26. جهة الاتصال
البنت الصغيرة اللي ورا الكاشير ابتسمت بلطف.
"صباح الخير يا عمو. عمو هنا بدري عشان فطورك زي كل يوم سبت. بس فين حفيدتك؟ شايف عمو اشترى فطور واحد بس الصبح ده."
البروفيسور يوهان دي ريدر ابتسم. شافها كتير قبل كده ولاحظ اسمها على البطاقة: ياسمين. "يا وردة، دايمًا ابتسامتك حلوة أوي. أنا نزلت مارتا في مدرستها قبل ما تفتحي. أكلت عصيدة معاها صندوق غدا عشان هتكون مشغولة طول اليوم في المدرسة. بيتمرنوا على حفلة. عندها دور في مسرحية وهتعزف مقطوعة بيانو في الحفلة."
"يا سلام، دي مش بس جميلة، دي موهوبة كمان يا عمو."
يوهان ابتسم بفخر. "يا وردة، انتي بتناديني 'عمو'. أنا هناديكي 'عمتي' لو استمريتي كده."
ياسمين احمر وشها وبصت لراجل جذاب وقوي في منتصف العمر جنب يوهان مستني دوره، كأنها عايزاه يدعمها وهي بتشرح. "أنا بس عايزة أوريكي الاحترام يا عمو."
يوهان عض على شفتيه. "طيب يا عمتي وردة، فهمت يا عمتي…"
الغريب غمزلها. "ياسمين، بس نادي له بلقبه: 'بروفيسور'."
ياسمين اتضايقت. "واو، ما كنتش أعرف انك بروفيسور، آسفة يا عمو بروفيسور."
يوهان عبس. "لا يا عمتي وردة، ده أسوأ. انتي مش طالبة عندي."
يوهان المتفاجئ بص للغريب. مين الراجل ده؟ عمره ما نسي وش، بس الراجل ده غريب تمامًا. مرتبك خد كيس البقالة اللي البنت ادتهوله. "مع السلامة، أشوفك بعدين يا عمتي وردة."
طلع بسرعة من المحل، بس عند المدخل، حد شده من الكم، وبص في عيون الغريب اللي كشف عن لقبه. "البروفيسور يوهان دي ريدر، سبت الوصل في الكاونتر."
مسك وصل مختلف ويوها شاف حاجة مكتوبة على ظهر الوصل. بعيون فيها أسئلة، بص للراجل اللي بس هز راسه يشجعه انه ياخده.
"شكرًا." بسرعة أخدها وطلع من المحل بسرعة وركب تويوتا كامري بتاعته وبدأ يقرا الرسالة بقلق.
يا لهوي، يا خراشي! مش تاني! 'هما هنا عشانك يا بروفيسور. انت مراقب. ارمي الرسالة دي وما تكلمش حد. قابلني في مكانك المفضل اللي بتقضي فيه وقت مع مارتا بانتظام، في حديقة سيتلرز. أنا أملك الأمل الوحيد بتاعك. بسرعة، قبل ما يكون فات الأوان!'
~*~*~
يوهان قريب من مكان النزهة بين النباتات قبل ما يبدأ الممر في الدوران والصعود بحدة للجزء العلوي من حديقة سيتلرز. ده المكان اللي هو ومارتا بيقضوا فيه وقت نزهة كل صباح سبت في الجو الحلو تحت شجرة عملاقة. فيه ترابيزة أسمنت بيلعبوا عليها شطرنج مع أصوات العصافير الممتعة في ودنهم. بيتساءل إزاي الراجل يعرف ده. القلق بيعض في أحشائه عشان ممكن يمشي في فخ بسهولة! بيفكر في الحلقة اللي حصلت في سبار. الراجل بيتكلم إنجليزي بلهجة أفريقية جنوبية، ووشه صريح وأمين. أكيد مش أجنبي، بس ماذا لو كان انطباعه الأول غلط؟ ماذا لو كان الراجل ده مرتزق اتأجر من نفس الناس اللي دمروا حياته من سنين؟ على الأرجح الشياطين دول تتبعوه بعد السنين دي كلها. بس، مجبر بس يمشي قدام ويقابل الراجل! لازم بس يتمسك بالأمل ان حد ممكن يساعده!
