88. يركضون!
يبص بوتا بجدية من واحد للثاني حوالين نار المخيم. "كوكو وأنا اتفقنا وقررنا نقولكم الحقيقة."
يدوس على يد كوكو الصغيرة برفق وهي تبتسم له بنظرة حب في عينيها. "لازم أوضح معاها وأناقش التداعيات قبل ما أقدر أوصل الخبر ليكم. هي موافقة وفاهمة الوضع اللي هتتحط فيه. بس هي مؤمنة إنها مختارة."
هانس يبتدي يفقد صبره. "طيب، فاهمين، بوتا، بس ادخل في الموضوع. إيه المهم لدرجة دي؟"
"لازم أحكيلكم القصة كلها. إزاي اتقابلنا ووصلنا لهنا سوا. بعدين هتفهموا كل حاجة."
حتى دونوفان بيبين عدم صبره: "لو سمحت، قولنا دلوقتي..."
~*~*~
بوتا بالياس بيمشي حافي القدمين وجزءه العلوي عاري، راجع للمزرعة شايل غزال مذبوح ودموي على كتفه، مع القوس والسهم اللي عملهم بنفسه. القميص بتاعه في شنطة حمله عشان ما يتوسخش بالدم. شنطته، في كل الأحوال، متلطخة ببقع دم قديمة.
بوتا صياد ممتاز، صياد حقيقي ما بيقتلش إلا للأكل. بيكره النصابين اللي معاهم عربيات بيعموا بيها الحيوانات بالليل ويضربوها بالنار. بيكره الأشرار اللي بيقتلوا بس عشان المتعة، عشان يرضوا فكرتهم الغلط عن الرجولة. بيكره الحثالة الواطية لأنه بيعمل الصح. في الأيام اللي فاتت، كان بيلف الغابة بيدور على قطعة لحمة مناسبة. بمهارته في الصيد، سهمه اخترق الغزال، قطع رقبته وشاله ورجع بيه للمزرعة عشان أهله يتلذذوا بيه.
مارتي، أمه الجميلة، هتتفاجئ بشكل لطيف بالصيد اللي جابه. ولا حاجة هتضيع. حتى الجلد والأمعاء هتتعالج وتستخدم. دي الطريقة اللي ربوه بيها أهله هنا في مزرعة الصيد دي. دلوقتي بيخرج من الغابة وداخل الحوش المفتوح بتاع المزرعة.
بيطلع على الدرجات الخشب، بيفتح الباب الخلفي، وبيروح لغرفة الغسيل اللي جنب المطبخ. "أمي!" بينادي. "تعالي شوفوا إيه اللي جبته."
الذبيحة بيعلقها بحرص شديد على خطاف فوق الحوض، بيحط السدادة، وبيفتح الحنفية. أول حاجة هيسلخ الغزال وبعدين يجهزه قبل ما يدخله الفريزر. بعدين، هيقطع اللحمة المتجمدة بسهولة لأجزاء مفيدة بمنشار اللحمة.
"ماما..."
بيتساءل أمه فين. ماشافهاش عند حبل الغسيل. يمكن نايمة. بيقفل الحنفية وبيمشي في الممر بيدور على أهله. عايز ياخد دش عشان يغسل الدم منه ومن هدومه بس قبل كده، عايز يقولهم بفخر على اللي جابه.
البيت ساكت وبيكتشف إنه مافيش حد في البيت الهادي. بيبص من شباك غرفة القعدة. عربيتهم مركونة قدام. يبقى ما راحوش في حتة. قلقان بياخد دش بسرعة، بالهدوم وكل حاجة، وبيغسل أكبر قدر من الدم والعرق من الهدوم قبل ما، كالعادة، يقلع عريان وبيكمل غسيل الهدوم بالدوس عليها. بيطلع، بيمشي لغرفته من غير هدوم، وبيلبس تي شيرت وشورت.
كل الوقت ده كان بيزن على دماغه عن مكان أهله. حافي القدمين، بيطلع من البيت عشان يدور عليهم بره. بيتمنى ما تكونش ظهرت مشكلة من معسكر المستوطنين اللي قريب. مع إنها بعيدة شوية، على الجانب التاني من الطريق العام، عمرك ما تعرف إيه نوع العناصر اللي ممكن تتوقعها. أهله فين؟ لازم يدور عليهم فين؟
بيسمع كويس ومرة تانية بيسمع صوت بس مش عارف منين بيجي. بيجري للشجيرات في اتجاه الصوت. بين الشجر، بيقدر يشوف واحد لابس هدوم معسكر مستوطنين مهلهلة بيجري، وبعدين بيشوف أهله. شكلهم بيجروا ورا الشخص ده.
"أمي...أبي...إيه اللي بيحصل؟"
أمه ورا الشخص اللي بيجري على طول، بس أبوه بيوقف ويبص عليه. بيجري أقرب. فيه حاجة غلط بشكل رهيب في أبوه. وشه وقميصه مليانين دم وعيونه متوحشة وبتبص عليه بغرابة. بيشوف أمه بتختفي في الشجيرات وهي لسه بتطارد الشخص. لما بيبص تاني، أبوه بيهجم عليه.
