35. الملاذ الأخير
بأقدام حافية، كلهم دخلوا غرفة الجلوس الكبيرة الذكية. صور وتماثيل شيفا ترحب بهم، وأمام باب أمامي ضخم وصلب يقف حارس أمن.
اتجه *يوهان* إلى *أرجونا*. "إذا فيه حتة أرض فيها عشب، ممكن نروح نقعد شوية بعيد عن المبنى على العشب ونتأمل، يا *أرجونا*؟"
*أرجونا* عبس. "الليل متأخر والعشب مبلول من الندى، يا *يوهان*."
بص على المخدات الكبيرة الناعمة على كنبة ذكية عتيقة وجابهم. "خد دي. هأطلب من الستات يغسلوهم بعدين."
أخد *يوهان* المخدة والباب التقيل بيتفتح، وهوا ليل بارد لمسه. حافيين، مشيوا على شرفة رخام، وحارسين أمن ماشيين وراهم. شم ريحة يود ورطوبة هوا البحر. بص حواليه، شاف المكان محاط بأشجار صنوبر عالية بتغطي رؤيته، ومش عارف يحدد إذا فيه أضواء مدينة أو وميض وراهم. لازم يكون حتة أرض صغيرة! الهوا شايل ريحة البحر. يبقى إحنا قريبين من الساحل. هل الهوا جاي من البحر؟
*يوهان* رفع راسه وابتسم، لأن *أرجونا* معاه حق. ما فيش ولا سحابة في السما. كشافات بتنور المكان حوالين المبنى. نزلوا تلات درجات وعبروا ممر خرساني لمنطقة انتظار السيارات، ورجال الأمن اللي على الشرفة بيبصوا عليهم. *يوهان* بيتمنى لو فيه عربيات حواليه، ولو يقدر يحفظ أرقام التسجيل، بس ما فيش.
*أرجونا* لف يمين، ومشى على العشب المبلول، و*يوهان* تبعه وعبّر عن تقديره.
"آه، شكراً يا *أرجونا*، الموضوع ببساطة رائع، إني أحس بالأرض تحت رجلي. أحس كأني مكثف مشحون بالكامل بيفضي من رجلي."
*أرجونا* ابتسم. "فاهم، يا صاحبي، إحنا مصنوعين من نفس الخامة. مش عارف إزاي الناس الحديثة ممكن يعزلوا نفسهم ليل ونهار عن الأم الأرض. لازم أحس بيها كتير تحت رجلي الحافية، والعشب ده مثالي. مش سطح صنعه الإنسان بيعزلنا عنها، مش كده؟"
*يوهان* بص وراه. المبنى كبير. دقّق النظر في السما، ما عدا الكشافات، لاحظ وميض خفيف لأضواء المدينة. كان معاه حق. لسه في محيط بورت إليزابيث، لأن المساحة بتبين تفاصيل أقل من لو في مزرعة أو في برية بعيد عن تأثير أضواء المدينة.
*أرجونا* رمى المخدة بتاعته وقعد في وضعية اللوتس، بس *يوهان* دقّق في الأفق ورا البيت ولقى الصليب الجنوبي. بوعي دار ظهره بدقة قدر الإمكان إلى الجنوب، رمى المخدة بتاعته وقعد جنب *أرجونا*. بص وراه، شاف ترابيزة عليها كراسي على الشرفة على الجانب ورا ضهره. استهدف الترابيزة، ودور على معلم في خط مستقيم معاها، ولقى شجرة صنوبر أصغر قصاد منطقة انتظار السيارات، بين أشجار تانية، في خط مستقيم حلو معاه ومع الترابيزة.
ابتسم بفرحة، لأن خططه تمام. *رونالد* عادة بيقابله قبل الفطار في المطعم. سمع إن طيارة بوينج بتعدي كل يوم الساعة 12:40.
