77
ضَاقت عيونها. 'وش هالكلام يعني؟'
نظر بعيدًا وشَخَص، يَلْعَن نفسه لأنه بَيَّن إن هالشيء مُزعِج له بأي شكل. 'دائمًا قُلتي إنك تبين تروحين البيت.'
حَسّ بنظرتها اللي تخرق وتوتر. تَنَهّدت. 'صح، قُلْت. وأعتقد إن الوقت المناسب للرحيل هو قبل ما أتحول إلى صورة كاريكاتورية كاملة لـ نوع ما من الحبيبة الغيورة.'
صَدمته أمانتها. تعود على إن النساء يكنّ غامضات، وغير مباشرة.
قبل ما يُمْكن يركز على أهمية هذا، وَقَفت وقالت بِحِيوية، 'أنت وضّحت جدًا وش بيصير هنا. وش اللي تبيه. لذا ما أشوف في فائدة من إطالة بقائي. الأمور مفروض تكون هَدَت في البيت، وأنا لازم أستعد للمولود اللي بيجي.'
'هذا—' صَوتها فجأة صار أكثر ترددًا '—إلا إذا تغيرت الأمور بالنسبة لك...؟'
نظر سيباستيان إليها. الشمس كانت وراها وكل اللي يقدر يشوفه هو صورتها الظلية اللي محطمة. كان لازم إنها تشير إلى حقيقة إنه تحول إلى مُقِرّ عواطف إنساني ماشي على رجوله حولها. هل كانت تسأله إذا كان يريدها أن تبقى لأنه يمكن يحتاجها؟ هل كانت تشعر بالشفقة عليه؟ هل كانت تشعر بإحساس بالمسؤولية عشان تبقى لأنه يمكن يكون اعتمد عليها؟ كل شيء بداخله رَفَض هذا.
وقف هو أيضًا، في حركة مفاجئة وقال بحدة، 'لا. ليش بتتغير أي حاجة؟' طلع جواله واتصل عشان يجيب سيارته.
لما كانوا في السيارة، حاولت عنيسة ما تخلي سيباستيان يشوف كيف كانت ترجف. كلّفها وايد إنها تسأله إذا تغيرت الأمور. حبست نفسها، وهي تأمل ضد الأمل إن الأيام القليلة الماضية وكل اكتشافاتهم يمكن تكون فتحت علاقة حميمة جديدة. ما كانت تبغى تعترف إنها غيورة، بس من الواضح إنه بس شافها كغيرة جنسية، مو النوع العاطفي اللي يسبّب التآكل لما تحب شخصًا.
نظر إليها وهي تصلي إن عيونها ما تكون
تفضَحها لما حَسّت إنها تبي تبكي. شَدَّت على نفسها. 'بجي معك للهند، أكيد. لازم أقابل
عائلتك. وأتابع الأعمال في الفندق.'
بطريقة ما طلعت عنيسة، 'تكفى، لا تحس إنك لازم. بيكونون سعيدين جدًا إنهم يقابلوك لما يولد البيبي. صدقني، تجاوزوا الصدمة واليأس في هالمرحلة.'
'على أي حال، بجي.'
عَضّت عنيسة على شفتيها بقوة لدرجة إنها حَسّت بالدم. هذا هو. اتّحددت الخطوط. انتهت العلاقة. وعرفت إنه بالذهاب للهند الحين بتكون النهاية. لأنه بيرجع لأوروبا وهي ما بترجع. لأنه ما بيكون عندها سبب.
في اليوم التالي، جلس سيباستيان في مكتبه. كان عنده أي عدد من الأشياء اللي تطالب باهتمامه، كومة حقيقية من الأوراق اللي لازم توقع. بس كان مشتت. الليلة الماضية، ما نام مع عنيسة. كانت كلها صامتة تقريبًا عند عودتهم من غرانج وقالت له تصبح على خير بإشارات مُحدَّدة بعدم اللمس.
ومع ذلك، وش كان يتوقع؟ كانت رايحة البيت. كان بيمشي مع حياته. ما بيكون من العدل إنه يستمر بالنوم معها، لما من الواضح إنها ما تبيه.
توّه خلص المكالمة مع يعقوب، اللي كان يقول له بعض من خططه لـ وولف مانور، وبشكل غريب حَسّ سيباستيان بكمية من السلام. واللي ما توقعها أبدًا. كان كأنه ثِقَل كبير انْشال عن كتفه وصدره. دائمًا حَسّ بالثقل لما فكر في عائلته، خصوصًا يعقوب، بس لما شافهم في الزواج، أدرك إنهم أيضًا، كان عندهم انشغالاتهم، شياطينهم. فعلًا ما كانوا مختلفين بالقدر اللي كان يتخيله دائمًا.
