11 – المسلخ
واقفة قدام باب بيتها وبتتأمل في شارع بيرد. ما فيش أثر لـ"أحمد". وين راح؟ الدنيا اتأخرت.
يا دوب راح يغير لبس المدرسة ويغير لـ”لبس كاجوال” ووعدها إنه هايجي ياخدها بعدين. في حاجة غلط! جالها مكالمات كتير من تليفونه، بس ما ردتش عشان تليفونها كان في الأوضة وهي بتعمل أكل بسرعة في المطبخ والراديو كان شغال.
يا خراشي! يا ريتني سمعت المكالمات! وبتفكر ليه ما بعتلهاش رسالة، دلوقتي هي ضايعة. حاولت تتصل بيه بعدين، بس رد آلي، لحد ما البطارية خلصت.
عايزة تصرخ من الإحباط والقلق، وقررت لازم تروح بيته في بارك درايف. بدأت تمشي بسرعة. إيه لو يكونوا مسكوا "أحمد"؟ افتكرت إن الكتيب لسة في أوضتها. "أحمد" اداهولها لما كانوا في فياسا عشان تحافظ عليه لحد ما يكون عندهم وقت يرجعوه. في حاجة بتشدها عشان لازم توصل بيت "أحمد" في أسرع وقت وتشوف هو بخير ولا لأ. الكتيب هايستنى، هايجيبوه بعدين.
يمكن حصل حاجة غير متوقعة، وأمه محتاجاه ضروري، وحصلت حاجة غلط في تليفونه. يمكن هو بخير في البيت؛ وهل الكتيب مهم أوي للرجالة الخطر دول؟ بعدين افتكرت التحذير في الصفحة الأولى بالسانسكري: “رجعه مكانه اللي لقيته فيه قبل ما الدنيا تخلص، ولو الشيطان زارك، ما تبصش في عينيه”. فياسا كان مصمم إنهم لازم يرجعوا الكتيب فوراً قبل ما اللعنة تصيبهم.
يا ريتهم كانوا سمعوا الكلام!
بدأت تجري.
~*~*~
رحلة صعبة، و"أحمد" لازم يستعمل إيديه عشان يسند نفسه ويمنع إنه يقع. الراجل لسة بيبص عليه بعيون باردة وكارهة، وقاعد جنب الباب المنزلق، بيسد أي فرصة للهروب. إيه اللي بيخططوا له؟ هل الكتيب مهم أوي كده، ولا قتلوا الراجل العجوز وعايزين يتخلصوا من شاهد عيان؟ ده لازم يكون السبب إن الراجل ما بيسألش عن الكتيب، وبس بيأمر إنه لازم يهدى.
يمكن رايح لمكان إعدامه. تحذير فياسا بيرن في ودانه دلوقتي: فيه لعنة على اللي بيحتفظ بالكتيب، وبعدين الكلمات الغريبة دي اللي ما حدش فيهم فهمها: “… لو الشيطان زارك، ما تبصش في عينيه”.
هل هايقابل الشيطان؟ يمكن الرجالة دول معاهم تعليمات يجهزوه للشيطان!
بيرتعش لما بيفكر في العيال بتوع الشارع اللي عيونهم غريبة اللي كانوا بيتبعوه، وبيراقبوه بعيونهم الزرقا وبيتصرفوا زي الزومبي. فياسا حذرهم إن ساحر شؤم يمكن يكون زعيمهم. إزاي الرجالة دول لقوه بالسهولة دي؟ كان متأكد إنه فلت منهم أول ما باب الأسانسير اتقفل. بعدين شاف تاني العيون الزرقا بتاعة الولد اللي بيبص عليه لما باب الأسانسير اتقفل. وافتكر عيون الولد اللي بص عليه لما خرج من الأسانسير وبعدين اتبعه.
“لو الشيطان زارك، ما تبصش في عينيه…”
بيرتعش وقشعريرة في كل مكان.
