70
ردّ دانيال، 'هي اتصلت تسألني كيف توصل لـ بريك لين—قالت إنها قرأت عنها في كتاب—فأعطيتها الاتجاهات….'
سيباستيان ما سمعش أي حاجة تانية من اللي قاله دانيال. افتكر رد فعل حارس الأمن بتاعه اللي كان مذهول لما شاف عنيسة وقابلها في اليوم الأول. كانت واحدة من أكبر نجوم بوليوود، وكانت رايحة لواحدة من أكتر المراكز ازدحامًا للحياة الأنجلو-هندية في لندن.
الخوف الحقيقي بدأ يخلي اللي جواه زي الزبدة لما قفل السماعة بقوة وصاح على مساعده الشخصي يجيب عربيته. وسيباستيان قلبه بيدق بسرعة، لعن حقيقة إنه حتى ما فكرش يجيب لعنيسة موبايل إنجليزي، وصلى إن اليوم ده بالذات تكون لابسة قبعة بيسبول ونظارات شمسية.
عنيسة كانت نزلت من المترو وكانت بتمشي في الشارع الرئيسي بتاع بيثنال جرين، بتدور على بريك لين، وبتبص بسعادة على الأكشاك، وبتستمتع بالجو وبتحب الحيوية الملونة للمنطقة. شافت محل دي في دي عليه بوستر لواحد من أفلامها على الباب.
حتى مجرد إنها تسمع لغتها الأم بتتكلم، كان بيخليها تبتسم. هنأت نفسها على إنها جت هنا، وفجأة ست معدية مسكت دراعها وقالت بدهشة، 'عنيسة عدني؟'
عنيسة اتخضت للحظة. كانت خلاص هتبدأ تنسى إن الناس ممكن يعرفوها. شغلت ابتسامة، والست دي بقت بتصرخ بفرحة لبعض صحباتها عشان يجوا. في ثواني، اتكونت مجموعة صغيرة، وعنيسة كانت بتتصور مع مجموعة الستات.
ناس أكتر وأكتر بدأت تتجمع لما لاحظوا اللمة وشافوا مين دي. ما كانوش مصدقين إن نجمة وليوود حقيقية موجودة وسطهم. عنيسة بدأت تتزاحم وهي بتحاول تعدي، والجداد كانوا عايزين صور وتوقيع منها. بس لما اضربت تقريبًا، حسّت بالخوف الحقيقي الأول
وبصت لفوق ما لقتش حاجة غير بحر واسع من الوجوه حواليها.
الزحمة بتاعة الناس اتسجلت بعدها، ومتأخر، بدأت تحاول ترجع، وهي بتبتسم باعتذار. ما عمرهاش اتعاملت مع حاجة زي دي قبل كده، لأن في مومباي كانوا دايما محاطين بفرق الأمن. بس دلوقتي كانت على بعد آلاف الأميال من مومباي، ومحاطة بمجموعة متزايدة من الغرباء تمامًا.
وبعدين المود بدأ يتغير. ست عجوز زقت نفسها لقدام وبصقت على رجلين عنيسة، وطلعت إهانة خلت عنيسة تحمر. واضح إن خبر حمل عنيسة انتشر في إنجلترا من الصحف الصفراء في مومباي.
وبعدين ست تانية ظهرت وبدأت تمسك شعر عنيسة كأنها بتحاول تشده. عنيسة حسّت برعب حقيقي، وخافت إنها والبيبي يتأذوا.
حطت إيدها الحامية على بطنها. ما كانتش شايفه حاجة غير الزحمة، وعرفت إنها لو ما هربتش بسرعة هتنبلع تمامًا. وهي بتفكر في كده، الزحمة زادت حدة، والناس بدأت تتخانق مع بعض، بيدافعوا عنها وبيهاجموها بنفس القدر.
