107. المنطقة الشريرة
ده البركة رقم مليون لخمسين اللي يعوم فيها دونوفان بكل أغراضه في شنطة النجاة بتاعته. الليلة اللي فاتت، نام في كهف صغير. الشمس نزلت خلاص بعد ما وصل لمنطقة ما استكشفهاش بويتا لسه. جوناثان راح في الاتجاه المعاكس. دونوفان دلوقتي أبعد بكتير من أبعد نقطة وصلها بويتا. الليلة اللي فاتت، سمع طبل و تساءل ايه اللي ممكن يكون ده. كأن الطبل بيبعت رسايل. ما كانش متأكد إذا كان الصوت جاي من المضايق ولا من الغابة. الصبح، شكله مش حقيقي و بيتساءل إذا كان ما حلمش بيه.
بويتا في الأصل زار مزارع الحياة البرية المهجورة الكتير و جمع حاجات قيمة و رجع بيها كهفه. ده كان خطر كبير مع دوريات أكلة لحوم البشر في الغابة و ما قدرش يروح أبعد من أقرب مزارع قبل ما يضطر يرجع بسرعة. في الأصل، الوحوش ما كانتش منظمة كويس و قدر يجازف، بس في النهاية، بدأوا يشتغلوا سوا زي سرب. من وقتها، بويتا كان عنده شوية هروبات ضيقة و آخر مرة اضطر ينط من جرف لبركة عميقة عشان ينقذ نفسه. عمره ما زار المنطقة دي تاني بسبب المسافة من كهفه و التهديد على حياته.
دونوفان طلع نفسه من المية و شال شنطته. كل حاجة، حتى البندقية بتاعته، في الشنطة. فتح الشنطة عشان يطلع جزامه. بيلبس جزامه بس، و بيرمي قميص على كتافه، و بيلبس طاقيته عشان تحميه من شمس أفريقيا الحارقة. الباقي بيخليه في شنطته، شايلها على كتفه لحد ما يوصل للبركة اللي بعدها. ده بيساعد عشان النسيم العليل غالبًا بيداوي جسمه المبلول. بس الشمس بتلسع لغاية البركة اللي بعدها.
فجأة، حس بحاجة غريبة و بص حواليه. قلبه نط في زوره. رجّالين سود في سراويل داخلية ممزقة بيركزوا عليه و معاهم رماح في إيديهم جاهزين يرموا.
الراجل الكبير بيتكلم معاه بإنجليزي مكسر بلكنة غريبة: "نزل الحاجة دي و ارجع ورا..."
دونوفان سمع الكلام على طول. الشاب بيقرب منه و بيمد إيده عشان ياخد الشنطة بس الراجل الكبير بيوبخه بلهجة غريبة شوية بتفكر بلهجة الأصوات الغريبة اللي كوكو و بويتا بيستخدموها عشان يتواصلوا. الشاب بيسحب إيده بسرعة و بيستخدم رمحه عشان يرفعها بحرص. بشك، دلوقتي ماسكها على مسافة آمنة منه.
الراجل الكبير بيشاور بإشارة رمحه: "امشِ!"
دونوفان بيكشر عشان هو عريان تمامًا. كل حاجة لسه في الشنطة. حتى ما بيجرأش يرد و حافي القدمين بيبدأ يتعب عشان يمشي لقدام على الصخور الخشنة. كأنه في الأبدية و هو بيتعب لقدام على الحجارة السخنة. رجله بتتحرق و الشمس بتلسع جلده الأبيض بشدة. في النهاية، وصلوا لبركة تانية و بيبص لقدام لتجديد مية الجبل الباردة المحتمل. لما قربوا، شاف البركة محاطة بجروف شديدة الانحدار على كل جنب و في فرعين داخلين في رؤيته. مذهول، بيبص على الملاجئ عند المدخل للفرع الشمالي المبني على المنحدر الحاد تحت الجرف. عند مخرج البركة، أطفال عريانين بيلعبوا في الوقت اللي الستات بيغسلوا هدومهم. هدومهم المبلولة متركبة على الصخور السخنة في الشمس. دونوفان بيبص لفوق على المنحدر. تحت الجرف الرأسي، شوية رجالة كبار بيقعدوا قدام الملاجئ بتاعتهم اللي مصنوعة من أغصان و جلود. مذهولة، الستات دلوقتي بيتفرجوا على الراجل الأبيض العريان الواقف و إيديه قدام منطقته و حتى الأطفال بيوقفوا لعبهم و بيقربوا منه بفضول و بيضحكوا عليه. راجل عجوز بشعر رمادي و لحية رمادية كثيفة بيقوم من قدام ملجئه و بيصرخ في الرجالة اللي معاهم الرماح وراه.
الراجل الكبير اللي وراه بيأمر: "اطلع ورا الراجل ده!"
