الفصل 75
'تمام، راح يجي لما يخلص شغله.' أقنعت نفسي وقررت أرجع للكُخ، وقبل ما أفتح الباب سمعت صوت الموت اللي بيخلي الواحد يقشعر، جاي من نص الغابة.
رجولي لاقوا طريقهم من غير ما أكون واعية، وقبل ما أحس بنفسي كنت واقفة على مسافة كويسة من بليك اللي كان بيبكي. كان راكع قدام الشجرة، راسه مدفون في كفوفه، وكان بيتنهد بصوت عالي.
"أمي، هي بتكرهني." شهق، وجسمه كان بيرتعش بعنف. ده المكان اللي دفنوا فيه جثتها، وعشان يفتكر أمه، زرع الشجرة واهتم بيها لحد دلوقتي.
"ما أقدرش أتظاهر إن ده ما أثرش فيا لما بتتجاهل وجودي. عايز ريل بتاعتي." مرر إيده على وشه لحد ما استقرت على فخده.
"ليه خلفتني!!" صرخ. "أنا مش مناسب للعالم ده. الكل بيكرهني!! كان المفروض تقتليني، يا أمي. أنا وحيد!!" صدى بكاه في الغابة.
"أنا جاية معاك." وقع على العشب المبلول وشهق بصعوبة.
لسبب مجهول، قلبي انقبض من الألم. العالم ده للكل، وكل كائن سعيد بحياته، ليه هو مش قادر يكون سعيد في حياته؟
'لأنك ماسكة فيه.' عقلي الداخلي رفع صوته. 'اعترفي إنك لسه بتحبيه حتى بعد ما عرفتي كل حاجة. كنتي عارفة كويس إن مالوش علاقة بيه، بس لسه بتأذي نفسك وهو كمان. هو بريء زي طفلنا.' من غير ما أقصد فركت بطني المسطحة.
مش قادرة أتخيل طفلي بيبكي من قلبه قدام قبري. يستاهل السعادة وكل الأشياء الثمينة اللي الطبيعة ممكن تقدمها لنا. مش عايزاه يحس بالوحدة. عايزاه يعيش حياة سعيدة زي بقية الناس.
"بليك؟!!" لقيت صوتي في عز الظلام. أخد ثانية عشان يرفع راسه ناحيتي. لما عينينا تقابلوا، الزمن وقف في نص الليل، نور القمر كشف عن عيونه الحمرا، خدوده الوردية، ومناخيره الوردية. العصافير بتغرد بسعادة كأنها بتستنى اللحظة دي تيجي.
"أنت مش لوحدك." بهدوء، أخدت خطوة لقدام، في الوقت اللي هو واقف فيه مش قادر يصدق عيونه.
عايزاه زي ما هو عايزني. بتمنى حبه زي ما هو بيتمناه. بحبه زي ما هو بيحبني. بعشقه من أعماق قلبي زي ما هو بيعشقني. كنت عايزة أحقق معاه قرن زي ما هو عايز يعيش معايا للأبد.
"أنت حقيقية؟" سأل تقريبًا لنفسه، وده فسر لي إنه كان بيجي هنا كل ليلة. كان بيشوف وجودي كل مرة بيبكي فيها من قلبه.
"أنا--" كتمت شهقة. "مش هتقدر تهرب مني. حياتك مربوطة بيا للأبد." مسحت الدموع السعيدة بظهر إيدي قبل ما نأخد خطوة لقدام.
كنت عايزة أحضنه بس عشان أختم روحه بيا. عشان ما يقدرش يسيبني حتى بعد ما يزهق مني وعايز يخلصني من حياته.
وقفنا على بعد بوصة تقريبًا. عينينا بتلمع بالسعادة، شفايفه انحنت لفوق وأنا ابتسمت وأنا ببص عليه.
رفع إيديه عشان يحضني؛ جهزت نفسي لعناق دافئ بس ما حصلش. بهدوء، جسمه اتحرك لورا، وقبل ما أرمش، وقع على العشب. مناخيره كانت بتنزف، كح كمية كبيرة من الدم اللي صدمتني. عيونه كانت لسه مفتوحة وبتبص في عيني مباشرة مليانة حب وكلمات مش بتتقال.
حلمنا، مستقبلنا—كل حاجة ماتت في عيونه.
"ريل!" إيد مألوفة جذبتني ناحية صدره. "ما بقاش موجود." باس مؤخرة راسي كمنطقة تهدئة. جسمي لصق في مكانه اللي كنت فيه ورفض يشتغل طبيعي.
"آسفة، كان المفروض أجي بدري عشان أنقذك." حط فكه على كتفي من ورا.
ما شافش وشي المليان دموع. ما شافش قلبي المكسور. من شوية بس كنت هقابل حب حياتي، ودلوقتي هو ميت على الأرض.
"مش محتاجة تخاف منه تاني. هو ميت." فيد لفني عشان أقابل عيونه المنصدمة اللي خلوه مش عارف حاجة.
"م-مات," تمتمت من غير وعي، والدموع بتنزل على خدودي.
ألم حاد طلع في بطني اللي خلاني أصرخ بصوت عالي، صوتي كان ممكن يوصل لبليك.
كل ما يجيلي الألم ده، بليك بيديني مشروب بيهدي الألم، وبيسيطر على الغثيان في لحظة.
بس النهاردة…
"ليه بتنزفي؟" فيد تجمد في مكانه لما اتعثرت على الأرض وأنا ماسكة بطني اللي بتوجعني.
*
الفصل الأخير ###:
"خد المشروب ده. هتحسي إنك أحسن." فيد اداني عصير التفاح اللي عمله بإيده. ترددت لحظة، بس في لحظة، فضيت الكوباية لما اداني نظرة غضب.
"لازم تاكلي لاتنين." أمي ألقت لي نظرة مشاغبة وأنا بصيت لها بصورة مرحة.
"أمي صح." إيميم وقفت في صف أمي، وهي بتلف إيدها حوالين كتفها كأنها بنتها الحقيقية.
"آه!! بنتي الصغيرة بتتضايق." أمي حاولت تقرص خدودي بس رجعت لورا.
"انتو كلكم مجانين!" هزيت راسي ورجعت أمشي في المكان اللي وقفت فيه في العد رقم خمسة عشر.
الدكتور نصحني أمشي مرتين في اليوم وقال إن ده كويس للأطفال وه يساعدني أولد طبيعي. من وقتها، بعمل الشغل ده بجدية، مش بس عشان عايزة أولد طبيعي، بس كمان عايزة صحة كويسة لأطفالي.