بصرخة بلا فايدة بتخنقها في زورها، حاولت تبص حواليها عشان تدور على مخرج، وما قدرتش إلا إنها ترمش بغباء لما شافت عربية بتصرخ وهي بتوقف على جنب الطريق، والشخصية الطويلة اللي وشها جاد بتاع سيباستيان بيطلع من ورا. شق طريقه وسط الزحمة بنية واضحة. لما وصل عندها، شالها بسهولة في دراعيه، حيث تمسكت في رقبته واتجعدت على صدره بأقصى ما يمكنها. وده كان بس في اللحظة دي، وهي حاسة بجسمه القوي تحتها، إنها صدقت إنه حقيقي، والإغاثة غمرتها.
بحلول الوقت اللي وصلوا فيه لعربيته، وكانوا بأمان جواه، وهي لسه متجعدة على رجله وبترتعش بعنف. سيباستيان طلع كلمات مهدئة وربت على ضهرها كأنها طفلة، وأخيرًا هديت بما يكفي إنها تبص لفوق وتتهته وتقول، 'إزاي … إزاي عرفت؟'
مال راسه لورا عشان يقدر يبص عليها و
شال شوية من شعرها من ورا ودنها. 'دانيال قال لي.' فكه اتشد، وده كان بس ساعتها إن عنيسة سجلت التوتر الشديد في جسمه. 'والحمد لله إنك قولتي له رايحة فين. شفتي الزحمة قبل ما نوصل لـ بريك لين.'
عنيسة هزت راسها. 'حتى ما وصلتش هناك. ما كانش عندي فكرة—ما فكرتش لحظة إن حاجة زي دي ممكن تحصل.' بدأت ترتعش تاني وهي بتتذكر الطريقة اللي بيها الزحمة ظهرت في دقايق واتجمعت حواليها. وبعدين وش الست دي اتلوى بغضب.
ارتعشت. 'في الأول كانوا كويسين، بس بعدين ست عجوز بدأت تقول أكتر الحاجات المقرفة عني وعن البيبي بتاعي.' الدموع هدّدت وسيباستيان باسها، وحط إيده على بطنها، لمسها هناك لأول مرة بقصد.
'هما مجتمع تقليدي. بصي إزاي اضطريتي تسيب مومباي. أي حد بيهدد تقاليدهم بيهددهم، والمغتربين هيتشبثوا بالعالم ده أكتر.'
عنيسة هزت راسها، وهي بتعض على شفتيها، بتحاول تستعيد السيطرة، بس إيده على بطنها كانت بتخليها تحس أسوأ. حسّت كأنها طول الوقت بتعيط على سيباستيان. 'أنا عارفة … بس كانت بس صدمة إن أشوفه قريب كده….'
وبعدين إيد سيباستيان اتشدت على بطنها وقال بحدة، 'وده البيبي بتاعي كمان. بيبينا.'
عنيسة بصت عليه ولاحظت كمان لأول مرة إزاي كان شاحب. هز راسه دلوقتي. 'لما شوفتك في وسط العيال دي…' ما قدرش يكمل. 'أنا آسف إني ما جيتش للدكتور معاكي النهارده. ما كانش المفروض إني أخليكي تروحي لوحدك. مش هسمح بده يحصل تاني.'
دموع أكتر غبية هدّدت. 'كان كويس، بجد … أنا ما يفرقش معايا. أنا عارفة إن مش سهل عليكي تتقبل ده.'
كان جاد. 'مع ذلك، أنا هاجي المرة الجاية.' عنيسة أخيرًا رخت قبضتها المميتة من حوالين
رقبة سيباستيان، وتحرك شوية تحتها عشان تقع في حضنه أكتر. احمرت من الحميمية. راحت تتحرك من على رجله، بس هو رجعها بزمجرة. 'خليكي مكانك. مش هتروحي أي مكان تاني لوحدك تاني من غير فريق من الحرس الشخصي.' حسّت بيه بياخد نفس عميق قبل ما يقول، 'أنا عارف إني بتجنب حاجات كتير، خاصة حوالين البيبي، وهأكون موجود أكتر من دلوقتي.'