*يوهان* بص لـ*أرجونا*. "لحد دلوقتي، حققت كل وعودك، وأنا ممتن جداً ليك إنك جبت شوية هوا منعش. إيه رأيك في طلب أخير، يا صاحبي؟"
*أرجونا* غمزليه ودّية: "تحت أمرك. إيه هو؟"
"*رونالد* بيقابلني كل يوم قبل الفطار. يا ريت تقنعه إن التلاتة ممكن نجتمع على الترابيزة اللي على الشرفة عشان نتحاور. نفسي أشوف الشمس أوي. حاسس إني محبوس في الأوضة دي. أرجوك، يا *أرجونا*! *رونالد* فهمني نقط مهمة أوي، عايز أتكلم معاه فيها لما تكون معانا. إنت وأنا عندنا نفس الخلفية الفلسفية، وأنا محتاج حكمتك."
"ممكن لازم نتكلم في موضوعك دلوقتي، يا *يوهان*. أفترض إن *رونالد* عرفك عن انقراض الهولوسين الجماعي اللي إحنا فيه."
"عايز أناقش ده مع إنتو الاتنين. دايماً بيكون *رونالد* وأنا بس. عنده حجج كويسة، بس محتاج رأيك، لأن اللي متوقعينه مني، مش مقبول أخلاقياً بالنسبالي."
"اللي إحنا متوقعينه منك، هو بالأساس نفس اللي *فيشنو* متوقعه منك، يا *يوهان*."
"*أرجونا*، *رونالد* لعب على المكشوف معايا، وقال لي تقريباً كل حاجة. ما أعتقدش إنك مدرك كل التداعيات بتاعة اللي الناس دي بتحاول تعمله. جمعوا فيروسات خطيرة جداً وعملوا سلاح بيولوجي رهيب، وطوّروه أكتر عشان الناس اللي بتتصاب بيه يعيشوا فترة طويلة جداً، ويبقوا وحوش، وهم محتاجين مني إني أخلي توزيعه فعال وسريع قدر الإمكان."
*أرجونا* هز راسه بعارف. "العالم مسؤول عن انقراض الهولوسين ده! دي الطريقة الوحيدة لإيقاف الانقراض، والوقت بيخلص، يا *يوهان*. أنا عارف أكتر بكتير من ما تتخيل، يا صاحبي. فيه نتيجة، سواء بعلمك أو من غيره، وصدقني، بعلمك النتيجة هتكون إيجابية أكتر بكتير! النبي وراني.
"النبي استنى لحد اللحظة الأخيرة عشان نكون مستعدين إننا نصلح الأمور، بس السنة دي هي الفرصة الأخيرة. لو استنينا للسنة الجاية، هنضيع الفرصة. آلية الدفاع الأخيرة ضد أنشطة البشرية، الغابات الاستوائية، بتتحرق. لازم نوقف البشرية قبل السنة الجاية. قبل ما الأنظمة الجوية تخرج عن السيطرة بشكل لا رجعة فيه، والغلاف الجوي يدمر. قبل السنة الجاية، الأرض هتفقد الأكسجين والمية، وده هيقضي على كل الحياة على الأرض في النهاية، عشان الأم الأرض تبقى زي المريخ في وقت قصير. ده هيكون الانقراض الجماعي الأخير! الانقراضات الجماعية السابقة تركت أنواع حية وراها ممكن تتطور من جديد، بس ده هيكون النهائي، لأن بس بعض الكائنات الدقيقة ممكن تعيش من غير مية وأكسجين."
*يوهان* هز راسه بيأس. "مش فاهم ليه عايزين معرفتي أوي كده؟ *شيفا* القدير ممكن بسهولة ينهي العالم بفعالية من غير مساهمتي."
*أرجونا* ابتسم. "لما *فيشنو* ظهر كـ*كريشنا*، كان ممكن من غير *أرجونا* يبيد القوى الشيطانية من 5000 سنة، لو أراد، بس إحنا نفسنا لازم نلوّن العالم إيجابي أو سلبي. معرفتك في نشر السلاح عن طريق الهوا هتغلب كل المؤسسات، عشان الأمور تتحرك بسرعة كافية، والأرض تتعافى لوحدها. لو استخدمنا السلاح زي ما هو حالياً، هتكون فيه مؤسسات هتتأصل، وهتضمن إن العالم وممارساته الشيطانية تستمر. في النهاية، هيكونوا عائق بيمنع الأرض الجديدة اللي عايزين نأسسها، عشان نجيب الانسجام في الجزء بتاعنا من درب التبانة."
