104. القائد المجنون
فرقة البحث واقفة فوق تل، تدقق في الغابة اللي بتمتد على طول الأفق. تقدموا عبر سهل مفتوح، ووصلوا في النهاية لمنحدر فوق جبل صغير، بينزل بحدة للناحية التانية، وبيخلص في حتة أرض مليانة شقوق ووديان، قدامهم دلوقتي. الشقوق دي عملت وديان عميقة، وديان اتكونت فيها سيول مية الأمطار، اللي كونت غابات كثيفة مزدهرة، كادت تخبي الشقوق، اللي زي العروق، بتنتشر تحت الشجر الأخضر. الحقيقة دي اللي مش مرحب بيها، بتبص في وشهم، وبتسيطر على مشاعرهم بالراحة. حقيقة المهمة المستحيلة، وهي إنهم يلاقوا الولدين الضايعين في المتاهة دي.
ريك بتركيز بيفحص الأفق من خلال المنظار بتاعه، قبل ما ينزل البندقية بتاعته، ويهز راسه بيأس: "لأ، يا لهوي، ما أخدناش علامات طريق. الوادي الأعمى اللي رجعنا عنده لما سمعنا طلقات تانيا والرجالة، كان المكان المثالي. لازم يكونوا في مكان ما في المنطقة دي، ودلوقتي أتمنى إننا كنا سجلنا المكان ده قبل ما نرجع، بس ما كناش نعرف إننا هنفقد حد."
قلقانين ويائسين، تانيا وليسلي بيبصوا لجون وسبايكر بإحساس بالذنب، وسبايكر بس بيدير ظهره للمنظر، ويهز راسه ببطء: "معندناش غير نهاية الأسبوع الجاي عشان نلاقيهم، وبصراحة، ده مستحيل حتى في عمر كامل."
نيكو بيضيف: "لازم نثق في غرائزنا المشتركة. عندي خطة. يمكن تبان شوية غبية، بس ده كل اللي عندي. كلكم تلفوا زي سبايكر وتبصوا ورا. أنا هلمس إحساس كل واحد فيكم."
بشك بيبصوا له. "يلا، لفوا!" كلهم بيلفوا.
نيكو بيمسك كتف تانيا: "أنتِ الأولى. لفي تاني. الباقي يبصوا قدام، وما يبصوش ورا، بس يسمعوا اللي هسألها. كلكم هتاخدوا فرصة."
نيكو بيوقف وراها بالظبط. "إيه رأيك في الأفق، فين حاجز الطريق؟ فكري كويس في الاتجاه والمسافة اللي مشيناها. إزاي بسرعة، وإلى متى مشينا من الحاجز لحد المزرعة، ومن هناك رجعنا. بأي زاوية وكم مسافة؟ حاولي تخمني بناءً على معلومات قدر الإمكان عن مكان حاجز الطريق."
تانيا بتقف ساكتة، وبتفكر كويس لفترة طويلة، قبل ما تفحص الأفق، وبعدين بتشاور بصباعها: "ده تخمين عشوائي، بس هقول هنا."
بتبص على طول دراعها، نيكو بيسجل النقطة بالظبط.
"دلوقتي. فكري إزاي بعيدة من هنا، وحاولي تشاوري على البيت الخشبي اللي باتنا فيه."
نيكو كمان بيسجل النقطة دي.
واحد ورا التاني، نيكو بياخدهم في التمرين ده، بس بياخد ريك وسبايكر أبعد. لازم يخمنوا مكان الوادي الأعمى كمان، وفي النهاية بيكون راضي.
"أنتوا كلكم أكتر أو أقل في المنطقة دي، ووداي ريك وسبايكر هنا."
نيكو بيطلع البوصلة بتاعته، وبيوريهم بصباعه: "خليني أوريكم دلوقتي، إيه اللي بفكر فيه بعد ما أخدت في الاعتبار كل تخميناتكم. في مكان ما هناك."
