبيرة.
نقلت بصرها لثاناتوس، وبعدين رفعت إيدها وبصت على صوابعها.. خاتمها بالذات.
اتكشفتي عيني وأنا بفكر فجأة… مش معقول تكون هي مرات ثاناتوس اللي متفق عليها!
'هـ.. هل أنتي…'
'أنا مراته!' كملت كلامي.
توترت وهبت نسمة برد غريبة من جنبي، تراجعت شوية.
الراجل اللي أختي اتجوزته هو حبيبي؟ أبو ابني؟
الراجل اللي أبويا كان مرتبه لجايد هو في الحقيقة… حبيبي؟!
'إزاي ده ممكن يحصل؟' همست.
راجل… اللي شدني لفوق من شوية، كح وسأل.
'إنتوا الاتنين تعرفوا بعض؟'
هزيت راسي بسرعة، بس جايد هزت راسها.. اللي خلاني أتكشف.
'إحنا أخوات' قلت.
جايد ما قالتش أي حاجة، ببساطة بصت لي بنظرة بتقول إني قولت كده..
استني… هل هي بدأت تكرهني دلوقتي؟
'إنتو أخوات؟' سأل الراجل.
هزيت راسي. 'أيوة، هي أختي الكبيرة' رديت.
جايد حطت دراعاتها على صدرها، دارت بعيد عني وثبت بصرها على ثاناتوس.
'جايد، إيه…'
'امشي!' قالت.
'امشي؟'
ما ردتش، استمرت تبص لثاناتوس بتعبيرها الجامد.
'ليه أمشي؟' سألت.
سخرت بصوت عالي، اتجهت لي، واتحطمت بتعبيرها المميت.
'ليه تمشي؟ واضح إنك الست التانية دلوقتي، عشان كده لازم تمشي' قالت بقسوة.
'استني.. مش فاهمة. إزاي أكون الست التانية؟'
ما اتكلمتش.
'إنتِ عرفتي كويس أوي السبب اللي خلاني أمشي من البيت، كان عشان أكون معاه. ثاناتوس وأنا حبينا بعض من البداية.. حتى كان عندنا…'
'مش مهتمة بحبكم الغبي ده! هو متجوزني وأنا الست اللي في حياته دلوقتي، مش هديهولك.. امشي!'
اتكشفتي. ليه بتكلمني بكل الكره ده؟ مش إحنا أخوات؟
'جايد، هو بني آدم عنده مشاعر، مينفعش تقرري تديهولي ولا لأ…'
وقفت ودرستها.
بصراحة، مش فاهمة الكره اللي في عنيها.. إيه اللي بتفكر فيه بالظبط؟
'... غير كده، إحنا أخوات، لو عايزاني أمشي.. ممكن نتكلم بهدوء…'
'مفيش أي حاجة نتكلم فيها بهدوء'
'هاه؟'
'إحنا مش أخوات خلاص، أخوتنا خلصت في اليوم اللي اتجوزته فيه.. هو جوزي ومش هسمح لست تانية تخطفه مني!'
يا إلهي! هل هي بتناديني خاطفة أزواج دلوقتي؟
بصت في عيني مباشرة.
'ممنوع على أي عشيقة تقرب حتى سنتي من جوزي.. امشي دلوقتي!'
عيني لاحظت حركة وراها، ست في منتصف العمر بتوشوش للراجل اللي شدني لفوق من شوية.. وضحكوا.
بيتكلموا عن إيه؟ بيمثلوا بطريقة مريبة.
'مش مهتمة بعدد العشيقات اللي عند جوزي، بس مش هديهم أي فرصة يخربوا جوازي!'
اتكشفتي بعمق، متضايقة من كلامها المليان كره.
'يعني.. أنا عشيقة دلوقتي؟ في نظرك، أنا عشيقة؟'
'أيوة'
'هل نسيتي إن أنا اللي بيحبها؟ تعرفي إن عندنا ابن مع بعض؟'
'مش مهتمة!'
'لازم تهتمي، عشان ابني بيدل على إنك عشيقة.. إنتِ اللي بتقتحمي هنا'
عضت على فكها.