*يوهان* هز راسه. "مش فاكر إنك مدرك الأشياء الرهيبة اللي *رونالد* وفريقه عملوها بالفعل، يا صاحبي. أخذت *رونالد* في ده، لأني مقتنع إن خططك مش هتنجح. العالم كبير أوي ومتشابك أوي، وفي مكان ما، بلد أو مؤسسة هتردعك، وهتقاوم سلاحك. *أرجونا*، بتساءل إذا كنت تعرف إلى أي مدى *رونالد* وفريقه وصلوا في تطوير السلاح اللي دلوقتي عايزين إني أساعد في نشره بشكل فعال أكتر؟
"*رونالد* في النهاية قال لي بصراحة عشان يشجعني، ووراني اللي طوروه. *أرجونا*، ناس بريئة هتشتم السم. *رونالد* وفريقه قللوا من مدة الحضانة؛ وبالتالي، الشخص المصاب هيصحى مشوش اليوم اللي بعده، لأن بعض جوانب فيروس السعار هتأثر على الجزء اللي بيكون الشخصية في مخه، وبعض جوانب فيروس الحصبة وفيروس التهاب الدماغ هيغيروا شخصيته. جوانب فيروس إيبولا هتنتج عنه نزيف طول الوقت؛ بس كفاية بحيث إنه ما يموتش، بس محتاج دم نظيف جديد بيأس. *رونالد* وفريقه صقلوا الشيء، وجربوه على ناس في معملهم لحد ما أتقنوا العينات.
"التحول ده بتاع الناس اللي بيتحولوا لوحوش، حتى طوروه أكتر على جزيرة في المحيط الهادي، اللي استدرجوا إليها ناس صدقوا إنهم فازوا بإجازة. بعدين أطلقوا العينات بينهم. *رونالد* وراني قد إيه الشيء ده فعال، لأن حتى من غير معرفتي، الناس اللي على الجزيرة اتغيروا لوحوش في خلال شهر. هو مؤمن إنهم دلوقتي طوروا طريقة، وبمعرفتي، ممكن يقللوا العملية لأقل من أسبوع. هيجربوا على نفس الجزيرة ويصقلوه، وبعدين يوزعوه في كل أنحاء العالم، ويقدموه في وقت واحد. إزاي هيعملوا ده، بيفضل سر.
"*أرجونا*، الناس اللي على الجزيرة دول اتحولوا لوحوش، بيفترسوا الناس الأصحاء. الوحوش شكلوا هوية جماعية، زي النحل أو النمل، واشتغلوا مع بعض، وتواصلوا مع بعض، وشكلوا مجموعات عشان يصطادوا الناس الأصحاء للحصول على لحمهم ودمهم. بيبصقوا، وحتى نجحوا في إصابة ناس تفادوهم، ونشروا جراثيمهم في كل مكان، بحيث إن الناس اللي تفادوهم بعدين، بيتحولوا لوحوش هم نفسهم، وبينضموا لمجموعات عشان يشكلوا مجموعات أكبر وأقوى. المجموعات أصبحت تتنافس، وعطشة للدماء، وعنيفة، آكلة للحوم البشر، ما كانواش عايزين ياكلوا حيوانات، بس لحم ودم بشر طازج بس.
"*أرجونا*، لما لحم البشر الأصحاء أصبح نادر، المجموعات انقسمت لكائنات أصغر، وبدأت تصطاد بعضها البعض، ولما مجموعة كسبت اليد العليا، أكلت المجموعات الأخرى.