بص على البوصلة بتاعته. ستين درجة شمال غرب. "كم فرع ممكن تعدوا لحد النقطة اللي خمنوا فيها ريك وسبايكر الوادي الأعمى؟ يلا، ساعدوني نعد."
كلهم بيبصوا وبيحاولوا يعدوا، وفي النهاية، ليسلي بتستسلم: "لأ، يا لهوي، ده مستحيل! حتى بفكر إن فيه وديان مخفية أكتر، مش شايفينها من هنا. ده مضيعة للوقت."
الباقي كمان بيستسلموا، ما عدا جون اللي بيبص لهم بغضب. هو في قمة الغضب، وعلى الرغم من إن محدش بيقول أي حاجة، لغة جسدهم بتصرخ بصوت عالي. دي مهمة مستحيلة. مفيش طريقة إنهم يقدروا يلاقوا الأطفال في المتاهة دي. فجأة جون بينطلق قدام، وبينزل من المنحدر ناحية أقرب غابة.
نيكو بيصرخ وراه: "استنى، جون! جون، اقف! استنى هناك، جون!"
بدون فايدة. جون بس بيمشي أسرع، ونيكو بيلاحظ إنه لازم يتبعه. بيجري وبيحاول يوصل لجون من وراه، مع فرنسوا ومايكل اللي بيلحقوه.
ريك وسبايكر وتانيا وليسلي بيكشروا لبعض، قبل ما ريك بيشتم: "اللعنة، كان لازم نعمل خطة تانية عشان نرجع للوادي الأعمى ده، ونحاول من هناك. أنا متأكد كنت هشمهم من هناك، لو لسه عايشين. دلوقتي، العيل ده بيفقد عقله، يا خراي!
سبايكر أكتر غضباً: "اللعنة، عندي فكرة كويسة، وأسيب الأوغاد دول هنا. ممكن نقول إنهم سابونا ورا، واختفوا في الوديان. تروح في ستين داهية المهمة! تروح في ستين داهية القرف بتاع المنقذين كمان! ده جنون! إيه لو الغابات دي مليانة آكلي لحوم بشر هناك؟"
تانيا بتضيف: "عندنا الأستاذ وبنته. مش دول الأهم للمنقذين؟ أنا متفقة مع سبايكر."
ليسلي بتوافق: "أيوة، تروح في ستين داهية! يخليهم كلهم يتورطوا وينكشفوا للمخلوقات في الوديان. أعتقد إن ده كان مضيعة للوقت من الأول. مش فاهمة ليه جوس صدق حكاية مايكل المجنون، إن الأطفال لسه عايشين، وانضموا لناجين الطائرة الهليكوبتر. معانا المفاتيح. يلا نسيبهم ونرجع."
ريك بينطلق فجأة قدام، من غير ما يقول كلمة، وبينزل من المنحدر عشان يلحق الأربعة اللي قدام. سبايكر بيشتم بشدة للسما، بس بعدين بيلحق، قبل ما ليسلي وتانيا كمان بيلحقوا، كأنهم معندهمش شكوى.
في النهاية، كلهم بيلحقوا بعض، بس لازم يبذلوا مجهود عشان يلحقوا، لأن جون بيمشي كأن الشيطان بيطارده، بيبص بس قدامه. محدش بيجرؤ يتنهد. تروح في ستين داهية بقيتكم!
بيتقدموا ناحية الغابة، عبر رقعة من العشب والفينبوس، بكثافة متزايدة مع تقدمهم. جون بيمشي في أول ممر في الغابة. فجأة بيتم احتواؤهم في غابة من أشجار الصنوبر الزرقاء العالية، بتسرق الشمس. الظل بيحيط بيهم، وهما بيتغلغلوا أعمق في الغابة. دلوقتي بيسمعوا صراخ غريب، جاي من بعيد، في مكان ما ورا الأشجار والشجيرات. إيه الحيوان اللي ممكن يكون ده؟ ده صراخ مقرف، بيكبر ويتعمق أكتر في الغابة، كأن حيوان ما سمعهم جايين، ودلوقتي بينادي على بقية القطيع. بيبدو كأن وجودهم بيتم الإعلان عنه هنا.
