111. التحذير العاجل
يولاندي، قاعدة على حافة سرير ديون، لسه مصحيّه. بتبصّ عليه بعيون كبيرة. "كل البلطجية في عالم الأحلام والنور طفوه في مساكن العمال. يارب ما تزعلش مني بس أنا عدّلت عشا الجنود. كلهم نايمين دلوقتي. هي دي فرصتنا يا حبيبي!"
ديون بيكشّر وهو نص صاحي. "إزاي نتأكد إن الحراس في أبراج المراقبة نايمين كمان؟"
"أكلوا نفس العشا اللي أنا عدّلته بحبوب منومة. مش بس ادّيتهم غدا قليل، جهّزت أحلى عشا. استنيت العشا وحراس البرج جم وأكلوا نفس الأكل. وقفت واتفرجت عليهم وهما بيفضوا أطباقهم. وكمان الناس النصّابين اللي ماسكين كل حاجة هنا."
ديون يبتسم، يشدّها ناحيته، ويحطّ بوسة صغيرة على خدّها. "أنا مصدوم. أنتِ اللي أقنعتيني زمان أرقص على نغماتهم، ودلوقتي فجأة بتعملي كده في السر."
"ما قلتش لحد، ولا حتى أنت. أنا مرتاحة أوي إنك مش زعلان مني. بس في حاجة وحشة في بالي يا ديون. ماذا عن عمالنا؟ هل حنسيبهم؟ ما عدّلتش أكلهم لأني خفت أدوّيهم جرعة زيادة. بس أنا حطّيت حبوب منومة كتير في أكل النصّابين. عملت أكلنا وأكل العمال على جنب، مع شرح إني باستخدم الأكل احلو لهم بحذر عشان يستمتعوا بيه."
ديون يكشّر. "مش متأكد من ولاء عمالنا، يولاندي. حتبقى مخاطرة كبيرة أوي لو رحنا مساكنهم دلوقتي."
"عارفة، وأنت معاك حق. الرجالة دخلوا في عمق مؤخرة الوحش جوس. بيموتوا رعب منه، مش مهم إذا كان بعيد عنهم دلوقتي. خايفين أوي إنّه يسمع عنهم أي حاجة سلبية لما يرجع، خاصة بعد ما حراس البرج بوظوا الدنيا أوي. زعلانة على ياسمين وجاكي اللي معايا طول النهار. حاحس بشعور وحش إني أسيبهم كده."
ديون يبتسم ويداعب شعر زوجته الشقراء الجميل. "عارف، شايف إن في بينكم علاقة قوية، بس دلوقتي هما نايمين مع أزواجهم في السرير، وده مش خيار بالنسبة لنا. لو أزواجهم مش عايزين يجوا معانا ويبوظوا كل حاجة؟ وقتها حنكون في ورطة كبيرة."
"إيه اللي حنخده معانا؟ أنا عبّيت حاجاتنا الضرورية في شنط، وخبّيتها في دولاب، بس ماذا عن المؤن، إلخ؟ حنكون تحت رحمة الأيوود والقيادة العسكرية عشان يسمحوا لنا ندخل."
"الأيوود عمرهم ما حيرفضونا، أنتِ عارفة كده."
"مش عارفين إيه نتوقع من القيادة. هو اللي مسؤول هناك."
"أنا متأكد إن الأيوود حيصرّوا علينا إننا نُقبل."
"إيه لو معندهمش سكن لنا؟ لازم ناخد القافلة معانا. بس نوصلها بواحدة من سياراتهم الرانجر السودا. العربيات دي قويّة. لو ما سمحوا لنا ندخل، ممكن تنفعنا."
ديون يهزّ رأسه. "حيكون أسرع وأأمن إننا نمشي بعربية واحدة بس، بس أنتِ معاك حق. خوفي الوحيد إن العمال مش كلهم نايمين، ويسمعونا ويعملوا إنذار. اسمعي، حاأقصّ حبل وأربط الجنود واحد ورا التاني قبل ما آخد أسلحتهم ومفاتيح العربية والقافلة. سلاح، مسدس مع ذخيره كافية، سكينة، وسيف لكل واحد فينا. بعدين نحمّل العربية بأكل معلب، لحمة مجففة وناخد أكل فاسد يكفي لتلات أيام قبل ما نشغّل العربية ونهرب بيها. لو واحد من العمال عمل إنذار، حنكون مستعدين بأسلحتنا لأي حاجة ممكن تحصل."
***
الساعة نص الليل لما لايل مع الجنود بيقربوا منهم من البوابة الرئيسية. لايل بيشوف الرانجر السودا، بتجرّ وراها قافلة، بتستنى في ضوء الأضواء الكاشفة الساطعة. على طول لايل بيتعرّف على عيلة سونيكوس من الشباك الأمامي، ويبتسم باستغراب. بيجري على شباك السواق بس جندي بيمسكه في الوقت المناسب، وبيمنعه، عشان يضطر يتكلّم من بعيد للشباك. "عمّي ديون وعمتي يولاندي، دي مفاجأة! آسف، هما مهووسين بالوباء. عشان كده بيخلّيني ورا. ممنوع أقرب منكم قبل ما تقضوا وقت في الحجر الصحي. العقيد بعت معايا جندي عشان أجي وأتعرّف عليكم. آسف إنكم اضطريتوا تستنوا متوترين."
