89. ثمانية صلبان
الشمس بتحرق فيهم لما بوتا وقف و بص ورا على البنت السمرا. شكلها تعبان و هو بيفكر يا ترى تقدر تكمل ولا لأ. كان يوم مرهق. يادوب وصلنا للمكان ده. البسين اللي كان بالنسبة له زي حتة مية هادية، النهاردة بقى نهر خطر، بيلف و بيدور. خاف انهم ما يعرفوش يعدوا البسين و هما عايشين. بس ما كانش فيه اختيار، لأنهم كانوا محاصرين بمجموعة مجانين كانوا بيلحقوهم. ما كانش فيه اي اختيار غير انهم ينطوا في المية و يسلموا نفسهم للتيار القوي.
اتفاجئ ان البنت السمرا الصغيرة دي بتعرف تعوم كويس اوي و فرح لما قدروا، بمساعدة اغصان متشابكة، يطلعوا نفسهم من النهر. بعدين مشيوا على طول النهر لجوا الخوانق بصعوبة. أوقات كانوا لازم يمشوا على ضفاف ضيقة لفوق شوية. كانوا بيمشوا بالراحة اوي عشان النهر الواسع، الهائج ما كانش فيه مكان كتير و كأنه مستنيهم يفقدوا توازنهم و يقعوا في المية و يغرقوا.
في النهاية، عرفوا يوصلوا للرافد ده من الخوانق، حيث النهر كان أعمق و كان ممكن يطلعوا فوق الصخور أسهل. كانوا بيدوروا على شق عالي في وش الصخرة، بحيث يقدروا يناموا فيه بأمان طول الليل.
الشمس دلوقتي بتلسع من فوق و البنت واضح انها بتضعف اكتر و اكتر و بتمشي ببطء شديد.
بوتا مستنيها وهي بتمشي على مهلها ناحيته. كلامهم كان قليل اوي لحد دلوقتي و حس انه ده الوقت المناسب. مسكها من كتفها و بص في عينيها.
"اسمي بوتا. اسمك ايه؟"
بعيون تعبانة، بصت له و حاولت تنطق اسمه: "بوتا... بوتا؟"
"ايوه، كويس اوي، بوتا، اسمك ايه؟"
"كوكو."
"كوكو، شكلك تعبان اوي. لازم نلاقي مكان نرتاح فيه قريب عشان ما اعتقدش انك تقدري تكملي قبل ما تفقد الوعي."
هزت راسها بهدوء.
"تعالي، اركبي على ضهري. انا هحملك شوية و انا ماسك رجليكي. امسكي في كتفي، اوك؟"
طلعت على ضهره و كملوا. "ساعديني ندور على مكان عالي بما فيه الكفاية عشان نقدر نقضي فيه الليل."
بوتا حملها شوية كويسة لما فجأة اتكلمت من ورا ضهره: "هناك، بوتا، هناك. بص..."
بص للمكان اللي ايدها بتشاور عليه و شاف كوخ غامق على وش الصخرة فيه ضفة ضيقة ممكن يمشوا عليها لحد مدخله. شكله كويس و هو طلع بالراحة و بثبات على طول الضفة و معاها على ضهره و وصل للكهف فيه مكان كفاية و شوية سقف فوق راسهم. نزلها.
شكلها ضعيفة اوي كأنها عايزة تنام بس بتعمل ايماءة انه لازم يقرب منها. عايزة تهمس حاجة في ودنه.
قرب ودنه من فمها و بهدوء شديد و بصعوبة قالت: "بوتا، انا تعبانة اوي. لازم تسيبني هنا و تمشي."
بوتا عبس. "لا، ليه لازم اسيبك هنا؟ انتي اتجننتي؟ انا هساعدك. هجيب اغصان و هشحذ عصيان و اروح اصطاد لنا اكل. بعدين هعمل نار. انا عارف ازاي اولع نار بالعصيان. هدور على حتت حجر مشرحة او هكسرها بنفسي عشان اجيب نقط حادة و اصطاد و اشوي اللحمة بتاعتنا. هخليكي كويسة يا كوكو. ده كان يوم وحش و انتي مرهقة بس، ده كل اللي في الموضوع."
هزت راسها يمين و شمال. "لا، بوتا، انا عارفة ليه الناس دي مجنونة اوي. اي حد بيتلدغ بيمرض. العمة دي لدغتني في الشجر و انا همرض. لازم تمشي دلوقتي قبل ما امرض و اصبح وحش. اختي هربت معايا امبارح يا بوتا. كنا مع بعض في طريقنا عشان نجمع اعشاب لامى. هي كانت خبيرة الاعشاب في مجتمعنا و لما رجعنا امي هاجمتنا و خدشت اختي و لدغتها زي ما انا اتهاجمت و اتلدغت من امك. ساعدت اختي نهرب و هربنا و استخبينا تحت شجرة بينما المجتمع كان بيدور علينا. كلهم كانوا مجانين."
اخدت نفس عميق قبل ما تكمل.