"و، *أرجونا*، ما فيش تحصين ضد الفيروس ده. *رونالد* وفريقه بيعتمدوا على إمكانية إنه يكون فيه شخص واحد من بين آلاف عنده، أو بيطور، مقاومة طبيعية ضد الفيروس. الناس دي مش هتخضع للمرض، بس هيبقوا حاملين للفيروس في صمت، وده بينقل المرض. هم الحاملين النادرين السريين للأجسام المضادة الطبيعية ضد المرض. *رونالد* مؤمن إن نبيك اختار ناس لازم من اليوم الأول تحارب من أجل البقاء. هو مؤمن إن نبيك حدد الأشخاص دول بالفعل، وإنه هيلاقي ناجي أو أكتر عندهم مقاومة طبيعية ضد الفيروس. *رونالد* مؤمن إن نبيك هيحمي الناجين دول من البداية، وهيقودهم خلال جحيم عالم مليان وحوش آكلة لحوم البشر، وهيقدروا يلاقوهم، وهيجيبوهم لينا.
"*رونالد* كمان مؤمن إني عضو مهم في الفريق، مش بس لأني ممكن أخلي إطلاق الفيروس فعال أكتر، بس كمان النبي وراله إزاي ممكن ألعب دور مهم في إنتاج التحصين من الأجسام المضادة بتاعة الناجين دول، وفي النهاية، إنقاذ العالم. بعدين هنبدأ حضارة جديدة هتتطور في انسجام مع الأم الأرض، وهنستعمر في المستقبل درب التبانة، في الوقت اللي هنعيد فيه الأرض لمجدها الكامل، كمصدر غني لكل الحياة."
*أرجونا* ابتسم. "كل ده صحيح، يا *يوهان*، أنا شفتيه. النبي هيوريك العالم في المستقبل، يا *يوهان*، وبعدين هتدرك التأثير الكبير اللي قراراتك هيكون ليها على العالم في النهاية. للأسف، ما فيش طريقة تانية، لأن النهارده كل المؤسسات عاجزة أمام أنانية أقوى مديري القطاع المالي لعمل الشيء الصحيح في الوقت المناسب. النظام الجوي هيبوظ، والطريقة الوحيدة لإيقافه هي، بمساهمتك، إنك توقف ده بفاعلية.
"الغابات المطيرة هتبدأ تنمو تاني. الحياة الحيوانية والنباتية هتنمو وتسيطر. هتتفاجأ إنك تعرف أنواع كتير، اللي اتفكر إنها انقرضت، حتى اللي إحنا مش واخدين بالنا منها، هتظهر تاني وتزدهر. النهارده، أقل من ستة في المية من الحياة البرية على الأرض لسه موجودة، يا *يوهان*. مين اللي بيدينا الحق في إننا نسيطر وندمر الأرض بالشكل ده؟ النبي وراني الأرض بتاعتنا هتبقى شكلها إيه، في خلال أكتر من عشر سنين من دلوقتي، لما حضارتنا الحالية تيجي لنهاية مفاجئة، بس الوقت قليل، يا *يوهان*. ما بقاش فيه إلا السنة دي، وإلا كل حاجة هتنهار بشكل فوضوي!"
"*رونالد* أكيد عرفك إن حسابات العلماء الحاليين كلها غلط. الأمور بتشتغل بشكل لوغاريتمي، وساعة الرمل بتاعتنا بتخلص أسرع من ما بيتوقعوا. إحنا جاهزين، والسنة دي هنطلق الشيء ده، بمساعدتك أو من غيرها. لو استنينا أكتر، هنعدي نقطة اللاعودة.
"مش هيكون فيه نباتات كفاية فيها كلوروفيل، وطحالب فيها كلوروبلازما في المحيطات عشان تعيد الغلاف الجوي، وثاني أكسيد الكربون هيسبب إن الأمور تخرج عن السيطرة بشكل لوغاريتمي. الأنظمة الجوية هتدمر كل حاجة: البشر، الحيوانات، والنباتات، عشان الأرض تبقى زي المريخ، من غير أكسجين ومية، وتتشابه مع صحراء جرداء."