ما قدرتش توقف مد الحنان المتزايد لأنها شافت حاجة سهلة التمزق في عينيه الزرقا، اللي عارفة إنه هيكره إنها تشوفها، بس مداعبت فكه وقالت بهدوء، 'شكرًا.'
وضغطت قبلة على فمه، ووقعت بضعف لما لسانه بحث عن لسانها وأشعل نار رغبتهم الجامحة.
لباقي اليوم سيباستيان عامل عنيسة كأنها مصنوعة من عضم صيني، لدرجة إنها اضطرت تكبت غيظها لما أصر إنه يشيلها من طاولة الأكل لغرفة النوم بعد العشا. كان سيء بما فيه الكفاية إنها تتعامل مع هزة دانيال المسؤولة طوال المساء أيضًا. الراجل كان مش طايق نفسه إنه يعرف إنه سمح لعنيسة تمشي لوحدها في خطر أكيد، وما فيش حاجة ممكن تقولها كانت هتخليه يحس أفضل.
بس دلوقتي كل ضيقها ذاب لما
سيباستيان حطها بهدوء على سريرها وسألها، 'أخدتي صورة سونوغرافي للبيبي النهارده عند الدكاترة؟'
عنيسة هزت راسها وقامت تجيب شنطتها، قلبها بيدق بشكل مش منتظم. كان فيه أكتر من لمحة توتر في صوت سيباستيان. طلعت قطعة الورق اللي عليها الصورة المميزة بالأبيض والأسود وسلمتها له، وهي بتبتسم بسخرية. 'ما بتشبهش حاجة بجد دلوقتي.' قعدت متربعة على السرير جنبه وأشارت للعمود الفقري المنحني والرأس. بعدين حطت إيدها على بطنها وقالت بتعجب، 'أنا مش مصدقة بجد إن ده جوايا، خاصة إني مش حاسة بحركة لسه….'
سيباستيان كان بيبص على الورق، وشه مركز.
تشجعت من التلطف الملحوظ ده والطريقة اللي كان بيها لطيف ورقيق طول المساء، سألت بتردد دلوقتي، 'شوفت حاجة في الجرايد عن فرح أخوك ناثانيل بعد كام يوم في فندقكم … هتروح؟'
على الفور سيباستيان اتوتر جنبها، وعنيسة خافت إنه يقوم ويمشي. فكه بقى مشدود بس ما اتحركش وأخيرًا قال بصوت ضيق، 'لأ، مش هروح الفرح. ومش مهتم إني أناقشه.'
حست بالخوف بس عارفة إنه مهم، سألت، 'ماذا لو أردت مناقشته؟'
سيباستيان تجنب عينيها. 'من فضلك يا عنيسة، ما تضغطيش علي في ده.'
قبل ما تقدر تسأل أي أسئلة أكتر أو عينيها اللي بتلاحظ زيادة عن اللزوم تقدر تشوف التأثير اللي بيحصل عليه من رؤية صورة البيبي بتاعه، سيباستيان سلمها الورقة تاني، وقام فجأة من السرير وتمتم بشيء عن تشغيل البانيو لها.
هرب للحمام، وهو حاسس إنه جبان تمامًا. بس الحقيقة إن عالمه كله كانه لسه مائل على الجنب. أسئلتها كانت قطعت قريبة من العظم، خاصة دلوقتي وهو عارف إن أخوه يعقوب كانه قاصد يجمع الكل. والمعرفة ضربت تاني؛ الصورة الحبيبة اللي كان لسه ماسكها في إيده كانت ابنه أو بنته … ولأول مرة ما كانش الخوف المخيف اللي بيهدد إنه يسيطر عليه، بل حاجة حس إنها بشكل مثير للريبة زي الفرح.