لو عايزين يقتلوه، ما فيش سيطرة على كده. لو عايزين بس الكتيب، معاه ورقة رابحة لازم يلعبها بذكاء قدر الإمكان. المشكلة إنه عايز يرجع الكتيب من غير ما يعرض "كادي" للخطر عشان المصيبة دي معاها. لو رجعه، إيه الضمان إنه ما هايصفوش كل الشهود؟
الـ”فان” لف فجأة بقوة ووقف. "أحمد" مش شايف حاجة وتجاهل الراجل اللي بيبص عليه ببرود. الـ”فان” ثابت لثواني وبعدين اتحرك فجأة لقدام بس وقف تاني. الأبواب الأمامية اتفتحت وبعدين اتقفلت. هل وصلوا لمكانهم؟
الراجل اللي في الكابينة فتح الباب المنزلق ونزل. مشي لورا وأشار لـ”أحمد” ينزل من الـ”فان”. "أحمد" نزل بحذر ومعاه شنطة المدرسة لسة على كتفه وبص حواليه.
هم في مخزن فاضي، ضلمة، مع أبواب جراج كهربائية كبيرة بتترفع فوق. النور الوحيد جاي من الشبابيك اللي جنب السقف.
الرجالة الاتنين اللي مع الراجل واقفين على كل جنب من الـ”فان” وبيراقبوه كويس. معدته بتتلوي، وحاسس بإحساس مقرف لما شاف حبل متعلق من السقف العالي مع باقي الحبل مكوم على قطعة بلاستيك على أرضية الأسمنت. هل هايعدموه ويتخلصوا من جثته ولا هايعذبوه والبلاستيك ده عشان الدم ما يبهدلش الأرض؟ فيه مقعد صغير محطوط تحت الحبل مباشرة. هل بيخططوا يشنقوه؟ مش شايف حلقة في الحبل.
الراجل اللي من الـ”فان” اتكلم لأول مرة بلكنة غريبة: “اقلع كل حاجة وحطها في الـ”فان”، ومش هاعيد كلامي”.
“أحمد” حط شنطته في الـ”فان” وبص ورا للراجل، بس شكله بيبص لقدام لأي عذر ممكن "أحمد" يقدمه عشان يضايقه. التردد مش فكرة كويسة! قَلَعَ البليزر وبعدين القميص، وهو متضايق. قلبه بيدق بجنون وحاسس بدوخة من الخوف. إيه اللي بيخططوا له؟ واقف من غير لبس من فوق، وبيتردد وبص للراجل.
“الأحسن تسرع…”
قَلَعَ جزمته وجواربه وحطهم في الـ”فان”. أرضية الأسمنت الباردة بتخليه يدرك الواقع. قَلَعَ بنطلونه وهو متضايق وواقف بس بالـ”أندر بانتي”. بص للراجل مع سؤال على وشه: ممكن أحتفظ بالـ”أندر بانتي”؟
الراجل ما عندوش رحمة: “كل حاجة!”
قَلَعَ آخر قطعة من الاحترام وواقف عريان ومش مرتاح، وإيديه قدام أدواته. ليه لازم يكون عريان؟ هل ده جزء من تعذيبه ولا عشان لبسه ممكن يترك دليل جنائي لما يسيبوا جثته العريانة في مكان تاني؟ الراجل لف وبص للمقعد والحبل. “امشي لقدام واطلع على المقعد الصغير ده”.
"أحمد" سمع الكلام ومشي على أرضية الأسمنت الباردة وصعد على المقعد. قلبه بيدق بسرعة في صدره، وعرق خفيف بيتكون على جبهته. بقلق بيسمع وبيتوقع ضيق. يمكن طعنة بالسكينة أو ضربة تكسر العظم بعصاية البيسبول. ولا هايخنقوه؟ حاسس بعريانه أكتر وبشدة ولازم يركز عشان ما يرتعش من الخوف. الإحساس ده بيغلب عليه لدرجة إنه بيبدأ يحس بدوخة.
