27. العقد
نيكو يحط فضوله! "يا أستاذ، أنت عمرك ما حكيت لحدا شو صار لمرتك و لولدك و مرته و ما أبلغت عنهم أنهم مفقودين؟"
الأستاذ يوهان عبس و بتقدر تشوف الكلمات عم توجعه لما جاوب: "خسرتهم كلهم في الهند في مطاردة سيارات مجنونة في محاولة للهروب. بس ميرتي و أنا اللي نجونا و هربت معها. لحسن الحظ، قفزت لمكان الأشرم الصح اللي فيه المؤمنين خبونا لمدة سنتين لأن شبكة المنظمة كانت في كل مكان. هناك، أخدت دروس مباشرة من سوامي و درست السنسكريتية الكلاسيكية و بنيت معرفة غنية بالثقافة الفيدية. في النهاية، تم تهريبنا من الهند من قبل حركة إسكون. كنت متخفي بزي سوامي و ميرتي كطفل لامرأة من حركة إسكون في المجموعة اللي سافرت لجنوب أفريقيا."
"لازم تدرك، أنا و مرتي و كمان مراتي التانية، كنا أيتام لذا كانوا عيلتي الوحيدة. كنا عيلة مترابطة كثير. هلأ فهمت ليش ميرتي هي كل حياتي؟ هي العيلة الوحيدة اللي بقيت عندي. هي السبب اللي خلاني أختفي في جنوب أفريقيا و أبقى ساكت و أغير شغلي. هي السبب اللي أنا موجود هون معك على أمل إنك تساعدنا، إذا صح إن هدول الشياطين لسا وراي."
"يعني، كل شي كان تمام في العطلة و ما شكيت بشي؟"
"عاملونا كملوك. رحنا بجولة في الهند مع مجموعة سياحية خاصة. المرشد علمنا كثير عن الثقافات المختلفة و أساليب حياة الناس. سكنا في فنادق خمس نجوم. و بعدين رجعنا للمدينة اللي وصلنا فيها و منها رح نغادر اليوم اللي بعده. كان يوم المقابلة. سائق بسيارة فخمة أخدنا و خمن مين فاجأني و قعد ورانا في طريقنا للمقابلة؟"
"ما بعرف يا أستاذ."
"إليزا إزكاريوت!"
"زميلتك السابقة اللي بلغت عنك و ورطتك؟"
"بالزبط!"
"لازم كانت وضعية غريبة."
"بالعكس، اعتذرت بتواضع لأننا كنا أصحاب كثير مناح. كانت بدها تعوضني لإنها بتعرف إني ما رح أحصل على منصب جديد كباحث بسهولة؛ على أي حال، مش منصب يدفع منيح. لما المنظمة عرضت عليها منصب بحثي لتعمل نفس التجارب اللي عملناها للشركة الألمانية و وعدوها تدفعلها 12 ضعف راتبها، فكرت فيني و بدها تعوضني عن اللي عملته معي."
"بعد ما كانت مع المنظمة لبضعة أشهر و كانت سعيدة كثير و عندها أمان، خبرتهم عني. حرفياً كانت بتشع حماس عن البحث الرائد اللي عم يعملوه. رح أشتغل مع عدد من العلماء اللي متقدمين في البحث بسنوات. سألتها عن مشكلتي مع المجلس الطبي. طمنتني إنها مش مشكلة لأن السبب اللي خلاهم متقدمين لهالدرجة، إن بحثهم سري كثير و ما بيخلوا قوانين و لوائح العالم تعيق عملهم."
"بديت أعرف شو عم يبحثوا بالضبط و شو مهمة المنظمة. شرحت لي إني لازم أتعرف على البحث منيح قبل ما أفهم تماماً لأن اللي عم يعملوه ثوري جداً. قدرت تطمني إن زملائي بالمستقبل كلهم أصحاب شخصية عظيمة و مبادئ و عم يشتغلوا كعيلة واحدة و مؤمنين بعملهم."