يوهان سمع راديو شغال وهو بيقرب من مكان النزهة. حس براحة شوية لما سمع انها إذاعة أفريقية جنوبية محلية. دلوقتي بيدخل مكان النزهة وشاف الراجل قاعد على ترابيزة النزهة مع راديو محمول واللاب توب بتاعه قدامه. الراجل حط صباعه قدام شفايفه محذرًا يوهان انه ما يتكلمش. قام ووقف قدام يوهان وطلع سمارت فون بتاعه وشاور عليه وبعدين على يوهان. يوهان أدرك ان الراجل عايز سمارت فونه وأداه له.
الراجل أخد سمارت فونه وحطه على العشب ببساطة وشاور ليوهان انه يتبعه. قعدوا على الترابيزة والراجل علي صوت الراديو. طلع علبة من جيبه الداخلي، وحطها بينهم وبعدين وصل سماعات فيها ميكروفونات في العلبة وأدى واحدة ليوهان عشان يلبسها وهو لبس التانية.
صوته فجأة جه عالي وواضح في ودن يوهان بينما الراجل بيحرك زر عشان يظبط الصوت. "سامعني يا بروفيسور؟"
"سامعك. ايه اللي بيحصل؟ مين انت؟"
"أنا نيكو دي ياجر، عضو في فريق عمل دولي بيحقق في بعض الناس اللي وصلوا هنا في بورت اليزابيث وبنشك انهم بيخططوا انهم يخطفوك عشان من 12 سنة انت تهربت منهم. ورقنا الرابح الوحيد انهم ما يعرفوش عننا في المرحلة دي. أغلب الوقت بيستخدموا سمارت فونك عشان يتبعوك ويتجسسوا عليك. هما محترفين جدًا ومتجهزين تكنولوجيًا بشكل كويس جدًا. ما تغيرش روتينك المعتاد وما تكلمش حد عنه. لحد دلوقتي ما قدرناش نتبعهم، احنا بس نعرف عنهم. من المهم جدًا انهم ما يشكوش وما يعرفوش عننا. عشان كده لازم نتقابل هنا في عزلة في الحديقة ونتكلم بمساعدة العلبة دي. بالطريقة دي نقدر نتكلم بعيد عن الأنظار ونسمع بعض بينما الراديو بيمنعهم انهم يكبروا محادثتنا ويتجسسوا علينا. لازم أشكرك على تعاونك. كان قرار حكيم انك تيجي."
"بروفيسور، الإنتربول أدرك ان العلماء الرواد وأقربائهم اختفوا على مدار العشرين سنة اللي فاتت وجمعوا فريق عمل خاص عشان يحقق في الظاهرة دي. في الوقت ده، طورنا تكنولوجيا التعرف على الوشوش لدرجة اننا ركبنا شاشات في كل الجمارك الدولية عشان نراقبهم. لمفاجأتنا، مجموعة سياح من الهند وصلوا في بي اي، وكتير منهم كانوا العلماء اللي اختفوا بهويات جديدة. للأسف اختفوا على الفور قبل ما نقدر نتواصل مع أي منهم.
"بعدين حاولنا نعرف ليه كانوا في بي اي، مرينا على قائمة أسماء العلماء اللي اختفوا ولقينا انت وعيلتك اختفيتوا كمان، بس هربتوا بطريقة غير مفهومة ودلوقتي بتدرس في جامعة بي اي كبروفيسور في الفلسفة. بس، انت كنت عالم فيروسات رائد لما اختفيت؟ اختفيت لما سافرت للهند مع عيلتك. ايه خطط الناس دي؟ ايه اللي حصلك من 12 سنة؟ فين مراتك وابنك وبنت مراتك؟ لسه مختفيين."
يوهان بحزن هز راسه وتنهد بعمق وفكر في صمت قبل، في النهاية، ما يجاوب. "مين اللي تعرف انه اختفى يا نيكو؟"
نيكو فتح اللاب توب بتاعه وحركه قدام يوهان. "أهو يا بروفيسور. دور في القائمة. يمكن تتعرف على بعضهم."