'إزاي تجرؤي تقولي كده؟ أنا مراتو المتجوزة قانوناً!'
هزيت راسي، إحضارها لسيرة الجواز خلاني افتكر قصة ثاناتوس.
'أيوة، إنتِ مراتو المتجوزة قانوناً، بس إنتِ مش متجوزة ثاناتوس بتاعي'
'تقصدي إيه؟'
'هل نسيتي بسرعة؟ هو ما راحش معاكي للمذبح.. كان في المكسيك بيدور عليا.. أنا!' قلت، مع التأكيد على كلمة أنا.
جايد فاتحت فمها في حالة ذهول، كلامي أسكتها شوية.
'إنتِ وثاناتوس مش جوز ومراته… إنتِ متجوزة أخوه.. مش هو!'
سخرت.
'لا، أخوه هو اللي اتجوزني باسمه.. وفضلنا متجوزين خمس سنين دلوقتي'
استني.. هل المجنونة دي أختي؟ هل دي جايد اللي كنت أعرفها؟
مش مصدقة إن جايد تكون غبية كده.. لازم دول الناس اللي حرضوها.
'إنك متجوزة باسمه مش بيخليكي متجوزاه.. اسمحي لي أسألك، من ساعة ما اتجوزتيه، هل نام معاكي تحت سقف واحد؟ هل شوفتيه؟ أو كلمتيه في التليفون؟'
ما اتكلمتش، بس فضلت بتغلي غضب.. كلامي بيخليها تغضب.
بس مش ذنبي، ما كنتش عايزة أتخانق معاها… بس هي قالت مفيش أخوة بينا.
وبناءً عليه، لازم أحارب عشان حاجتي!
'بلاش تخدعي نفسك، جايد… إزاي تقدري تسمي واحد مش شوفتيه خمس سنين جوزك؟ هل ده بيبدو عاقل في نظرك؟'
'ده مش شغلك، امشي!'
قعدت جنب ثاناتوس، مسكت إيده في إيدي وقبلته.. قربت من وشه وحضنته برفق.
'قلت امشي، هل إنتِ صماء؟!' نبحت.
'ليه ما تعمليش كده؟'
سمعت خطوات بتقرب مني، وقفت ورايا.
'آنسة، أنصحك تمشي دلوقتي.. ممكن نتكلم في الموضوع ده لما أبويا يكون هنا' قال الراجل.
دورت علشان أواجهه، درست وشه عن قرب… شوفت شوية تشابه بينه وبين الست اللي في منتصف العمر.
'أبويا؟'
نزلت إيد ثاناتوس بهدوء على جنبه وقمت، وبعدين واجهت الراجل تاني.
'لازم تكون أخو ثاناتوس الكبير.. هنري؟' سألت.
'أيوة' رد.
نقلت نظري لجايد، ابتسمت وأشرت لهنري.
'جوزك موجود هنا طول الوقت ده؟'
'إنتِ…' ما قدرتش تقول أي حاجة.
دورت تاني لهنري وابتسمت له بلطف.
'سيد هنري، من فضلك خد مراتك معاك'
كان عايز يقول حاجة، بس الباب فتح وعصر كلامه.
راجل كبير في السن وست تانية في منتصف العمر دخلوا، بصوا لي في حالة ارتباك.. لازم بيتساءلوا مين أنا.
'أبويا!' حيى هنري الراجل.
حتى ما بصش لهنري، عينيه كانت ثابتة عليا… حتى الست.
'مساء الخير، يا سيدي' حييت.
جايد قلبت عينيها، وبعدين أم هنري طبطبت على كتفها بطريقة مريحة.
'مين إنتِ؟' سألني.
وقفته شكلها قوية، تعبير وشه جامد وأي حد يشوفه هيرتعش خوفاً.. حتى هنري ظهرت عليه علامات اهتزاز.
بس مش هرتعش، ما ارتكبتش أي جريمة… أنا بس هنا عشان راجلي!
'أنا ياسمين، صديقة ثاناتوس' قلت، وأنا بمد إيدي عشان أسلم.