بيطلعوا على طريق ضيق و بيمشوا ورا صاحب اللحية الرمادية لقدام. هو بيقودهم على طول الملاجئ و الطريق لفوق و دلوقتي دونوفان شاف مبنى مخفي عالي في الشجر. ده بيت شجر و صاحب اللحية الرمادية بيقودهم على طول درجات خشبية شديدة الانحدار لفوق لمنصة. الملجأ فيه حيطان و سقف و فيه شرفة كبيرة. صاحب اللحية الرمادية بيشاور انه لازم يستنى و بينادي من خلال قماش عند المدخل. بيسمع صوت راجل بيرد و صاحب اللحية الرمادية بيشيل القماش و بيدخل جوه.
الراجل اللي ورا دونوفان بيأمر: "الحقوه!"
دونوفان بيدخل و بيتعب في الظلام المفاجئ. شوية نور داخل من الفتحات القليلة. في النهاية، شاف راجل أبيض و ست سودة على سرير بدائي على الأرض. بكل وقاحة، هما نايمين عريانين على الفراش. ده راجل في منتصف العمر و الست السودا العريانة نايمة نصها فوقه و نايمة. جسمها النحيف و الرشيق فوق أعضائه التناسلية و إيده على مؤخرتها. لما شاف دونوفان، عينيه اتفتحت بدهشة.
الشاب بينزل الشنطة على الأرض بالرمح بتاعه.
الراجل بيسأل بالإنجليزي و دونوفان بيتعرف على نفس لهجة بويتا، بس مش بارزة أوي: "أهلًا، أنا جان، واحد من قادة المجتمع ده."
بيشاور لصاحب اللحية الرمادية. "ده بهلي، واحد من القادة التانيين في الديمقراطية بتاعتنا. اسمك ايه؟"
"دونوفان."
"عندي أسئلة كتير يا دونوفان. بس أولًا: مين أنت و ازاي وصلت هنا؟"
دونوفان بيشرح: "الاثنين دول مسكوني مع الرماح بتاعتهم و جابوني هنا بعد ما عديت بركة."
بعلامة استفهام على وشه، بيشاور على اليمين. "يا بركة؟ ممكن تكون في الناحية دي بس، مش كده؟"
دونوفان بيومئ و بيشاور على اليمين و بيبين الاتجاه اللي جه منه.
جان بيومئ: "حظك حلو. بس ازاي جيت هنا و منين أصلا و ايه اللهجة الغريبة دي؟ أنت أمريكي؟"
"هليكوبر بتاعتنا وقعت في الغابة. أنا كنت الناجي الوحيد و اتسللت للمضايق و بدور دلوقتي على مخرج من المتاهة دي."
جان بيضحك بصوت عالي: "أنت بتدور على مخرج!!" بينفجر من الضحك.
البنت الصغيرة دلوقتي صحيت و بعيون نعسانة و تجهم، بتبص على دونوفان.
بسخرية جان بيتكلم: "آسف لأني خيبت أملك يا صاحبي. مافيش مخرج من الجحيم ده. احنا محاطين بوحوش مجنونة في كل مكان في الغابة اللي بتحوطنا و كنا محظوظين لغاية دلوقتي بس. لازم نعيش هنا بس. الوحوش مش بتوصلنا هنا. لازم تنضم لينا. ده أحسن حاجة ممكن تعملها. آسف أنهم اضطروا ياخدوك عريان لهنا، بس احنا مش بنثق في الناس و حاجتهم عشان اللي بيجرأوا يدخلوا الغابة و يقابلوا وحوش، يا بيتقتلوا يا بيتفوا عليهم، يتخدشوا أو يعضوا و كده بيبقوا تعبانين أوي و بيتغيروا لوحوش في ليلة. حاجتك ممكن تكون مصابة. احنا ما نعرفش حاجة عنك. امتى هربت للمضايق؟ حصل بينك و بين الوحوش أي تواصل؟"
"وصلت هنا من كام يوم و ما حصلش أي تواصل مع أي وحوش."
"ليه هربت للمضايق؟ في حاجة طاردتك، مش كده؟"
دونوفان بيحاول يخلي قصته بسيطة و يقرب من الحقيقة على قدر الإمكان من غير ما يخون أصحابه. هو ما يعرفش ايه اللي يتوقعه من الناس دي. "مرتزقة كانوا ورايا و عومت في بركة عميقة محاطة بجروف شديدة الانحدار عشان أتجنبهم."
مذهول، جان بيكشر. "مرتزقة؟ ايه السبب في هربك من الغابة و مين المرتزقة اللي كانوا بيطاردوك؟"
دونوفان بيكشر. "كنا بندور على المرتزقة عشان خطفوا ناس مهمين أوي كانوا في رعايتنا. شوفنا عربياتهم من الجو و هما كانوا قاعدين فيها بالليل و لما نزلنا نتحقق ضربوا على الهليكوبر و كسروها. اضطرينا نعمل هبوط اضطراري، وقعنا و أنا الناجي الوحيد. المرتزقة كان عندهم موعد مهم أوي و ما كانش عندهم وقت يحاولوا يلاقوني. ما أعتقدش أني مهم أوي بالنسبة لهم. أنا متأكد أنهم رجعوا خلاص للموعد المهم بتاعهم."
