57
سمعت عنيسة الشخص الغريب بيرجع ووقفت، بس على طول تقريبًا اتمايلت. في ثانية واحدة كان جنبها تاني— ولابِس، لاحظت بارتياح. زقّها تاني بلطف على الكنبة.
صوته كان جاد. 'مش في حالة إنك تروحي في أي مكان.'
قبل ما عنيسة تقدر تحتج، كان بيديها كوباية فيها حوالي بوصة من سائل ذهبي غامق. بصت و قالت بنبرة خشنة، 'أنا مش بشرب.'
مدّها بيها. 'اعتبريه دوا. محتاجة حاجة، واضح إنك في حالة صدمة.'
متأخرة، لاحظت نبرة الإنجليزية في لهجته.
بإيدين بيرتعشوا شوية، أخدت الكوباية، و ارتاحت إن صوابعهم ما لمستش بعض، و كشرت مناخيرها، و أخدت رشفة، و كشرت و هي بتألم لما السائل الناري اتحرق و هو نازل في حلقها. على طول تقريبًا قدرت تحس بيه بيستقر في معدتها
و نتيجة لذلك، ضي دافي و مخدر انتشر للخارج.
حست بدل ما تشوفه و هو بيبعد، و لما قدرت تجمع الشجاعة بصت عشان تشوفه واقف على بعد كام قدم و هو حاطط دراعاته، و بيتكي بلامبالاة على الأبواب الزجاجية. البياض في قميصه ما قدرش يخفي الصدر القوي اللي تحته، و لا الطريقة اللي عضلات دراعاته بتتكتل بيها. كان بيبص عليها بتركيز و احمرّت.
عضت على شفايفها و بعدين قالت، 'أنا آسفة جدًا إني أزعجتك كده. ما كانش من حقي إني أقتحم.'
عبس بعدين، حواجبه السودا بتقرب على بعض فوق عيونه اللي بتفتن. 'إزاي دخلتي؟'
عنيسة تلعثمت شوية، كتير من رحلتها هنا كانت ضبابية. 'أعتقد من خلال مصعد خدمة، على أوضة خدمات…'
فمه اشتدّ بضيق و عنيسة فهمت إنه زعلان منها. بدأت تعتذر تاني. 'أنا آسفة جدًا— بجد، ما كانش عندي فكرة أنا رايحة فين—'
قطعها. 'مش غلطتك.'
في اللحظة دي رنّ تليفون، و عنيسة اتفزعت. قلبها بدأ يدق تاني و بصت من التليفون على الترابيزة القريبة للراجل برعب. 'أكيد بيدوروا عليّا….'
و هو بيبعد عن الأبواب الزجاجية، قال، 'هضطر أرد عليه و إلا هيبعتوا حد.'
عنيسة وقفت في اضطراب، لسه ماسكة الكوباية. 'ياريت، ما تقولهمش إني هنا. ياريت. مش مستعدة أتعامل مع… ده.'
شافت الراجل و هو بيمسك التليفون، بيرد بـ 'أيوه' حاد، و عيونه ما سبتش عيونها.
عنيسة يا دوب بتسمع صوت بيتكلم بانهيار.
أكيد بيتصلوا بكل أوضة في الفندق. قلبها انكمش. الراجل ده غريب تمامًا؛ ما عندوش أي التزام إنه يحميها. بس حتى و هي بتفكر في ده و بتخاف من الأسوأ، قطع التوهان في التليفون و قال، 'ما شوفتش حد. ياريت ما تزعجنيش تاني الليلة إلا لو مستعجل.
أنا متأكد إن المدير يقدر يتعامل مع الوضع.'
و حطّ التليفون. عيونه ما سبتش عيونها
لثانية واحدة.
ارتياح غسل عنيسة، و هو بيدوخ من شدته، حتى و هي جلدها بيقرّص، كأن حاجة ما اتقالتش لسه عدت بينهم. 'شكرًا… شكرًا جدًا، عارفة إن ما عندكش أي التزام إنك تساعدني….'
الراجل قرب منها و أخد الكوباية من قبضتها اللي لونها أبيض، حطها على الترابيزة. الغريب، إنها عرفت إنه حتى لو ما تعرفوش، حاسة بالأمان معاه. كأنها تقدر تثق فيه. و دي كانت حاجة بتنور لما لأيام بصت على كل اللي حواليها بعيون بقت صفرا فجأة.
استقام تاني على طوله اللي بيخوف. 'ممكن نتعرّف على نفسنا، عشان شكله كده مش هتروحي في أي حتة شوية. معاهم كل الحراس بيدوروا عليكي في الفندق دلوقتي. أعتقد لازم تكوني واعية إني عارف مين إنتي.'
حتى وقت قريب كانت هتتوقع الرد ده على طول، بس في حين إن الراجل ده عرف مين هي، واضح إنه مش بيخاف منها و ده ادّى عنيسة إحساس رائع. تواضع جديد و امتنان لا يوصف للملاذ ده خلّى صوتها يبقى ناعم. 'أيوه، أنا عنيسة.'
بعد لحظة طويلة مدّت إيدها، و بقت واعية متأخرة قد إيه لازم شكلها يبقى كاريكاتير مع حنة التاتو و كل المجوهرات التفصيلية، و لبس الفرح. إيدها اتغلفت في إيده الأكبر بكتير، قبضة إيده دافية و قوية و بتبعت قرصة كهربا مزعجة على طول لغاية منطقة الحوض بتاعتها. ابتسم و كان معوج، و ده خلّى عنيسة تحس بالدوار تاني. خافت بعد الليلة دي إنها مش هترجع تاني لحالتها الطبيعية.