ببساطة بص على إيدي الممدودة، وتكشفتي عبوسه.
'رينلي؟' سأل، وبص لجايد.
'أوه.. هي أختي الكبيرة' قلت.
'إيه؟!' سأل، وحط شفايفه في خط رفيع.
عينيه تنقلت ما بين جايد وأنا، شكله بيفكر في حاجة.
'برنارد، مينفعش نخليها تقعد هنا، جايد مرات ثاناتوس وهي الوحيدة اللي بنعترف بيها' قالت أم هنري.
'مش ماشية، على حسب ما أتذكر.. جايد مرات هنري'
'إنتِ…'
السيد أوبراينز وقفها بإشارة من إيده، واجهني.
'ثاناتوس محتاجني دلوقتي ومش همشي، بغض النظر عن أي حد هيقول إيه!' قلت، ومديت إيدي عشان أسلم.
'آنسة، نخرج ونتكلم في الموضوع ده، مينفعش نزعج ثاناتوس في راحته' قال السيد أوبراينز.
هزيت راسي وقعدت، مسكت إيد ثاناتوس في إيدي واتمسكت بيها جامد…
'مش همشي غير لما حبيبي يصحى.. غير كده، مش أنا اللي بزعجه، إنتوا وعيلتكم'
عينيا فضلت على ثاناتوس وأنا بتكلم، ما بصيتش عليهم ولا مرة.
'بس… إنتِ غريبة، مش متأكدين لو إنتِ فعلاً صديقته ولا لأ'
'السيد أوبراينز، الآنسة رينلي صح، هي صديقة السيد أوبراينز وعندهم ابن مع بعض' قال بيتر.
اتفاجئت إنه ناداني آنسة رينلي المرة دي، افتكرت إن ده لأن الكل في عيلة أوبراينز هنا.
'هي…'
'السيد أوبراينز، افتكر إنك وعيلتك المفروض تطلعوا بره.. إنتوا بتزعجوا مريضي' قالت.
مع إن ما بعدتش عن ثاناتوس، بس قدرت أقول دي الدكتورة اللي بتتكلم… الست اللي دخلت مع السيد أوبراينز من شوية.
'بس إنتِ قلتي الناس اللي هو متعود عليهم لازم يقعدوا حواليه…'
'ده مش شغل حد فيكم' قاطعه الدكتور.
'تقصدي إيه؟'
'إنتو كنتوا حواليه طول التلات أيام اللي فاتت، بس مفيش أي تحسن… افتكر هو مش متعود على أي حد فيكم'
'طيب بالنسبة لي؟' سألت جايد.
اتجهت لي، بصيت عليها وشوفتها بتبص لي.
'أنا مراته، هو متعود عليا' قالت.
'لا! إنتِ كمان قضيتي وقت معاه، بس مفيش أي تحسن.. يبقى أمشي أنتي كمان'
سمعت أم هنري بتسخر بصوت عالي.
'هو ابننا وإحنا اللي بنقرر مين يقعد جنبه'
'هو مريضي وأنا اللي بقرر مين يقعد جنبه.. اطلعوا بره!' الدكتورة اتعصبت.
طيب… من كلام الدكتورة، فيه ضغائن بينهم…
زي كأنهم أعداء من زمان، ده بيخليني أتساءل ليه؟ إيه علاقتهم؟
'برنارد، هي بتعارضني' اشتكت أم هنري.
سخرت في سري، دي حتى طفلة.
'هم.. جريس هي الدكتورة هنا، هي تعرف إيه الأحسن لثاناتوس.. نمشي' قال السيد أوبراينز.
كان فيه لحظة صمت، فضلت لمدة دقيقتين.. دورت وشوفت أم هنري والدكتورة بيبصوا لبعض بغضب.
الكراهية والغضب من مسابقة النظرات دي شديدة أوي.. إيه اللي بيحصل؟
'طيب! هنسيب مستشفاك اللي ربنا نسيها' قالت أم هنري وخرجت.
السيد أوبراينز جري وراها بسرعة.