أتباع جون بيتوتروا جداً من الأصوات، اللي بتوصل لأقصى حد حواليهم، بس هما في عجلة من أمرهم عشان يلحقوا خطوة جون المحمومة، لدرجة إن معندهمش وقت يفحصوا محيطهم عشان يعرفوا إيه سبب الضوضاء دي. الممر دلوقتي بيصبح منحدر حاد في طريقه للوادي الأول.
الممر بيختفي في منحدر، وجون بسرعة بينزل على ركبه، وقابض قبضة إيده في الهوا. نيكو وفرانسوا بيلحقوه، بس مايكل بيقع فوق فرانسوا، اللي بيساعده عشان يقعد. جون بيشاور بصباعه على حاجة مخفية ورا الشجيرات الكثيفة، حيث الممر بيلف في النهاية قبل منحدر شديد الانحدار. نيكو بيبحث عن الشيء اللي أشار إليه جون، وبعدين كلهم بيلاحظوا صمت غير طبيعي، وغريب، نزل على الغابة. الأصوات الوحشية اختفت دلوقتي، كأنها محصلتش.
في النهاية، نيكو بيشوف الشيء اللي جون أشار إليه، وبيتساءل إزاي جون قدر يكتشفه بالسهولة دي. قطعة من الملابس الممزقة كانت مخفية أعمق في الشجيرات قدامهم. نيكو بيتجمد لما المادة فجأة بتتحرك شوية، بس بعدين بتتعلق ثابتة تماماً.
جون بيبص ورا، وبيشاور بإيديه. هما محاطين، ولازم يتقدموا في الوادي أعمق. بيخلع الحزام الجلدي بتاعه، اللي بيحافظ على السيف بتاعه والسكاكين العربية المنحنية ورا ضهره. الانحناء مثالي للتقطيع في القلب من ورا الضلوع. من مكان ما، دفء معروف بيحيطه، ونار حارقة بتندفع عبر قمة رأسه، بالطاقة الغريبة اللي كان لازم يخفيها عن كادين لسنين. بتمتلك كل كيانه، وبتشع من كل خلية في جسمه، وهو مستعد. بينزل الدرع الزجاجي عشان يحميه من دم الوحوش اللي هيرميه دلوقتي.
بيجهز مسدسه، وبيحطه على كتفه، وبيطلع مسدسيه الاتنين، وبيجهزهم بصمت. هو ممتن إنه نجح في جرهم كلهم في الموقف ده، قبل ما يشكوا أكتر، ودلوقتي مفيش رجوع. بس لقدام.
جون اشتبه إن فيه وحوش مستخبية في الغابة، والأصوات المروعة أكدت اشتباهه على الفور. هيشق طريقه عشان يفتح الوادي اللي سجن فيه كادين وبيلي، ولما يلاقي الاتنين هيشق طريقه مرة تانية، مهما كان. سواء هينجح أو هيتغلب؛ مفيش حاجة هتمنع طريقه.
بطريقة ما، الوحوش اكتشفتي اتجاههم، ونظمت نفسها، بتستنى عشان تهاجمهم قبل ما يقدروا ينزلوا ويختفوا في الوديان. حاجة بتقول لجون إن الوديان فيها أماكن إخفاء آمنة بطريقة ما، بس هي كمان سجن، والوحوش تعرف ده. جون بيشتبه إن فيه ناجين أكتر في الوديان دي، لأن دي الطريقة الوحيدة عشان ينجوا. يمكن بعض الناجين كان لازم يطلعوا من الوديان عشان يجيبوا إمدادات، وعشان كده الوحوش عرفت إن فيه فريسة في الغابة، بتتحرك رايحة وجاية أحياناً. ده التفسير الوحيد اللي ممكن يلاقيه، ليه الغابة مليانة آكلي لحوم بشر، وقريباً هيشوف إذا كانت نظريته صحيحة.