"شو صار بعدين؟"
"وقفنا قدام مبنى ضخم دائري أو بالأحرى حائط ما فيه شبابيك بيمتد لبنايات. دخلنا عن طريق فتحة أمنية و جوا شفنا المكان مبني كحصن. كان بس الحائط العالي هو اللي عزل البلدة جوا عن باقي المدينة مع بيوت حواليها على داخل الحائط. في المنتصف كانت شوارع فيها محلات و مراكز رياضية و كل شي بتلاقيه في مدينة حقيقية. المكان سحرنا كثير. كانت بلدة معزولة في وسط المدينة."
"بعدين رحنا لمبنى مكاتب في وسط البلدة و قابلنا رونالد، قائد الفريق العلمي. رونالد بده يعرف إذا إليزابيث مهتمة بالشغل بس كنا مقررين قبلها إنها تكون ربة منزل. قال هاد كمان الوضع مع عدد قليل من العلماء. رونالد قدم يوهان جونيور و تانيا لممثلي المنظمة اللي قابلوهم على طول. بدهم يعرفوا شو اهتماماتهم و شو وظائفهم الحالية. الإثنين كانوا معلمين بس تانيا أجلت لأنها بدها تعطي كل اهتمامها لميرتي. مادياً كانوا بيعانوا و عندهم معيل واحد."
"على الفور عرضوا عليهم مناصب تعليمية مع رواتب 12 ضعف أجرهم الحالي و سألوهم إذا بدهم يزوروا المدرسة اللي رح يدرسوا فيها. راحوا و بقيت مع رونالد و إليزا. في وقت لاحق من المساء، لما رجعنا على الفندق، خبرونا إنهم معجبين كثير بالطلاب. كان واضح إن الأطفال أذكياء كثير و محترمين. كانوا متحمسين."
"رونالد كان يدير البحث حسب أهداف الشركة. سألت عن تفاصيل عن هالأهداف بس هو و إليزا تهربوا من هالموضوع. بعدين اتغدينا مع فريق البحث كله، و لازم أقول، كنت معجب كثير بهدول الناس. كانوا من جنسيات و معتقدات و تخصصات مختلفة، بس قدرت أشوف فيهن رابطة قوية. معظمهم كان عندهم كمان أقاربهم بيشتغلوا شغلهم مثل ما كان مفروض يشتغل يوهان و تانيا. كل عيلة سكنت في بيتها جوا الحائط و كلهم كانوا يبينوا إنهم سعداء."
"كلهم كانوا مستنيين يرحبوا فينا كجزء من العيلة و بعدين زرنا بعض البيوت عند الحائط حيث بيعيشوا في عزلة عن العالم. كان عندهم إنترنت سريع كثير و أفضل أجهزة كمبيوتر ممكن تشتريها النقود و أدوات سهلت حياتهم و كمان خدم بيخلوا بيوتهم نظيفة و بيغسلوا و بيهتموا بالأطفال. تفاجأنا بالرفاهية و المساحة اللي بتستمتع فيها كل عيلة."
"من هناك رحنا مع وحدة من عيلات الباحثين اللي ورانا في البلدة. مرته كانت كمان ربة منزل و هي و إليزابيث انسجموا فوراً. نورتها عن الأنشطة الكثيرة اللي بتستمتع فيها ربات البيوت سوا. على سبيل المثال، كان عندهم نادي كتب و مدرسة فنية و بيعملوا كثير أشياء سوا. ما حدا في البلدة بيستخدم النقود؛ بس بيجيبوا اللي بدهم إياه من المحلات. بيروحوا حفلات و أفلام مجاناً لما يكون عندهم وقت. مركز رياضي مجهز بالكامل متوفر و كمان بحر صناعي و مدينة ملاهي و بيلعبوا سكواش و كرة قدم و تنس و أي شي ممكن تفكر فيه. بيتنافسوا مع باقي العالم عن طريق الجولات. كان عندهم مستشفى و صيدلية و رعاية طبية خاصة بهم، كل شي مجاني، بينما رواتب ضخمة بتنزل في حساباتهم البنكية اللي ما لازم يستخدموها لأن كل شي مجاني، حتى السكن. بيقدروا يغادروا البلدة وقت ما بدهم، بس ما صار هالشي لأنهم فضلوا الأمان و الرفاهية."