لتخفيفه، بعد ما أخدت شاورها، عنيسة شكلها كانت راضية إنها تسقط الأسئلة. سيباستيان ما حاولش يعمل معاها حب، حتى لو جسمه بيصرخ عشان كده. وحتى لو حس بحاجة بدائية مزعجة إنه يوسمها بطريقة ما—ما بعد الرعب اللي حس بيه سابقًا كان لسه في نظامه—بس سيطر على رغبته. كانت نايمة على جنبها، متلحفة في جسمه، ذراعيه ملفوفين حواليها. حس إنه خام، كأن طبقة من الجلد اتمزقت. أنفاسها كانت عميقة ومنتظمة، وقال لنفسه إنه هيقوم ويمشي في دقيقة، بس ما قدرش يوقف عينيه عن الانغلاق، ووصلت إليه خيوط النوم المراوغة.
الطريقة الوحيدة اللي سيباستيان عرف بيها إنه كان بيحلم بالحلم ده تاني، هي إنه كان بيصارع عشان ياخد نفسه، وشيء أو شخص كان ماسكه لتحت. حارب عشان يخلص، وخرج من السرير، بس ساعتها بس أدرك هو فين.
عنيسة كانت بتبص عليه بعيون واسعة، شعرها متشعث حوالين كتفها. 'كنت بتحلم … بتصرخ عشان حد يجيلك….'
على أرجل هلامية سيباستيان مشي ناحية الشباك. قلبه لسه بيدق بقوة وجلده كان رطب. اتكلم لأنه شيء جواه ما قدرش يفضل صامت. حبس ده للأبد.
'كنت بنادي على أمي.' 'أيوة,' قالت عنيسة بهدوء.
كان لسه نص واعي وحكى الحلم تقريبًا من غير ما يدرك إنه بيعمل ده. 'أنا في بيتي اللي كبرت فيه، وولف مانور، وأنا صغير. أنا في ممر مظلم لوحدي، وأنا عارف إن حاجة فظيعة حصلت. أنا خايف وعمال أعيط بس ما حدش بييجي، وبعدين فجأة فيه ناس كتير—إخواتي وأخواتي من الأم، مدبرة منزلنا … أبويا. بس ما يقدروش يشوفوني وبيفضلوا يعدوا من جنبي، حتى لو بعيط.'
سيباستيان عرف إن عنيسة اتحركت عشان تقعد على حافة السرير. في صمت طلب منها ما تجيش قربه وإلا ممكن يتهشم تمامًا.
'سيباستيان كان بس حلم …' قلب عنيسة راح للراجل الطويل الفخور اللي كان واقف وراها.
دار بعدها، وهي اتصدمت من النظرة الكئيبة على وشه. 'ده هو، شوفتي. مش مجرد حلم. دي ذكرى. لما كان عندي سنة وشوية، أمي مشيت في البحيرة في ممتلكاتنا، وحاولت تقتل نفسها وأخويا ناثانيل. هو كان بيبي ساعتها بس، بس أبويا كان غضبان لأنها كانت غبية بما يكفي إنها تجيب طفل تاني. ده كان بس عشان اتنين من أخواتي الأكبر شافوها وأنقذوهم إنهم نجوا.'
عنيسة أخدت نفس. 'ده مرعب…' ابتسم بس كان جاد. 'أيوة. وفيه حاجات أكتر كتير من كده، زي حقيقة إن أخويا الأكبر يعقوب كان عنده مشكلة مع أبويا اللي انتهت بموته.' عنيسة حاولت تتكلم.
'سيباستيان—' عمل إشارة قاطعة بإيده. 'لا. مش هتكلم عن ده تاني. محتاجة ترجعي تنامي. أنا آسف إني أزعجتك.'
ومشي بسرعة من أوضة النوم. عنيسة بس قعدت هناك للحظة طويلة قبل ما تتكور تاني في السرير، وهي بتحضن ذراعاتها حوالين نفسها. ما كانتش عايزة تكون لوحدها الليلة—كانت لسه حاسة بالضعف بعد اللي حصل سابقًا—بس عرفت إنه ما فيش طريقة سيباستيان هيرجع بيها دلوقتي. هي اللي ضغطت عليه لحدوده.