جايد وقفت بتبص لي، كانت عايزة تتخانق معايا.. بس هنري هز راسه وجرها بره.
اتنهدت ودرت تاني لثاناتوس، بس عايزاه يصحى…
معرفش أي حاجة عن عيلته، بس من اللقاء ده، أقدر أقول إن فيه حاجة غلط.. هنري وأمه كانوا ضد ثاناتوس.
السيد أوبراينز… طيب، هو أقرب لأن يكون بيادق من اللي شوفت.
'طيب… إنتِ صديقة ثاناتوس؟' سألتني الدكتورة.
هزيت راسي. انحنت وبدأت تعمل شوية فحوصات عليه.
'معرفكيش، بس أقدر أقولك إنتِ مش زيهم' قالت.
'زيهم؟'
'أيوة. هنري وأمه.. الكل في العيلة دي'
هم.. مش فاهمة إيه اللي بتقوله، بس أعرف إنها ممكن تقول إنهم ناس وحشين.
ده معناه إني لازم أكون حذرة حواليهم، بس جايد…
'أنا جريس، عمة ثاناتوس'
وقفت وتشكت نبض ثاناتوس.
'بما إنك هنا، أعتقد إنه هيصحى قريب.. بس كلميه عن حاجات كنتوا بتعملوها مع بعض.. خليه يعرف إنك هنا بتستنيه'
'أيوة، يا دكتورة'
ضربت كتفي ضربة خفيفة وضحكت.
'سميني عمة، أنا عمة حبيبك على أي حال'
ضحكت بعصبية. 'عـ.. عمة'
'ده الصح'
فيه لحظة صمت، وأنا بدأت أحقنله سائل أصفر شوية.
'بالمناسبة، عاجبني إزاي وقفتي ضدهم من شوية'
'هاه؟'
'وقفتي على رجلك وخليهم يعرفوا إنك مش لعبة' قالت.
أطلقت ضحكة عصبية تانية.
لو تعرف إن أنا خفت، جمعت كل شجاعتي عشان أواجههم.
كنت بس بحاول أكون شجاعة، كنت خايفة بجد.. تعرفي، ما اتوقعتش إني هتخانق مع أختي على راجل.
ثاناتوس أحسن له يصحى بسرعة، لإن مش متأكدة إني أقدر أكمل الخناقة دي لوحدي.
'متخافيش، معاكي أنا هنا' قالت.
'شكراً يا عمة'
جريس سحبت إبرة الحقنة من دراع ثاناتوس ورشتها في سلة المهملات.
'هسيبه في رعايتك، من فضلك صحيه' حملت حاجتها ومشت.
اتنهدت.
إني أجي هنا وأعرف إن أختي وأنا متورطين في نفس الراجل.. ماكنش ده اللي متوقعاه.
ثاناتوس… بس عايزك تصحى… بس عايزك تكون بخير وصحة تاني… بتوحشني!
*
*
من وجهة نظر الكاتب
جايد وقفت جنب عمود بره المستشفى، وشافت سلة مهملات وركلت سلة قدامها بغضب.
'ليه ما قولتيش إن أختي هي أم الولد ده؟'
سألت هنري اللي كان متسند على حيطة قريبة، كانت بتحس بغضب من إهماله إنه يقولها عن ياسمين.
'ما عرفتش إنها أختك، عرفت منها دلوقتي بس' قال هنري.
جايد ما عرفتش إيه اللي هتقوله، بس كانت بتغلي غضب.. كانت بتصك أسنانها على بعضها بغضب.
هنري رفع نفسه من الحيطة، ومشى أقرب لأذنها ووشوش.
'دلوقتي عرفنا إنها أختك، هل نفوت على ابنها؟'
'لا!' جاوبت في الحال.
هنري ابتسم على ردها، ده بالظبط اللي كان عايز يشوفه.
'مينفعش أخلي ابنها الوريث، أنا الزوجة الشرعية وابني مقدر له إنه يكون الوريث!'
'يبقي.. تقصدي، إحنا نقتل ابنها، ابن أختك؟'