نيكو مندهش. "هالشي بيحكي إنو كتير منيح يا أستاذ. ما فهمت. شو اللي صار غلط؟"
"أخدونا على فندقنا مرة تانية و أتيحت لنا الفرصة ندرس العقد بالتفصيل. قدرنا ننام عليه بس لازم نقرر لصباح اليوم اللي بعده. إليزابيث و يوهان جونيور و تانيا كانوا فرحانين و وقعوا حتى قبل ما يناموا، بس أنا بديت أفكر فيه بحذر. السائق كان رح يجي ياخدنا بعد الغدا اليوم اللي بعده يودينا لرونالد بالعقد الموقع من كلنا أو للمطار. إذا قررنا نبقى، كنا كعيلة رح ننتقل لإحدى المساكن و نبدأ حياة جديدة سوا."
نيكو منذهل. "يا أستاذ، كل شي يبدو وردي. ليش رفضت العرض؟"
"الحاسة السادسة يا نيكو، دايماً وثقت بحاستي السادسة في كل شي عملته و شي كان م في محله. ما وثقت بالسرية. المكان كان معزول بشكل ميؤوس منه و بسهولة ممكن يتحول لسجن. بس، كل العيلات كانوا يبينوا إنهم سعداء كثير، بس شي كان مزعجني و ما قدرت أحدد شو هو. أدركت إنها غريزتي اللي حذرتني و كل مرة تجاهلت غريزتي، الأمور كانت بتصير سيئة جداً. كانوا مستعجلين كتير بدنا نوقع. كانت عندنا بس هالفترة. ليش بدهم ننتقل بسرعة و نصير جزء من العيلة؟
"شو الشي اللي ماسك العيلات بحيث ما حدا بده يمشي؟ ممكن يكون في عيلة بدها تمشي و خبوه عنا، و إذا كان هاد الشي، شو صار لهديك العيلة؟ درست العقد مرة تانية لأي بند عن مخالفة العقد بس ما لقيت شي. البند الغريب الوحيد كان إننا كعيلة جديدة كنا ملزمين نعمل مقابلة شخصية وجهاً لوجه مع مؤسس المنظمة قبل ما ننتقل. كل شي بيأشر إن أي مقيم بيقدر ياخد أغراضه و يمشي إذا بده يعمل هيك."
"مسكت التليفون و اتصلت بالرقم اللي إليزا عطتني إياه و سألتها مين هاد المؤسس اللي بده يقابلنا شخصياً. قالت لي ما في داعي أقلق، هاد بس تقليد. سألتها ليش حاولت تلف و تدور على سؤالي. مين هاد الشخص؟ و شو قالت لي، رفع شكوكّي للسما. قالت إنه الرجل اللي فتح عيونهم كلهم و أعطاهم هدف جماعي خلاهم عيلة وحدة غير قابلة للانفصال. و لما خلصت المكالمة، تذكرت اليوم اللي عملت فيه هالاكتشاف الخطير و الكابوس اللي كان عندي و بس كان عندي شعور إن عقلي الباطن رح يوضح الأمور لي. إذا نمت للصبح، ما رح أعرف شي مش طبيعي و رح أوقع في الصباح."
"هذيك الليلة كان عندي كابوس فظيع. ما بدي أحكي الحلم كله، بس كان تحذير و في الصباح كل شي كان واضح مثل ضوء النهار. ما وقعت على العقد بس تركته في غرفة الفندق. قررت إننا لازم نفاجئ المنظمة و نحاول سراً نطلع بالوصول للمطار في أقرب وقت ممكن و حاولنا ناخد رحلة مبكرة لجنوب أفريقيا و نختفي قبل ما يشكوا بشي."
"إليزابيث و يوهان و تانيا كانوا زعلانين كثير بس، في النهاية، نجحت إني أقنعهم جزئياً إن شي مش طبيعي و على الفور أخدنا تاكسي لنحاول و نحصل على رحلة مبكرة. شي بس أجبرني أهرب."
عيون نيكو بتتسع. "الأمور على الأغلب في النهاية مشيت غلط في المطار، مش هيك يا أستاذ؟"
هز راسه بيأس: "أتمنى لو إننا ما سافرنا للهند و بقينا هون. بعدين على الأغلب إليزابيث و يوهان و تانيا كانوا معنا اليوم."
تردد شوي، سرح في شي معين و بعدين حكى بسرعة: "الأمور مشيت غلط حتى في طريقنا للمطار. ما وصلنا للمطار!"