الفصل 22
جاب وجهه عليّ وتقرّب من ريحة جسمي اللي خلتني أغصّ من جوّا. يييي! ريحته مقرفة. متى آخر مرة أخذ فيها شاور؟
"اسمع... لا تأكلني...آآآه!" صرخت بأعلى صوتي لما انقضّ عليّ، بس حتى قبل ما يلمس خصلة من شعري، سهم حاد اخترق جسمه من الخلف، وخلّى جسمه يطيح على العشب المبلول.
"إيش اللي تسوّيه هنا؟" الصوت اللي أعرفه صرخ عليّ، بس ما كنت في وضع يسمح لي أفتح عيوني. عيوني كانت مسكرة بقوة، وجسمي كله يرتجف كأنّي على جبل إفرست.
حسّ بحالتي، يمكن قلبه لان شوي لأنّي حسّيت بيدين دافية حول كتفي، وتبعها "كلّ شي تمام."
الصوت كان مريح جدًا، ولقيت نفسي أسترخي في حضنه الدافي. "افتحي عيونك." همس بهدوء. للحظة تمنيت أفتح عيوني وأشوف وجهه. هو مو من النوع اللي يرحم أحد.
بتردّد، فتحت عيوني ونظرت في عينيه السودا اللي كانت تناظرني بعمق. "تمام؟" نظر فيّ من فوق لتحت. هزّيت راسي كجواب، ولصقت نظري على العشب وأنا أشوف الحيوان الضخم يموت قدامي.
"تعالي معي." في جزء من الثانية، مسك يدي كأنّه يملكني وجرّني لـ "الله أعلم" وين. ولفاجئتي، وقف قدّام الكوخ. يعني هو الشخص اللي عايش هنا.
من دون ما يرمي نظرة ثانية، سحبني لـ "بيته" المزعوم، وصاح بأعلى صوته، "إيش مشكلتك؟" فزّيت من صوته المفاجئ، بس هو ما راعى مشاعري أبدًا، وبدلًا من ذلك، بدأ يسبّ الشمس والقمر من قلب أعماقه.
"كم مرة لازم أحذرك من إنّك تدخلين أنفك في حياة الآخرين؟" جزّ على أسنانه، وللمرة الثانية في حياتي، شفتي عيونه تتحوّل لرمادي. غمّضت عيوني ونظرت إليه مرّة ثانية عشان أشوف عيونه رجعت للونها الطبيعي.
هاه؟ أعطيته نظرة مستغربة. هل هو مبارك بعينين ملونين ولا أنا أحلم مرّة ثانية؟
"الحين، وقفي عن التحديق فيني كأنّي ارتكبت خطيئة لا تغتفر." انفجر عليّ.
أكيد، كنت أحلم!
"أنا آسفة. شوي ضيّعت الطريق وشفتي الكوخ هنا." قلت الحقيقة.
"أوكي تمام. راح أوصلك لمكانك." بجدّية، ما في شاي للضيوف؟
أخذ القميص من الكنبة، ولاحظت إنّه كان بدون تيشرت طول الوقت. احمرّ وجهي وتجنّبت نظري إليه، ونظرت حولي في المكان.
"إيش الـ—" تكوّنت عبسة عميقة على جبيني. مجرّد صالة معيشة مبنيّة بأربع جدران، بالضبط مثل واحدة من الكبائن في مركز الأبحاث. ما فيه غرفة، ولا مطبخ، ولا حمام.
"يلاّ نمشي." وجّهني خارج "بيته" المزعوم، وجلس على البايسكل الناري. "عندك سكوتر، صح؟" سأل.
"إيه،" جاوبت، وعيني على كوخه بس. كيف عايش هنا؟
"بعدين الحقيني." شغل البايسكل الناري من دون ما يعطيني وقت أستوعب الموضوع. كيف قدر يقتل الحيوان البري اللي أكبر منه بخمس مرّات؟
السيد هنتر جدًّا صيّاد. قبعات لك يا رجل!
"راح تجين ولا لا؟" صاح بصوت عالي كافي يخرّب طبلة أذني.
"جاية!!" ركضت تجاه السكوتر، وسقت وراه لين وصلنا مركز الأبحاث. ليش وقف هنا؟ أوه... هو ما يعرف وين أسكن، صح؟
"الحين روحي لبيتك." أمر وهو يناظرني. تمنيت أضربه على خشمه الحلو وأركض بأسرع ما عندي بدلًا من ذلك، ابتسمت له ابتسامة صغيرة رغم إنّ سلوكه يزعجني. ما فيه أحد يظهر هالنوع من السلوك تجاهي.
"وقح جدًّا،" تمتمت قبل ما أشغّل السكوتر، وهو طول الوقت لزق في مكانه اللي شفتيه من خلال مرآة الرؤية الخلفية لين ما عديت الأرض، وما عندي فكرة وين بيروح بعد ما وقف هناك كأنّه وصيّ عليّ. يمكن راح لكوخه، وهذا مو شغلي على أيّ حال.
*
"أعتقد إنّك تضيّعين وقتك يا ريل. ليش ما تجين وتكملين تحقيقك من هنا؟ أتمنّى زملائك من الهند يتفهمون ويساعدون في كل شي." فيدريك كمل محاضرته.
كان يحاضرني كل يوم، وكلامه يمكن يغيّر رأيي، بس هو ما يعرف كيف أنا طفشت من سماع نفس المحاضرة كل يوم، كأنّي آكل باستا كل صباح على الفطور. إيه! الباستا هي أكلتي المفضلة، بس أكلها كل صباح مو شي أفضّله.
مو مرّة ثانية. تمنيت أقول له، بس ما فيه فايدة. ظلّ يقولي ارجعي لتكساس، وأنا ظلّيت أعطي الجواب "ما أقدر."
"فيدريك، هذا مشروعي. ما أقدر أحكم عليهم وأعطي أوامر هنا وهناك مثل ايش يسوون أو لا، أنا مو الرئيس هنا. راح يتبعون خطوتي وراح يساعدوني أعرف البؤس." حاولت أوضّح.
"على أيّ حال، ريل. راح ترجعين لتكساس بعد خمسة أشهر. تذكّرين، صح؟" هاه؟ شهر واحد خلاص عدّى.
"أوكي..." أعطيته جوابي الضعيف. "أفتقدك يا صغيرتي." قال بصوت أجش يخلّي قلبي يرتعش من جوّا.
"وأنا أفتقدك يا كبيري." ضحكت. "ما أقدر أنتظر أشوفك مرّة ثانية." لما سمعت كلامه، خدودي بدأت تحترق، وأكيد صرت مثل الطماطم. الحمد لله! هو مو هنا عشان يشوف وجهي وإلّا كنت بقفز في المحيط.
"كفى! كفى! راح أتصل فيك بعدين." قفلت التليفون وأطلقت تنهيدة راحة. إيش اللي يصير بيننا؟ ليش عندي تأثير عليه لما عنده صديقة أفضل مني بمرّتين؟ هزّيت راسي ودرت.