'سيباستيان… في خدمتك، على ما يبدو.' سيباستيان أخد قرار في جزء من الثانية إنه ما يذكرش اسم عيلته، و حس إنه متعلق زي نير حول رقبته، و كان واعي لأول مرة إنه في وجود حد ما بيبانش إنه يعرف مين هو. الفكرة كانت مسكرة بغرابة.
خيط من التوتر الغير مشروع اتلوى في عنيسة عند كلماته. كأنه ممكن يكون في خدمتها بطريقة أكتر جسدية
و هو بيتفاجئ بالفكره دي، و فجأة حسّت بالارتباك من كل حاجة و حست إنها سخيفة أكتر و أكتر، قالت بتردد، 'ممكن لو سمحت أستخدم الحمام بتاعك؟'
وقف بعد لحظة طويلة، و أطلق إيدها ببطء متعمد، و هزّ راسه، بيبص عليها بتركيز لدرجة إنها حست برفرفة بتجري على طول عمودها الفقري. ولا راجل بص عليها كده بشكل صريح. أشار إلى ظهر البنتهاوس. 'بالتأكيد، هو بس هناك.'
عنيسة مشيت على رجلين بتتهزّ و لقت الحمام، بتنزلق جوة و بتقفل الباب. كان فيه راحة إنها تكون بعيدة عن الفناء ده و الضغط الشديد، و راحة إنها تكون بعيدة عن وجود سيباستيان المزعج. في الوقت ده بالظبط افتكرت إزاي كانت ذكريات عينيه هي اللي عملت كعامل مساعد عشان تخليها تهرب من الحفلة.
و دلوقتي هي هنا، في الجناح بتاعه. و هو بيحميها من الحشود.
ارتجفت شوية. كانت شخصية عملية، مش بتعمل حاجات خيالية، بس فجأة حسّت إن الوصول هنا كتير بالصدفة. على طول الاستجابة الجسدية الغريزية دي غزت جسمها بطريقة ما حصلتش قبل كده.
حتى في المساء المشئوم اللي راحت فيه على أوضة جمال عشان تغويه بطريقتها الساذجة المستحيلة، ما حستش بأي ترقب جسدي، و لسه في مساحة الدقايق اللي فاتت بقت واعية بنفسها و راجل تاني أكتر من أي وقت في حياتها كلها. كان بيطمس الأحداث الكارثية الأخيرة بسرعة.
زقّت بعيد عن الباب و راحت وقفت قصاد المراية؛ ضي ناعم نور أوتوماتيكي بمجرد إنها فتحت باب الحمام. اتنهدت بعمق.
إيمتى بقت متعودة على، أو متوقعة، رفاهيات تافهة زي دي؟
بصت على وشها اللي عليه مكياج تقيل و بسرعة عايزة تحس إنها نضيفة تاني. كأنها تقدر تتخلص من شخصية عنيسة عدني، حبيبة بوليوود. أطلقت
المشبك اللي ماسك الجوهرة اللي قاعدة في نص جبينها و حطته بحرص و بمية دافية في الحوض انحنت و رشت على وشها.
بعد كام دقيقة، قدرت تشوف إن ده هياخد أكتر من مية عشان تمسح كل ده. إحساس بالعبث غسلها و ألم، عشان تعرف الاضطراب اللي أكيد بتسببه جوة عيلتها. جمال ما كانتش قلقانة عليه زيادة عن اللزوم؛ هينجو، و خصوصًا دلوقتي إنها عرفت إنه شافها بس على إنها قطعة شطرنج استراتيجية.
بس أهلها… كانوا يستاهلوا أحسن. تقدر تتخيل خيبة الأمل و الإهانة على وشوشهم دلوقتي. بيحبوها أوي، و في حين إنها تعرف إنهم فخورين بنجاحها، عارفة إنهم هيكونوا فخورين بنفس القدر لو بقت ربة بيت و جابت بيبيز. كانوا دايما بيقبلوها من غير شروط و دي الطريقة اللي بتجازيهم بيها….
العاطفة اشتعلت؛ عنيسة ما قدرتش توقف الشهقات اللي بتجرح الأحشاء إنها تطلع لفوق. ما فقدتش السيطرة بجد لسه، و الضغط بتاع إنها تتماسك تقريبا وقعها دلوقتي. سحبت الأساور اللي في دراعها و الخواتم اللي في صوابعها، مش مهتمة بالألم و هي بتمزقهم، و بتوقعهم على الكونتر. بإيدين بيرتعشوا، فكت العقدة اللي حوالين رقبتها و هي، كمان، وقعت تحت وزنها التقيل.
بتبكي دلوقتي بجدية، و مع إحساس باليأس الداخلي بيزيد و غضب على نفسها مرة تانية لأنها كانت غبية و أنانية، حاولت بدون فاعلية تمسح حنة التاتو من دراعها و إيديها، و هي عارفة إن كل المسح في العالم مش هيمسحها، بس مرور الوقت.
في اللحظة دي خبط على الباب، و صوت سيباستيان بيقول، 'عنيسة، إنتي كويسة جوه؟'
ما قدرتش ترد؛ الدموع كانت بتنزل على وشها دلوقتي، بتلطخه بالمسكرة. صدرها ارتفع و هبط بشهقات متقطعة و سقطت على الحوض بالظبط لما سيباستيان فتح الباب، و أخد نظرة واحدة و دخل.