فكر في الزواج... كان راحة كبيرة إنه يروح فوق ويلقى عنيسة في سريره... حتى بس إنه يعرف إنها كانت هناك—وقف سيباستيان بسرعة كاستجابة لتلك الفكرة اللي جت بدون ما يدّعي إن كرسيّه رجع للخلف على الأرض. سمع مساعدته تسأل بتَردُّد من خلال الإنتركوم، 'كل شيء تمام، يا سيّد وولف؟'
ابتسم بمرارة. 'تمام، ميريديث. تمام.' عدّل الكرسي وارتجفت يده قليلًا.
ما كان كل شيء تمام. الذعر سيطر على أمعائه؛ كل شيء بداخله رَفَض الاتجاه اللي كانت ماشية فيه أفكاره. آخر شخص اعتمد عليه كان يعقوب، ولما اختفى يعقوب، جزء أساسي من سيباستيان دُمِّر. وجزء كبير من ثقته وإيمانه بالبشرية مات أيضًا.
الاعتماد على أي شخص كان شيء مُحرّم عنده ومع ذلك بطريقة ما تغلغلت عنيسة في ذاك الجزء السري العميق منه واللي كان قد تعهد إنه بيكون دائمًا غير قابل للاختراق.
وما زال، طَمْأَن نفسه.
كان يفقد وجهة نظره. بيروح للهند مع عنيسة، ويقابل عائلتها ويمشي بعيدًا. هي تعرف النتيجة؛ على الأقل هي والبيبي بيتوفّر لهم.
قال لنفسه إنه بيكون سعيدًا، مرتاحًا، إنه يشوفها من بعيد، على الأقل لفترة. شافته في أضعف حالاته مرات كثيرة لدرجة إنه حتى ما يقدر يفكر الحين. ما يحتاج هذا، ما طلب هذا أبدًا. وما يحبه. كان هذا هو السبب اللي خلاه يحافظ على علاقاته غير شخصية، بس من اليوم الأول جت عنيسة إليه كجرّافة عاطفية... واستمرت تجيه.
فجأة حَسّ بالحاجة إنه يروح للهند في ذاك اليوم، ومو بكرة، وكان لازم يسيطر على الدافع اللي فيه ذعر قليلًا. قال لنفسه إنه بيبقى في فندق مومباي جراند وولف، وبيحدّ من وقته مع عائلتها قدر الإمكان. وبعدين يخرج، ويكمل حياته...
سيباستيان ما يقدر يكون يوضح أكتر إنه خلاص انتهى من علاقتهم والحين كل شيء عن البيبي، ومقابلة عائلتها وتركها في الهند. في كل مرة حَسّت إنها تبي تبكي، لَعَنَت عنيسة نفسها—كانت تعرف بالضبط وش تتوقع طوال الوقت، من اللحظة اللي اتخذت فيها قرارًا ماسوشيًا بالبقاء في إنجلترا.
كانوا في كابينة الدرجة الأولى في رحلة تجارية، ورغم إن سيباستيان كان جنبها، كان ممكن يكون على بعد مليون ميل. كان فظًا إلى درجة الوقاحة معها في اليومين الماضيين، ما حاول أبدًا إنه يجي لسريرها وكان منغمس تمامًا في لابتوبه—كأنه يملك كل أسرار الحياة نفسها.
تساءلت عنيسة بهستيريا قليلًا لو فتحت باب الطوارئ وقفزت، هل كان بيلحظ؟ بدلًا من هذا، استلقت على مقعدها وسحبت بطانية عليها وحاولت تنام.
لما تَلَوّت عنيسة على شكل كرة في مقعدها وهي مواجهة بعيدًا عنه، أخيرًا نظر سيباستيان وتنَهّد بعمق. شعرها الأسود الطويل كان مفرودًا، يخليه يبي يدخل أصابعه خلال نعومته. انحناءة مؤخرتها تحت البطانية كانت إغراء إنه يريح يده هناك، يداعب الخط المغري. ورائحتها كانت تذكرة مستمرة لجاذبيتها الفطرية اللي تناديه كمنارة توجيه.
انقبضت يداه على شكل قبضة وهو يحاول يسيطر على اندفاعاته حولها. وضع رأسه للخلف وأغمض عينيه وتساءل إذا كان بيحس إنه طبيعي مرة ثانية.
ابتسم بمرارة—طبيعي بالنسبة له على أي حال. منع نفسه بشدة من الصور اللي دارت في ذهنه كلقطات من فيلم عن الحياة اللي كان يعيشها دائمًا. حاول أيضًا إنه ما يتذكر الطريقة اللي بها مدبرة منزله اللي ما تنفعش، واللي هادية وبرودة كالثلج، دانيال، كانت في حالة لا يمكن مواساتها تقريبًا وهي تقول وداعًا لـ عنيسة، مما جعل عيونها البنية الكبيرة تمتلئ بالدموع أيضًا. حَسّ سيباستيان إنه في منتهى الرداءة، لما كانت هي اللي تبي تروح البيت!
بس لازم يتحمل يومين وبعدين
بيعتذر وبيروح البيت.