جان بيهز راسه و بيكشر. "قصتك مش منطقية. ازاي المرتزقة بيعيشوا في الشجر وسط الوحوش؟"
"عندهم عربيات ضد الرصاص، بس عشان أقولك الصدق، أنا ما أعرفش. الوحوش ممكن تكون غلبتهم و قتلتهم، ده كل اللي أعرفه. كل اللي أعرفه أني اتطاردت للمضايق منهم من حطام الهليكوبر بتاعتنا. مشيت ورا مجرى عشان ما كنتش عايز أسيب آثار و المجرى انتهى في بركة عميقة بجروف رأسية على كل جنب. عومت و دي الطريقة اللي يبدو أني نجيت بيها منهم."
"و ما قابلتش وحوش في الغابة؟ لازم تكون حاولت تهرب من المضايق عن طريق الغابة في حتة ما؟"
دونوفان بيفكر بسرعة. "لما كنت متأكد أن المرتزقة مش هيصرفوا وقت أكتر عشان يحددوا مكاني، حاولت أتسلق كام حتة بس في كل مرة شوفت الغابة بتعج بالناس الغريبة اللي بتستناني. دلوقتي بدور على فرع بينتهي في حتة ما فيهاش شجر."
"دلوقتي قوللي. ايه اللي بيحصل؟ ليه الناس بتتغير لوحوش أو ده بس في منطقتنا؟"
"وباء اجتاح العالم كله. معظم الناس في كل العالم اتغيروا لوحوش و المجتمع زي ما كنا نعرفه انتهى."
"إذا كان كده، ازاي ركبت هليكوبر و ازاي المرتزقة جابوا عربياتهم؟ ازاي عشت الوباء؟"
القصة دلوقتي بتتعقد أوي. "شويه ناس كانوا عارفين قبل الوباء ما يجي. أسسوا مجتمع مزرعة بيحرسه جيشنا. كنت جزء من الطاقم اللي كان لازم يجيب الناس دي من مخبأهم في بورت إليزابيث لقاعدة الجيش دي، بس بعد كده المرتزقة خطفوهم قبل ما نقدر نرجعهم."
"ممكن تطمني أنك ما حصلش بينك و بين أي آكل لحوم البشر أي تواصل؟"
"مستحيل! شوفتهم بس من بعيد. ممكن أرجع حاجتي دلوقتي عشان أقدر ألبس؟"
"مش بسرعة أوي..."
جان بيدي أوامر للشاب اللي دلوقتي بياخد الشنطة بإيده و بيديها لجان. بيطلع البندقية و بيدرسها قبل ما يطلع باقي حاجات دونوفان و بيحطها على الأرض قدامه.
"يبقى أنت عسكري عملي يا دونوفان؟"
"أنا..."
"احنا محتاجين لمواهبك بجد. زي ما قولت، كنت محظوظ أوي. رحت للمضايق على اليمين بتاعتنا و مش لفروع المضايق اللي على الجنب التاني للبرك على شمالنا. لحسن حظك، احنا الفاصل بين الجزء الحلو و الجزء الشرير من المضايق و قدرنا نوقفك. احنا بنخلي الشر بعيد."
دونوفان بيهز كتفه. "مش فاهم."
"أنت فاكر أن الخطر في الغابة اللي فوق؟ صدقني، مش عايز تقابل البرابرة المتعطشين للدماء في المضايق اللي على الشمال. اللي فوق دول بيخافوا من المية العميقة و الشمس الحارقة في المضايق و بيبعدوا عن هنا. هما متوقعين زي الحيوانات. لازم نكون حذرين بس عشان بالليل بيزورونا من المضايق السهلة الوصول ليها و هما بيدوروا على فريسة تايهة. احنا آمنين طالما احنا مقطوعين بالجروف و البرك بالليل. البرابرة أخطر بكتير. هما أذكية و عاديين زينا بس شريرين أوي. عندهم قائد مجنون وحشي، موردوك، و هما بيعملوا حاجات بشعة. موردوك طاغية متعصب بيحكم بقبضة من حديد. هو ببساطة دمر مجتمعنا المسالم زمان و احنا اضطرينا نهرب من المنطقة دي و المجتمع ده اتكون من لاجئين و هاربين من المنطقة الشريرة. اتجمعنا هنا و أسسنا نفسنا هنا عشان ده أحسن مكان نقطع فيه موردوك."
"الحراس بتوعنا اللي بيشتغلوا 24 ساعة بيتبادلوا الأدوار و الطبل بتاعنا بيحذر لو شافوا أي حاجة غريبة بتقرب منا من المنطقة دي عبر البرك العميقة. لما الطبل يدينا تحذير، أصحابنا الأقوياء بيشغلوا بسرعة منصات خاصة بنيناها ضد الجروف. المنصات دي بتمنع أي متسلل من المنطقة الشريرة انه يوصلنا. رجالتنا بيرموهم بمقاليع بتضرب صخور عملاقة زي المدافع. و برضه بالاقواس و السهام و لو قربوا أوي، بنرميهم بالرماح و السيوف. هتكون آخر خط دفاع لينا بالبندقية القناصة لما يخترقوا آخر دفاع لينا."