قلبه كاد يتوقف لما واحد منهم أخد دراعه الشمال والتاني دراعه اليمين. بصدمة شاف إنهم هما مساعدين الراجل. رفعوا دراعاته وربطوا معصميه ببراعة كأنهم كانوا بيتمرنوا على كده قبل كده. هل دايماً بيعاملوا أعدائهم كده؟ كل واحد فيهم مشي للجوانب المعاكسة من المخزن. ربطوا الحبل حول مسامير في الحيطان. بعدين شدوا الحبل أكتر وأكتر.
"أحمد" حاسس إزاي بيشدوا دراعاته على طول لحد ما كتفه بيتمدد بشدة. بيعض على سنانه لما الحبل بيقطع في معصميه بألم. قبل ما يصرخ من الألم، هم راضيين وربطوا نهايات الحبل. هو دلوقتي عارف إنهم بيخططوا للتعذيب؛ بس ليه ما بيسألوش عن مكان الكتيب؟ يمكن عايزين يتأكدوا إنه أدرك يأس موقفه، وأنه هايكون وديع زي الحمل لما يشتغلوا معاه.
بعدين سمع صوت دوي عالي وقلبه نط في زوره لما المقعد اتركل من تحته وخبط بصوت عالي على أرضية الأسمنت. لازم يكون الراجل التالت اللي عمل كده. هبط فوراً في وضع الصليب اللي بيشد كتفه بألم، ولازم يوازن نفسه على مقدمة كعب رجله ويستعمل عضلات بطنه. بيدي شوية راحة من الشد في كتفه ومعصميه. هو مدرك إن عضلات بطنه هتتعب قريب، وإن الوضع ده هايصبح مؤلم أكتر كل ثانية. بس بيدعي إنهم ما يزودوش الشد بشد الحبل أكتر عشان القبضة على معصميه مؤلمة ومش مريحة.
بعدين صوت من ورا: “اسمك إيه؟”
"أحمد" بلع وحاول يطلع اسمه بس حلقه ناشف. سمع صوته هو نفسه أجش ومهزوز: “أحمد…”
“إيه؟”
نظف حلقه وحاول تاني: “أحمد…”
"أحمد" بيسمع بتركيز وبيحاول يعرف إيه اللي بيحصل وراه. أمل إنه يتفاوضوا قبل ما التعذيب يبدأ. ليه ما بيسألوش عن الكتيب؟ التفسير المعقول الوحيد اللي ممكن يلاقي هو إنهم بيجهزوه للقائد. بانتباه بيسمع، بس كل شيء هادي وراه. بعدين سمع أصوات كأنهم بيلعبوا بحاجة في الـ”فان”. يمكن بيبحثوا في شنطة المدرسة بتاعته.
فجأة فيه انعكاس نور على الحيطة اللي قصاده، ونسيم خفيف بيلامس جسمه العريان. واحد يمكن داخل من باب جانبي. هل ده ممكن يكون القائد؟ دلوقتي هو بيسمع همسة خفيفة وراه، وبعدين كل شيء هادي تاني. فياسا بيصدق إن الناس دول جزء من عبادة غير مقدسة، والقائد ساحر قوي.
“… لو الشيطان زارك، ما تبصش في عينيه.”
"أحمد" خاف وارتعش عشان أطراف أصابع مثلجة لمست جلده بخفة، وبتغيظ تحت إبطه، وببطء بتداعب جنبه، وفوق معدته، وبعدين بخفة شديدة فوق مؤخرته، وبعدين اختفت عشان يرتعش لا إرادياً، وعضلات ظهره وبطنه انكمشت بألم. هو دلوقتي حاسس بالعجز والاعتماد على رحمتهم.
صوت خشن، غريب، أجش، همس بالانجليزي في ودنه اليمين، و"أحمد