"الظلام جه و نمنا و لما صحيت خرجت من ملجأنا و بصيت حواليا. ما كانش فيه حد في الجوار. لما رجعت لاختي، شوفتها بقت واحدة منهم. اتعدت من لدغة امي. زي ما انا دلوقتي، بقت نعسانة و نامت شوية و لما صحيت، اتحولت لوحش مجنون. عشان كده، امشي دلوقتي يا بوتا، قبل ما اهاجمك و اخليك مريض. من فضلك، بوتا، امشي دلوقتي!"
الدموع بتنزل بحرية و هي بتبص له و بتترجاه. "بوتا، انقذ نفسك! سيبني هنا. امشي! تعالى بكرة و لو اتحولت لوحش، اقتلني عشان مش هتكون في امان معايا هنا."
بوتا عبس. "امي هي اللي لدغتك. مش ممكن اسيبك هنا يا بنتي."
"امشي دلوقتي قبل ما يكون فات الاوان! انا هخليك مريض. بوتا، امشي دلوقتي!"
"اوك، انا هسيبك طول الليل بس هجيلك اشوفك عاملة ايه بكرة. هجيب لنا حاجة ناكلها. مش هزهق منك يا كوكو. ما تقلقيش. هجيلك بكرة و اجيب اكل."
"اقتلني لو اتحولت لوحش. اوعدني يا بوتا."
ابتسم و هز راسه. "اشوفك بعدين يا كوكو. نامي دلوقتي يا بنتي."
استنى لحد ما عينيها اتقفلت.
~*~*~
هانيس دلوقتي مهتم اوي: "يا الهي، بوتا، هل هي نجت من الوباء؟ ايه اللي حصل؟"
"بحزن في قلبي، سبتها هناك و لقيت ملجأ لليل. الصبح بدري روحتلها. توقعت الاقي وحش بس كان عندها شوية برد و كانت ضعيفة. من شكلها، كانت بكل حواسها. حذرتني ابعد عنها. كانت خايفة انها، بطريقة او بأخرى، ممكن تعديني من غير لدغة. وعدتها اني اروح اصطاد اكل لينا في المساء ده."
كادين فضولي: "ازاي قدرت تعمل كده يا بوتا؟"
"ايوه، شوفت وبار على المنحدرات و في المساء ده كان عندنا لحمة مشوية."
"كل يوم كنت بجيب لها حاجة تاكلها. بعض الايام حتى من غير ما اكل انا. فضلت اديها هي عشان كانت محتاجة اكتر مني. في يوم، بعد سبع ايام تقريبا، لما وصلت للكهف، كانت مش موجودة. قلقان، روحت ادور عليها و لقيتها في طريقها وهي راجعة من مكان ما كانت بتدور فيه على اعشاب. كانت احسن بكتير و ما اهتمتش لما كنت قريب منها. بعدين بدأنا نعيش مع بعض و نعمل حاجات مع بعض و عشان كده بقينا مندمجين."
دونوفان بيسأل: "و هي عمرها ما عدتك؟"
"لا، لما مرضت ببرد او معدتي اتلخبطت، هي عالجتني بسرعة بالاعشاب بتاعتها. انا متأكد انها عندها مناعة طبيعية ضد المرض، يا جماعة! و عشان كده انت، يا دونوفان، و انتوا الاتنين، يا كادين و بيلي، اتبعتوا هنا. انا مؤمن ان مجموعتنا هنا تم اختيارها عشان نجيبها للعلماء دول اللي لازم يطوروا الترياق للمرض باستخدام الحمض النووي بتاعها."
دونوفان بيهز راسه في تأكيد. "انا موافق، بوتا. ده شيء لا يصدق و مستحيل يكون صدفة! ان امك لازم تهاجمها و تلدغها قدام عينيك عشان تحس بالذنب و تنقذها. ان المرتزقة لازم يناموا في الغابة عشان نلاقيها. ان الهليكوبتر لازم تتضرب عشان نهرب في الخوانق دي. اني في اللحظة المناسبة لازم اشوفك في البسين و الاقيك في الكهف ده. ان كادين و بيلي لازم يركبوا اخر تاكسي و انضموا لينا هنا عشان يوعونا بالحمض النووي الثمين اللي كوكو بتحمله فيها. لازم تكون واحدة في المليون! دلوقتي عرفنا ان لازم نجيبها حية لناس الصح. ده شيء مدهش و انا موافق معاك."
طلع سكين القتال بتاعه. "مرروا لي حتت الخشب الجاف الصح من الكومة دي. انا هانحت تمن صلبان هنحملها بخيوط حوالين رقابنا. الصلبان بترمز لمهمة حياتنا اننا نوصل كوكو للناس الصح اللي هيطوروا الترياق عشان ينقذوا العالم من الوباء. لازم نحافظ على سر بينا. انتوا موافقين؟"
واحد ورا التاني بيهزوا راسهم بجدية عشان يحملوا الصلبان كرمز لمهمة حياتهم اللي لسه عاملينها ملكهم.