لارتياح عنيسة، الصحافة في مومباي ما عرفت عن عودتها لذا وصلوا تحت الرادار. حَسّت إنها هشة الحين لدرجة إنها ما قدرت تتعامل مع تدخل الإعلام مع احتمال مغادرة سيباستيان في بضعة أيام. ما قال كم بيبقى بس تقدر تتخيل إنه بالفعل يحكّ عشان يرجع.
مومباي استقبلتهم بكل مجدها الحار والدخاني، الفوضوي. أبواق تصفر، مرور ضيّق يتجنب الأبقار المقدسة والدراجات النارية الصغيرة تمر وهي تحمل عائلات بأكملها بنظرات هادئة على وجوههم. بيبي جميل بعيون كحل سوداء ابتسم لأمه في عربة ركشه.
'أنت فعلًا تحبين هنا، صح؟' سأل سيباستيان من الجهة الثانية من السيارة. أومأت عنيسة. ما قدرت تناظره، حَسّت إنها عاطفية جدًا. لذا بس قالت، 'هذا بيتي.' بس عرفت إنه بالقدر اللي تحب فيه مومباي، في اللحظة اللي بيغادر فيها سيباستيان، بتكون مسطحة وفارغة. بيتها كان وين ما هو الحين، وما بتكون هي نفسها أبدًا. في تلك اللحظة كرهته لأنه سوّا فيها هذا.
سأل بعدين بقليل من الخشونة، 'لازم تقولين لي شوي عن عائلتك...'
نار مفاجئة بداخلها جعلتها تواجهه ولأول مرة تركت حارسها يزِل. 'وش الفايدة؟ متأكد إنك بس نحت الوقت الأقل المطلوب عشان تقابلهم عشان تكون مهذبًا وتأكدت إن عندك وقت كافٍ لاجتماعات العمل.'
احمرّت عنيسة. حَسّت على طول بالندم والخوف إنها بتخمن من وين نشأ اضطرابها قالت عنيسة، 'انسَ اللي قلته. أنت ما تستاهل هذا….'
نظرت بعيدًا للحظة وبعدين رجعت، وحاولت ابتسامة رغم إنها حَسّت إنها مُجبرة. بتردد بدأت تحكي له عن وجدتها المحبوبة العنيدة اللي كانت على ما يبدو تتشبث بالحياة العزيزة عشان تشوف حفيدها الأول يولد وما كان عندها ولا كلمة حكم عن
حالة عنيسة غير المقبولة إلى حد ما كأم عزباء.
حكت له عن أختها الجميلة الصغيرة اللي كانت عازمة على إنها تصير نجمة مثل عنيسة على الرغم من الفضيحة مثل ما أعلنت على عنيسة بهدوء على الهاتف. وعن أخوها الصغير اللي وزنه زايد واللي كان عازمًا على إن يكون طباخًا، لكآبة والده الشديدة؛ كان يبغيه بس يحب الكريكت ويكون لاعب كريكت مشهور.
بحلول الوقت اللي تلاشى فيه صوتها كانت تبتسم بحب بصدق، غير واعية لشدة وجه سيباستيان.
'أنت تحبينهم وايد.'
نظرت إليه وحاولت ما تخلي حدة عينيه الزرقاء تشتت انتباهها. 'صح. أحبهم... بس لفترة طويلة أخذتهم كأمر مسلّم به. أنا محظوظة إنهم حبوني بدون شروط.'
في ذيك اللحظة نظرت من سيباستيان من النافذة وقالت بحماس، 'وصلنا!'
حَسّ سيباستيان بإحساس غير معتاد من الخوف من الأماكن الضيقة والتردد يزح على جلده. لما توقفت السيارة في ممر أنيق شاف بيتًا كبيرًا يظهر، ووقف في الخارج حفل ترحيب حقيقي.
قفزت عنيسة وفجأة نسخة أصغر وأصغر منها بشعر أسود انطلقت على عنيسة بصراخ—أختها الصغيرة. أخوها الصغير اللي بالفعل وزنه زايد كان أكثر برودًا بس يقدر الواحد يشوف إنه أيضًا، حب أخته، يضمها بضيق مراهقة نموذجي.
وبعدين أهلها... العاطفة على وجوههم تقريبًا خلت سيباستيان يبي يرجع للسيارة ويسوق بعيدًا، بعيدًا.
ما شاف أبدًا هذا القدر من الحب والمودة اللي يشع من أي أحد. وهذا هو ابنته التي أُخزيت؟
كانت عنيسة واعية إن سيباستيان يتراجع وكانت أيضًا واعية إنه يبدو شاحبًا قليلًا. تقدر تتخيل جيدًا إن هذا ما كان سيناريو معتاد عليه.
التفتت إليه بعد ما ضَمّت أهلها وأخذته بيده. ضغطت عليها بلطف، قالت له بصمت، بس امشِ مع الموضوع، مثل ما سوّا معها لما شافوا أمه. أخذته لأهلها. 'أبي، أمي، ودي أعرفكم على سيباستيان وولف.'