ديون، وهو مرتاح، بيبصّ على الشاب، بينما يولاندي بتهزّ له بشكل وديّ. "فرحانين إننا شوفناكوا. كلكوا لسه أصحّاء زي الفل؟"
وش لايل بيتغيّر لما بيطلع عليه تعبير قلق عميق، وهو بيردّ شوية مش متأكد. "قلقانين أوي على كلوي وعمّي هنتر. راحوا مع كلاب وكام جندي في كاسبير مع الأمين اللي بيدوروا على الطفلين المفقودين. حاولنا نقنعهم إنّها خطيرة أوي، بس أنت عارف كلوي وعمّي هنتر، محدش يقدر يقول لهم حاجة. عمّي إسحاق في حالة. العقيد منعهم من إنه يروح معاهم. موريسون، العقيد، قال إن الدكتور مهم أوي لرفاهية مجتمعنا. بالرغم من إن عندنا دكتور خاياه، بس هو شايف إنّنا ما نقدرش نحصل على دكاترة كفاية في وسطينا." لايل بيغمز وهو بيقول: "في رأيي، شكله عنصري شوية."
يولاندي بتتكلّم بصوت عالي من جنب ديون: "يا حرام، الدكتور المسكين. الاتنين دول ما ينفصلوش. أنا متخيلة. دايما بيبانوا كأنهم بيحبوا بعض أوي، كأنهم لسه متجوزين."
لايل بيبصّ بجدية. "أيوه، دلوقتي عمّي إسحاق شكله من غير بريق وغرقان في التفكير زي الزومبي. مش متعودين على ده، بس الباقي كويسين والمزرعة ماشية كويس، وأنتم أكتر من مرحّب بيكم. إيه اللي بيحصل عندكم؟ تفتكروا إن كلوي طلبت منكم إنكم تيجوا وتقعدوا معانا؟ هل خلص الأكل؟"
ديون يكشّر. "دي قصة طويلة يا بني. بس عندي إحساس إن أنت كمان عندك كتير تحكي لنا."
يولاندي بتميل على ديون: "أنا فضولية. أعتقد إني أعرف الأمين اللي بتتكلّم عليهم. ده مثير جداً. مش قادرة استنّى أسمع القصة كاملة."
لايل مستغرب: "بجد؟ إزاي تعرفيهم؟"
ديون يهزّ رأسه. "قصة طويلة يا بني! لازم نتكلم كتير بعد الحجر الصحي. عندنا كتير نقوله، وأنا متأكد إن العقيد بتاعك فضولي يعرف التفاصيل. مزرعتنا سيطر عليها مجموعة من الجنود، ومقدّرش نهرب إلا الليلة."
عيون لايل بتتسع في دهشة. "إيه؟ أي جنود؟"
"نعتقد إنهم مرتزقة. مجموعة بريّة وقاسية في لبس غريب. مش عايزين تقابلوا قائدهم. صدّقوني، هو نصّاب بشعّ، الكل بيخاف منه موت. عشان كده مقدرناش ناخد معانا واحد من عمالنا. بيخافوا منه موت، ومش متأكدين من ولاءهم دلوقتي."
"يا لهوي يا عمّي. دلوقتي حيفتحوا البوابة، ويا ريت تلحقونا لكابينة حجر صحي خاصة، مجهزة خصيصاً لخدمة الناس اللي بينضموا لنا. حيكون عندك تواليت ومطبخ خاصين. أعتقد إنّهم حيحتجزواكم هناك بس عشان يتأكدوا إنّكم آمنين، وبعدين حياخدوكم لبيت متنقّل جاهز لكم. لما بنينا المعسكر، توقعنا إن المجتمع حيكبر في الحجم. هل أكلتوا وشربتوا، وهل عندكم مؤن كافية في الوقت الحالي؟"
"اتعشينا وجبنا كل حاجة ممكن نحتاجها معانا. حتّى منتجات طازجة لتلات أيام على الأقل."
"في جميع الأحوال حانوصل لكم مشروبات الصبح. مرحّب بيكم جداً في مجتمعنا. مش حتندموا. عندنا أروع الناس هنا، بيساعدوا بعض وبيعتنوا ببعض. عملنا صداقات مع كام شخص مثير للاهتمام، وكل واحد بيستخدم قدراته الخاصة لتقديم خدمة فريدة للمجتمع."
ديون يبتسم. "مبسوط أسمع كده. أتمنى إنّك تسمح لي أساعدك في شغل المزرعة الصعب يا بني."
لايل يبتسم: "أنت عارف يا عمّي. أنا لوحدي في الموضوع ده. أنا المزارع الوحيد هنا، وحيكون جميل إننا نحط راسنا مع بعض."