يوهان بيدور في الملفات ببطء وباب من المعرفة مثير جدًا بيتفتح قدام عينيه: علم الفيروسات، تكنولوجيا النانو، علم الوراثة، الهندسة. لقى أسماء علماء فيروسات كان بيشتغل معاهم ويتعرف على علماء تانيين كتير. رجع اللاب توب لنيكو.
بص له في عيونه مباشرة. "نيكو، أنا كنت مشارك في تجارب خلال بحثي العلمي لشركة ألمانية. عادة، لما عايز تنقل خصائص فيروس معين لفيروس بينتمي لعيلة وراثية تانية، التجربة بتفشل. بحثنا كان بيدور على طرق عشان نتغلب على المشكلة دي في المعمل.
"في صباحية من الأيام وصلت الشغل ومررت على نتائج اليوم اللي قبله واكتشفتي تقنية يمكن من خلالها التلاعب في أي فيروس عشان يكون معدي عن طريق الهوا، مش مهم العيلة اللي بينتمي ليها. وبكده اكتشفتي طريقة ممكن تخلي أي فيروس معدي زي أي فيروس إنفلونزا. للأسف، ما كنتش لوحدي في اللحظة دي. إليز إزكاريوت وأنا كنا زملاء في المشروع ده. كنا أصحاب كويسين وفي فرحتي، شاركت الخبر معاها. بعدين، بعد الشغل، حتى احتفلنا بيه في بار. ده كان كلام يكسر الدنيا.
"في وقت لاحق في المساء في سريري، حسيت بالكابوس الغريب ده. في حلمي، منظمة اتواصلت معايا واشترت مني المعرفة. في ليلة واحدة أصبحت ملياردير واشتريت جزيرة. بس في يوم من الأيام لما زرت البر الرئيسي بالقارب، لقيت مدن وبلدات مهجورة مليانة جثث. المنظمة اللي اشترت معرفتي طورت سلاح بيولوجي انتشر بسرعة لدرجة انه قضى على البشرية.
"ما قدرتش أنام أكتر من كده ورجعت ودمرت كل خيوط الأدلة على اكتشافي. اليوم اللي بعده إليز كانت غاضبة وبعد شجار عنيف، بلغت عني. كنت مذنب بخرق عقد واضطريت استقيل وبعدين رجعت لجنوب أفريقيا عشان أحدد طريقي. الشركة الألمانية بلغت عني للمجلس العلمي وكان الأمل ضعيف في اني أقدر أحصل على عقد عشان أكمل بحثي العلمي كعالم فيروسات.
"بعدين، من العدم، اقتراح من الهند وصل عرض عليا 12 ضعف مرتبي المعتاد لمشروع بحث علمي. اقترحوا اني أخد عيلتي كلها معايا. هما هيدفعوا مصاريف السفر وحتى هيرتبوا للإجازة الأكثر فخامة في فنادق خمس نجوم لمدة أسبوعين سواء قبلت اقتراحهم ولا لأ. المقابلة للمشروع هتكون في نهاية إجازتنا وبعدها ممكن نقرر سوا لو أقبل ولا لأ.
"على أي حال، كنت في ورطة شديدة وما عنديش أمل اني ألاقي شغل. حسيت بالذنب تجاه مراتي وابني وبنت مراتي بسبب الضغط اللي اتحملوه. بعدين الشركة طلبت مني ازودهم بهوياتنا وجوازات السفر المصادق عليها وصور شخصية ووعدوا ان وكالة السفر بتاعتهم هترتب كل حاجة. كنا متفاجئين شوية لما جوازات السفر والتأشيرات وتذاكر الطيران ذهاب وعودة وصلوا بالبريد شوية، كل حاجة مدفوعة، وحتى حطوا مبلغ كبير في حسابي البنكي كمصروف جيب. رحت لمكتب شؤون الوطن وراجعوا كل المستندات ولقوا كل حاجة مظبوطة. مراتى وابني ومراته، مع بنتها اللي عندها سنة، مارتا، وأنا سافرنا للهند حيث قضينا الإجازة الأكثر متعة."