الفصل 50
بالأخص بالنسبة للكلمات دي، "كنت وحيد لمدة تلاتة وعشرين سنة، بس ربنا بعتلي هدية في شكلِك عشان يمحو وحدتي. أنا مش لوحدي تاني. أنتِ، يا بنتي، هتفضلي معايا لغاية نهايتي، صح؟" هزيت راسي وعيني مليانة دموع.
"ممكن أعلنكوا زوج وزوجة." وقتها بجد كنت عايزة أكسر مناخيره.
أخد بلَيك إيدي الشمال ولبسني الدبلة الصغيرة، بس الأنيقة، في إيدي الشمال. "مناسبة لِك أوي. دي غالية عليا." هزيت راسي عارفة إنها بتاعة أمه، ولبست الخاتم في إيده.
"ممكن تبو--" كشرت في وشه، فقفَل بقه.
اديته بوسة صغيرة على خده، عشان ما أجرحش مشاعر فيد. صفقة عالية غطت المكان كله، والعصافير بدأت تزقزق بفرح.
"أنتِ مدام هانتر،" قال بَليْك بفخر.
"أنا." خبيت وشي في صدره، لأن هويتي الجديدة جابتلي احمرار في روحي. هاه؟! فين رييل القوية دي؟
"خلو الفرفشة بعدين. خلينا ناخد صورة." رَكيش صورني أنا وبَليْك. بعد كده، طلبت من فيد ينضم لينا في صورة جماعية، وهو وافق بفرح.
"رييل." ناداني فيد، والتردد كان واضح في صوته.
"فيد." قلت اسمه، مش متأكدة هو هيطلب إيه.
"دي لِك." حط الأسورة حوالين معصمي.
"دي-- دي--" اتكسرت في حضنه. "أنتِ الشخص الصح اللي تلبس أسورة أمي." مسح دموعي وباس جبهتي.
"شكرًا." حضنته. لمدة 25 سنة، كان بيهتم بالأسورة كأنها أمه، بالنسبة له، كانت الحاجة الوحيدة اللي فضلت له من أمه اللي كان بيستخدمها.
"ياريت تعتني بيها كويس. ممكن تبان دلوعة، بس هي نقية وبريئة." مسك فيد دراع بَليْك.
هز بَليْك رأسه وقال، "هعمل." صوته كان مكسور. فجأة حضن فيد، وده صدمني تمامًا.
واحد مغرور، ماشي بعصاية، حضن حد مش قريب منه حتى. مكنتش هصدق لو حد قالي إن هو حضن حد غريب في جوازه، بالذات إن الغريب ده عايز البنت بتاعته.
بصيت عليهم من غير ما أرمش، كإني بحلم، بس كان حقيقي، واتمنيت اللحظة تطول.
بالرغم من إن تعبير فيد كان جامد، إلا إنه مافشلش إنه ياخد بَليْك في حضنه ويديله كلمة تريح. "أنت زي أخويا." طبطب فيد على كتفه، وده خلاني مبسوطة أوي باحترامهم لبعض.
باقي اليوم عدى بسرعة، لأننا دوقنا أنواع مختلفة من الأكل اللي فكرتني بفرح جواز كبير، بالرغم من إن بتاعنا كان بسيط، بس الفضل يرجع لرَكيش اللي رتب كل حاجة وطلب مننا نعتبره هدية جوازه لينا.
أنا بجد ممتنة ليه.
رقصت مع فيد ورَكيش. بَليْك كان متضايق من حاجة، فما ضغطتش عليه يرقص معايا.
أخيرًا، فيد ودع ومشى من المكان. كنت عبارة عن كتلة دموع، بس بَليْك اتعامل معايا بهدوء بالرغم من إن عينيه كانت حمرا برضه، لأنه كان بيبكي كتير. مسكين، حتى ساعدني أنام بإنّه فرك ضهري.
بالرغم من إنها أول مرة أشارك السرير معاه، احتضانه الدافئ خلاني أحس كإني عارفة لمسته اللي كنت بستمتع بيها في أحلامي في الشهور اللي فاتت. استنشقت ريحة خشب الغابة المنعشة بتاعته، واتدفيت في صدره وغفيت في الظلام.
*
الحياة قصيرة أوي، زي شجرة هتزه الصبح، فيه ناس ممكن يرموا ابتسامة قوية في اتجاه الشمس، فيه ناس ممكن ياخدوا دش كويس عشان يبردوا جذورهم النابضة كل ما المطر ينزل، فيه ناس ممكن يعيطوا لما الريح القوية تداعب خدودهم بشدة شوية، بس هيدبلوا في المساء كأنهم ما زهروش أصلاً. والصبح اللي بعده، شجرة تانية هتحل محل الشجرة القديمة، مش عارفة إنها مش هتفضل ثابتة ليوم. في النص، دواير الحياة دي، احنا كبشر بنعيش حياتنا، بنملى قلوبنا بالغيظ، الانتقام، الغضب، الغيرة، الألم، إلخ، إلخ، حتى أنا مش قادرة أعرف هما هيحطوا إيه في طبقهم. بس حاجة واحدة أكيدة. مفيش حب بيفضل في طبقهم. وده اللي خلينا نفشل إننا نلاحظ الخسائر اللي واجهناها لغاية ما يوم يخبط على بابنا، يوم آخر نفس يخرج من الأرض، اللي مش هنقدر نرجع أي ذنب ارتكبناه في الماضي، ومش هنقدر نصلح كل أخطائنا حتى لو عايزين، لأن... فات الأوان. أيوة! فات الأوان.
مقُلتش إن الحياة قصيرة أوي؟
بس فيه ناس محظوظين من الولادة، اللي عندهم القدرة إنهم يمسكوا بالوقت ويوقفوا حاجاتهم الغريبة اللي هتكسر علاقتهم، اللي مش هيقدروا يرجعوها بأي تمن.
فيد واحد منهم.
"أنا عارف إنك صغيرة أوي على الجواز. واحد وعشرين هو السن اللي البنات بتلف فيه حوالين العالم، بس أنتِ، يا بنتي الصغيرة، ربطتي حياتك بحبيبك، عشان تثبتي نضوجك. أنا فخور بيكِ أوي، رييل. هو يستاهل إنك تحاربي عشانه." قال فيد وهو بيمسح دمعة من عيني.
"كنت زعلان، بس من ناحية تانية فرحان إني أشوفك واقفة على رجلك عشان تحمي حب حياتك. كبرتي أوي بالرغم من إنك صغيرة في السن. كأني شايلة جبل من على كتفي. أبوكي هيكون فخور بيكِ أوي لو هو--" بلع ريقه وباس جبهتي، مش قادر ينطق أي كلمة.
"أنتِ بنتي المفضلة، والفضل ده هيدوم للابد، حتى بعد ما ألاقي مراتي في المستقبل. دلوقتي بطلي عياط." قرص خدودي وعمل وش مكشر، وده نوعًا ما خفف أحزاني.