"دلوقتي أنت بتتكلّم صح."
"وبسيرة الموضوع ده. عندنا عمّي مفيد أوي، حتّى بيبسّ عمّي روني تحت."
"إيه؟ أنت بتهزر أكيد. محدش يقدر يعمل كده. هو في مناسبات كتير بيجي ويساعدني لما أتزنّق في حاجات فنيّة. تفتكر اليوم اللي الجرار بتاعي ما اشتغلش؟ جه وساعدني. حتّى النهارده أنا ممتن جداً."
"لا، بجد يا عمّي. عمّي أنتوني عامل طواحين وبيصلّح أي حاجة وبيجمّع أغرب الحاجات، مش حتصدّقني. اليوم اللي فات عمل مولّد بخار بيشتغل بالخشب. عمل مرجل خشب بيقلّب تلات ماكينات جزّ بالعادم اللي بتدوّر مولّد كهربا. البخار بيمشي عن طريق فتحات شمعات الإشعال، وبيتم التحكّم فيه عن طريق مفتاح القصب على دولاب الموازنة. حتّى في الأيام الممطرة، نقدر نشحن بنوك البطاريات بتاعتنا بالخشب لما تكون فيه أيام ممطرة لوقت طويل مع شوية هوا. وهو بيعرف كل مركبات الجيش أحسن من هنا. العقيد بيستخدمه حتّى عشان يساعد ميكانيكيين الجيش لما يواجهوا مشكلة في حاجة."
"يا لهوي يا لايل، شكله عندك فريق صحّي جداً مع ناس مثيرين للاهتمام."
"أيوه، مثيرين جداً ومرحين. مش حتصدّق. عمّي أنتوني عنده مرات سودا صغيرة، نونكوزي، أحلى إنسانة. كتير بتساعد في العيادة. بتزور وبتعتني بالشيوخ والأطفال والناس بيحبوها جداً."
يولاندي بتميل. "شيّق، أنت بتخلّينا فضوليين جداً، مش قادرة أستنّى أقابل كل الناس دي."
***
روجي يكشّر على هاينريش. "أنا متأكد إن العقيد عايز يسمع الرسالة دي فوراً. عشان كده اتصلت بيك."
التطبيق اللي عمله هاينريش، بيفكّ شفرة شيفرة مورس اللي اتسجلت على موجة قصيرة وبيتكلّم بصوت معدني. هاينريش بيسمع أول رسالة اللي استقبلوها عن طريق كلاوس من ألمانيا.
كامالا في نيويورك نجحت في النهاية في إرسال التردد والشفرة السرية لكلاوس، ودي أوّل اتّصال لهم بألمانيا. "كلاوس من ألمانيا. دي رسالة لموريسون جنوب إفريقيا. قلقانين جداً إنّكم تجاهلتم رسالة كامالا. مش عارفين ليه ما هاجموش قاعدتكم، لأنّكم آخر قاعدة بتشتغل علناً. يمكن كانوا عايزين يتعقبوا الباقي مننا، ودلوقتي كل قواعدنا اتدمرت، و بس كام ناجي قدروا يهرب وراحوا تحت الأرض زي كامالا وكلاوس. بنعيش إننا بس بنتحدّى آكلي لحوم البشر خلال الليل عشان نحصل على المؤن.
"نعرف إن عندكم في المزرعة خضروات طازجة، فواكه، ومنتجات ألبان، وعشان كده متردّدين تتحركوا، بس للأسف حتضطروا تعملوا ده قريب قبل ما يعني نهايتكم. حتضطروا، زيّنا، تروحوا تحت الأرض وأنتم ما زال عندكم الفرصة. اتحركوا لو ممكن الليلة خلال الليل، واختفوا قبل ما ضوء النهار يكشف موقعكم.
"مقدرناش نفهم إزاي العدو قدر يكتشف كل مواقع قواعدنا، ويعرف كل تحرّكاتنا. مفيش إلا تفسير واحد لده. العدو ما دمّرش الأقمار الصناعية، بس استولى عليها وقطع الاتصال العادي. بيشوفوا كل حاجة من السما. مش أمانين في العلن، وحتضطروا تتحركوا بشكل عاجل. حتضطروا تدمروا كل علامات وجودكم هناك، وتختفوا من عيون الأقمار الصناعية.
"ده معناه ما فيش أنوار فوق الأرض، أو نار خلال الليل، وخلال النهار، ممكن تعيشوا بس مختفيين تحت، على سبيل المثال، غابات، اللي بتدي مكان اختفاء كافي. النيران ممكن تتعمل بس بالنهار، وبطريقة إن الدخان ما يكشفش موقعكم. العدو بيشوف كل حاجة من السما. حتضطروا تجيبوا مُرسل بيشتغل من موقع بعيد عن قاعدتكم، لأن البرج كمان ممكن يكون دليل."
هاينريش يكشّر بشدّة، ويهزّ رأسه. "دي أخبار وحشة أوي، وحشة أوي. بتساءل إيه اللي حيعمله العقيد في ده."