"أبي؟"
أبوه مابيردش وبس بيعمل أصوات غريبة، زي أصوات الحيوانات المتوحشة. بيعرف بشكل غريزي إن فيه حاجة غلط بجد في أبوه و إنه لازم يهرب. بيجري للمكان اللي اختفت فيه أمه في الشجيرات وأبوه وراه على طول. لما بيطلع في فتحة في الشجيرات، بيشوف أمه لسه بتجري ورا الشخص. فجأة الشخص بيتعثر. اللحظة اللي بعدها أمه بتنط على الشخص. شكلها بتعض وبتخدش الشخص وهما بيتصارعوا بغضب.
الشخص بيقدر يفلت من تحت أمه، بيرفصها برجله، بينتزع، وبيجري. الصدمة بتهز قلبه لما أمه بتبص ورا وبتعمل نفس الأصوات بتاعة الحيوان المتوحش زي أبوه. بوش مليان دم بتهاجم وبتمسك بيه بعنف. بيتفاداها وبيدخل من جنبها وبيجري وراها مع أهله. الشخص المرعوب بيبص ورا. بيشوفها بنت صغيرة، سودا. وشها مش مليان دم و شكلها طبيعي. ليه بيجروا وراها؟ إيه الغلط فيهم؟
البنت بتجري دلوقتي في طريق ضيق لتحت منحدر. بوتا بيفهم إن ده الطريق اللي بيودي للمضايق. الدنيا مطرت جامد أمس، يبقى السيل هيكون فيضان. هما في طريق مسدود.
وهو بيجري وراها، بيحاول يصرخ تحذير باللغة الكوسا: "دي نهاية مسدودة قدام! السيل في فيضان!"
مابتردش وبس بتزود سرعتها. فجأة المية قدامهم وهما الاتنين بينطوا يائسين في السيل. بوتا بيشوف بني بس قدامه والسيل القوي بيجرفه. بيحس بجذع شجرة ضد كتفه وبيمسكه عشان الحياة أو الموت. بجهد هائل، بيشد نفسه لسطح المية وفي النهاية بيخلي راسه فوق وبتنفس بقوة و بياخد نفس بعمق. البنت قدامه بالظبط ماسكة في نفس جذع الشجرة عشان الحياة. فجأة بيتم جرفهم في اتجاه شجرة وقعت بالعرض في السيل ومافيش مساحة كفاية للجذع وهما الاتنين عشان يعدوا من تحتها.
بيسيبوا الجذع وبيعلقوا في السيل اللي بيهددهم إنهم يتسحبوا لتحت ويتم جرفهم لتحت. عشان الحياة والموت، بوتا بيصارع بقوة غاشمة ضد المية بركبته اليمين. في النهاية، بيقدر يحط ركبته في الطرف الأمامي من الجذع حيث المية بتضغط عليها ضد الجذع. بيساعده إنه يعلق رجله على الجذع عشان هو بجهد شديد بيقدر يشد نفسه ضد الجذع. في النهاية، بينجح في إنه يطلع من المية وعلى الجذع. بيبص ورا على البنت المرعوبة اللي متعلقة في الجذع بس المية قريب هتغرقها. بيمسك بيها من تحت إبطيها وهو بيعلق نفسه برجله في الجذع وبيساعدها في معركتها الوحشية مع الفيضان اللي مابيرحمش.
بالراحة بس أكيد، بتطلع لغاية ما في النهاية بيساعدها على الجذع. بيزحفوا مع الجذع فوق السيل للجانب التاني حيث بيطلعوا على الضفة ويبصوا ورا، مرتاحين. بوتا مندهش إنه بيشوف أهله مع مجموعة مجانين على الجانب التاني. بيتحركوا ذهابا وإيابا وهما بيبصوا لهم بإحباط. شكلهم مصممين إنهم يعدوا السيل، بيتقدموا بس عشان يقفوا ورا كأنهم خايفين إنهم يجازفوا ويعبروا السيل فوق الجذع عشان يتبعوهم.
بوتا بيمسك إيدين البنت وهما بيبصوا لبعض مرعوبين وهو بيشرح بلغتها: "هما خايفين زيادة عن اللزوم إنهم يعبروا السيل ويوصلوا لنا. حتى مش عايزين يعبروا فوق الجذع. تعالي معايا. أعتقد لازم نسيب الغابة. أعتقد إني أعرف المكان الصح اللي نقدر نسبح فيه في بحيرة واسعة محاطة بمنحدرات رأسية. أعتقد إننا هنكون في أمان لما نعبر البحيرة."
بتهز راسها وبيسأل. "أنتِ كويسة؟"
بتهز راسها تاني. بيشوف دم بينزف من دراعها اليمين لتحت لإيدها. بيرفع كمها وبيلاقي جرح بشع مكان ما أمه خربشتها بضوافرها وبتنزف بغزارة. فيه كدمات وعلامات أسنان على جلدها حيث اتعضت بشكل وحش.
"يا لهوي. يا حرام! إزاي عملت كده فيكي؟ إيه اللي بيحصل؟"
بيقلع التي شيرت بتاعه وبقوة غاشمة بيمزقه لحتت. هي بتسمح له بضعف إنه يربط دراعها.