الفصل 2
أخذ مني أسبوع عشان أقنعهم. شباب أغبياء عندهم أسباب أغبياء. هزيت راسي وطالعت في ساعة رولكس حقتي.
"حان وقت الذهاب," قلت لأمي ونزلت عيني عليها. أنا أطول منها بكثير، هي بس طولها 5.6 قدم، بس لابسة كعب 3 قدم خلاني أبين الأطول على الإطلاق، بس أنا طولي 5.7 قدم.
"باي يا آنسة كيكة." بستها على جبينها، أبوي كان يسميها 'كيكة' وهو عايش.
"أمي، أنا ما راح أـ" حطت يدها على فمي وهزت راسها. "لا." صوتها كان مكسور. حضنتها بقوة وحاولت أحبس دموعي.
أحس بالضيق إني راح أترك تكساس، المكان اللي تربيت فيه كإمرأة مستقلة. أحس بالضيق إني راح أترك بيتي اللي بناه أبوي عشاني، وأحس بالضيق إني راح أترك أمي لحالها.
عرضت عليها تجي معي بس هي تبي تبقى هناك مع ذكريات أبوي.
"لا تأكلين متأخر، لا تتركين أكلك." مسكت وجهي بيدينها بشغف وحنان.
تبدو كبيرة في السن، وهذا الشيء ما لاحظته قبل. ظهرت تجاعيد بشعة على جبين أمي، بس لسه هي جميلة. هي أنجزت الكثير كأم وكزوجة.
"أكيد." أعطيتها ابتسامة مطمئنة وأنا أمسك بيدينها بقوة. لو حليت هذي اللغز، راح أقدر أعرف سبب حزن موت أبوي. عشان كذا، أبي أروح الحين، ما في تفكير ثاني.
بست خدودها مرتين للمرة الأخيرة قبل ما أتصل على أصحابي عشان نمشي. كلنا استقرينا في الطيارة بعد ساعتين من إنهاء كل الإجراءات.
تدري وش؟ هذي الإجراءات ترفع ضغطي. هل هي منطقية؟ ما أعتقد. بالنسبة لي، مضيعة للوقت.
هل من الضروري أخذ ساعتين بس عشان فحص الشنط والتدقيق عليّ؟ تقريبا ضيعت 365 ساعة هنا في المطار أسوي ولا شيء بس أمشي مع إجراءاتهم.
أطلقت تنهيدة ارتياح ونظرت من النافذة؛ هذا المقعد أعطاني منظر جميل للمدينة من الجو.
أخذت صورة أبوي من شنطتي، وهمست قبلة على جبينه وقربت الإطار إلى صدري.
"أحبك يا أبي." همست.
مو سهل أتقبل حقيقة إنه مو موجود معنا، إنها حقيقة مرة يرفض قلبي يتقبلها.
"راح أجيب العدالة لوفاتك."
غمضت عيوني وغفيت في سبات هادئ.
***
"يا جماعة!! ممكن تسكتون؟ قاعدين تصدعوني." اشتكيت أول ما طلعنا من المطار.
وصلنا في الصباح الباكر في تشيناي وأكلنا بس كوب قهوة كفطور. كنا ننتظر ساعتين زيادة عشان نرجع شنطنا والشمس طلعت خلاص فوق روسنا الساعة ستة الصبح عشان نستمتع بكل طاقتنا المتبقية.
هم يتذمرون ويشتكون من الحرارة كأني أنا السبب. "ريل، ممكن تسرعين شوي، ما أقدر أنتظر حتى شوي." اشتكت ناتاشا فاليري وهي تطالع في ساعة يدها.
"اصبري شوي، راح توصل في أي وقت." لفيت عيني. هي دايما كذا درامية. كانت تتوقع رئيس المجلس يجيها للمطار وياخذها لقصره عشان تفطر كشكر.
لا تفكرون فيني خطأ، راح تعرفون عنها أكثر في الأيام الجاية.
"التاكسي وصل، يلا شدوا مؤخراتكم الكسولة من هنا." صفقتها على مؤخرتها ودخلت في مقعد الراكب.
واحد ورا الثاني، كلهم استقروا داخل السيارة وسمعت كورس من الأنفاس اللي ضحكتني من جوى، بس أخفيت وجهي كإني طبيعية عشان ما أنكشف.
قاعد أتعود على هذا الجو، بس هم، لا، مستحيل. هم زي البيبي اللي بشرته ناعمة وحساسة، حتى نفس دافىء يحرق بشرتهم.
نظرت من النافذة وأنا أعجب بمنظر مدينة تشيناي لحد ما وصلنا لوجهتنا.
"راح تسكنين هن؟" سواق التاكسي أعطاني نظرة غريبة كأني أسحب نفسي للموت طوعا.
"أيوة." أعطيته جواب سريع ودفعت الفلوس.
"ريل، على الأقل كان يقدر يرسل رجال عشان يشيلون شنطنا. ما عندي طاقة أشيل كل هذا." طالعت كولي شنطها وتنفست بصعوبة.
"بس عشر دقايق مشي من هنا. يلا استعجلوا." أسرعت أول ما تحولت الإشارة إلى أحمر، بالرغم من إنه ما يحتاج. الطريق فاضي كأنه جحيم وأنا أقدر أشوف عدد نادر من التكاسي والتكسي هو نفسه اللي نزلنا قبل دقيقة.
عبرنا الطريق ومشينا داخل الطريق الضيق اللي ممكن يستوعب شخص واحد. وقفنا في صف وتبعنا بعض، وأنا اللي كنت أقود من البداية باستخدام خرائط جوجل.
المشي للكوتج حقنا كان مؤلم جدا، خاصة سحب الشنط عبر الطريق غير الثابت. جانبي الطريق كانوا مغطيين بعشب أخضر والمباني نادرة جدا. بطريقة ما ذكرني إننا في بيت أشباح.
"أخيرا!" رموا شنطهم وأمتعتهم على الأرض وجلسوا على الدرج أول ما وصلنا للكوتج.
المكان كان مغمور بصمت تام، لا أثر لأي إنسان أو طيور أو حتى حشرة، وهذا جاب إحساس سيء في بطني، بس أخفيته في آخر رأسي.