الفصل 32
"لازم هايل هو اللي سوى هالشغلة." قال بلايك كأنها حقيقة واقعة، ولقيت نفسي أهز راسي. ايه! مين غيره عنده عداوة شخصية مع الدكتور فولتس؟
"وشفتيه." كلنا نظرنا إلى مصدر الصوت، وفمي انفتح على الآخر.
كانت إيميام واقفة وجسمها يرتعش. قبل ما أقدر أسألها وش شافت، أغمى عليها بين ذراعات راكيش. هو وكم واحد من زملائي أخذوها داخل المركز، بينما البعض الآخر جلسوا معنا.
"الممرضات كانوا صاحيين." الشخص اللي شكله مألوف لعيوني، أخبر بلايك والدكتور. ايه، شفتيه أمس في البيت الصغير لما زرنا الدكتور فولتس.
"بأجي معكم." قلت بعناد بينما هم تقدموا خطوة قدامي، متجاهلين وجودي تمامًا.
"لا." قال بلايك، ما في مجال للنقاش. "بآخذك بعدين. الحين خليك مع صديقتك. هي محتاجتك." هو على حق، إيميام محتاجتني أكثر من أي أحد. أشياء ثانية ممكن تنتظر.
"طيب، خلاص." قلت بضعف. أومأ لي برأسه إيماءة صغيرة، هو والرجل والدكتور صعدوا على الشاحنة الصغيرة. وقفت هناك لين ما اختفت الشاحنة عن نظري، ورحت باتجاه مركز الأبحاث.
ممكن تجيها كوابيس من اليوم وصاعدًا. يا رب! أرجوك أعطها شوية قوة.
*
بمجرد ما دخلت غرفة العناية اللي أدخلوا فيها إيميام، شفتي جسمها المنهك ممدد على السرير الأبيض، موصل بأجهزة مختلفة، بشرتها كانت أبهت من القمر الأبيض، وكانت تتنفس بصعوبة كأنها شاركت في ماراثون 10 كيلومترات.
الممرضة اللي كانت تهتم بإيميام ركضت باتجاه السرير وحطت قناع أكسجين حول أنفها. شوي شوي، تنفسها بدأ يرجع طبيعي، وهذا خلاني أطلع النفس الثقيل اللي كنت كتمته لفترة طويلة بدون ما أحس من يوم ما دخلت.
"وش صار؟" سألت وأنا أطالع راكيش اللي وجهه عليه مشاعر مو مفهومة، وهو يطالع إيميام وهي نص ميتة، وكنت قادر أقرا العذاب في عيونه، اللي كانت تحمل الكثير من الشوق لشفائها.
"ما أدري." همس. "وشو ما تدري؟ أنت معها ولا لا؟" صرخت عليه، بس لما شفتي عونه، ندمت إني صرخت عليه. عيونه الدامعة قالت لي إنه مهتم لأمرها.
"قضينا ليلتنا في غرفتها، ولما صحيت ما لقيتها جنبي، فرحت أدور عليها، بس سمعت صراخها من الممر، ولما وصلت عندها، كانت متجمدة في مكانها، وعيونها مركزة على شي بعيد، بس في غمضة عين سمعنا صوت حشرجة مئات الغربان اللي كانت تحوم حول منطقة معينة." تنفس بعمق قبل ما يكمل القصة.
"سحبت إيميام معي إلى المكان، ولقيت جثة رجل عجوز، وجسمه مبعثر بأشكال مختلفة، كأن حيوان مفترس أخذ انتقامه منه. كل إصبع من يده مقطوع من كفه، ومُلقى في مكان ما في الساحة. عيونه--" صوته بح، فأشرت له يسكت، لأني قدرت أخمن وش كان صاير هناك.
"تعتقد إيميام شافت الوحش ذاك؟" سألت، بس هز كتفه وقال، "ممكن." وهذا خلاني أقطب حواجبي.
"هي في حالة اكتئاب عميق، ممكن تاخذ وقت عشان تتعافى، بس ما أقدر أقول متى بتصحى." الممرضة أخبرتني وهي ترمي نظرة شفقة علي.
"م-م-معناته؟" دموع نزلت على خدي مثل الشلال. ليش هي؟ وش سوت؟
"دخلت في غيبوبة قصيرة الأجل، والمتوقع تصحى خلال أسبوع." هزيت راسي كتعبير عن الفهم، وعقلي كان يصرخ ويصيح عليها تصحى بسرعة، وهذا أعطاني ألم في مؤخرة راسي.
"ريل--" راكيش حاول يحتضني، بس جسمي طُرح على الأرض بقوة، كأن أحد دفعني من الخلف.
"هاه! بخير؟" مسك بكتفي، بس ما جاوبت على أسئلته. كنت منهكة من فقدان أفضل صديقة لي، بالرغم من إنها بس أسبوع، بس الحزن في قلبي كان نفس حزن موت أبوي.
"مو بخير... كيف تتوقعني أكون بخير وصديقتي المفضلة ممدة على السرير، بلا حياة؟" بكيت وأنا حاضنة ركبتي.
"سيدي، لو سمحت املأ النموذج." الممرضة ناولته نموذج طلب. كان متردد في البداية، بس أشرت له يروح يكمل، وترك المكان مع الممرضة بينما كنت أبكي زي البيبي.
بعد ما انغمست في أحزاني، مسحت دموعي اللي للحين كانت تنزل على خدي، ووقفت. بس لما قررت أعطيها نظرة، صوت ناعم همس باسمي، وهذا خلاني أركض في ذراعيه.
حضنته بقوة كأن حياتي تعتمد عليه، وسكبت كل دموعي في قميصه. طوال الوقت كان يربت على ظهري من فوق لتحت، وسمع كل كلامي بصبر.
"كله تمام، حبيبتي. بتصحى." حاول يقنعني، بس هذا ما وقف شهقاتي وكلامي.
"ششش.. لا تبكين. أرجوكي!! ما أقدر أشوفك بوجه دامع. أرجوكي." توسل، صوته كان بالكاد مسموع.
"أبي أقتل هايل اللعين." قلت بغضب وأنا أمسح وجهي بيدي.
"بأساعدك إذن. خلنا نشتغل مع بعض." رد على طول.
"شكرًا جزيلاً." حضنته مرة ثانية، واندسيت في صدره بعمق، بس عبوس ظهر على جبيني لما شميت ريحة دم على قميصه، أعتقد.
"وش صار؟" ابتعدت عن حضنه، عيني مركزة على صدره بس. بعدين هز راسه ووعدني يشرح بعدين لما أتغدى وأتروش.