77. اللقاء
دونافان يدرك أن الاثنين هذول عندهم على الأرجح نفس رؤية المراقبة زي موقع القناص بتاعه، من حيث يقدروا يشوفوه من بعيد. ممكن يكونوا بيستخبوا ويستنوا لما يعدي. حاول يمشي قريب من وش الصخرة اللي على اليسار في الضِل، عشان يبقى أقل وضوحًا. بيدقق في جدران الصخور على الجانبين فوق مستوى الفيضان، لأن مخبأهم لازم يكون فوقه. بيتحرك ببطء بين البرك الضحلة والصخور الكبيرة. لازم بس يلاقيهم قبل ما الشمس تغيب. على الأرجح هما أمل إلدريتش الأخير في النجاة.
دونافان شاف تجويف في وش الصخرة بتاعة الجرف المقابل، ووقف فجأة. صوّب بالتلسكوب بتاعه. أكيد فوق مستوى الفيضان، بس عالي أوي من مكانه عشان يعرف عمقه دلوقتي. يمكن مجرد زاوية صغيرة، أو ممكن تكون كهف مخفي. لو ده ملجأهم، إزاي بيدخلوا له؟ ده عالي أوي في وش الصخرة الرأسية، ويبدو وكأن لازم يتسلقوا صخور عشان يوصلوا له. مش متخيل إنهم حيختاروا ملجأ زي ده. ده مش عملي. أكيد لازم يشيلوا حاجات ويخزنوها عشان يعيشوا فيه. بيدرس الفتحة كويس أوي، ووش الجرف على الجانبين، وبعدين شاف حاجة زي ضفة صغيرة بتميل على وش الجرف، ومتصلة بضفة تانية بتنزل لتحت، وبتخلص بين الشجيرات والأشجار الصغيرة. ممكن الضفة دي تكون واسعة كفاية عشان إنسان عادي يتسلقها بسهولة للفتحة، بس مستحيل يشوف من هنا إذا كان ده صحيح. ممكن يكون ملجأ مثالي، لأن نقطة الدخول مخفية ورا الأشجار. هيعرف بس لو راح يشوف من قريب. مش فاكر إنهم شافوه، لأن لو شافوه كان هو شافهم. يمكن مخبأهم أعمق جوه الفتحة، يمكن كهف، وعشان يشوفوه لازم يطلعوا ويبصوا من فوق الحافة. بيتحمس وبيتحرك بسرعة للمنطقة المشجرة. بس بيتمنى إن نظريته تكون صح، وهيتخيل إن الضفة ضيقة أوي ومش عملية عشان يوصلوا. بعدين لازم يكمل بحث.
الشمس بتغرب ولازم يلاقيهم قريب لو عايز يوصلهم لإلدريتش.
دونافان اكتشف ممر قدم كويس في فتحة بين الشجيرات والأشجار الصغيرة، بيودي لوش الجرف. تحرك للممر واكتشف آثار أقدام واضحة ونضرة في الرمل، وابتسم. شم ريحتهم! بيمشي بحذر لوش الجرف، ولقى الضفة اللي شافها. واسعة بس كفاية عشان شخص واحد يمشي عليها. بدأ يتسلق بحذر لحد ما وصل للضفة المتصلة، ولقاها بنفس عرض الأولى. الصخرة جنبه، وعلى شماله وش الجرف الرأسي لتحت. غلطة واحدة وهتروح فيها. بيتساءل إذا كانوا بيتجرأوا يتسلقوا وينزلوا لما الدنيا تمطر، والصخور بتبقى زلقة. هيكون خطر أوي. عالي أوي هنا. بدأ يحترمهم على شجاعتهم في الاختباء هنا.
في النهاية، وصل للفتحة اللي كانت بتبان زي شق صغير من تحت، واتفاجئ إنه لقى كهف عميق وواسع، واتسلل جوه. الكهف بيشكل سقف مثالي، وفي الخلف عند حيطة الحجر على اليسار، شاف ملجأ مصنوع. على يسار الملجأ فيه أنواع مختلفة من الجلود معلقة عشان تنشف، وشوية أبعد، فيه جمر نار معسكر بيتحرق جنب كومة أغصان وجذوع جافة. زي الحرباية، بيتسلل أقرب للملجأ، ولما قرب شاف إنه مبني من الأغصان والجلود والأسلاك، بتخليه مقاوم للريح. عملوا بذكاء كوخ لطيف أوي بيمنعهم من رياح العاصفة وهوا الليل البارد، اللي على الأرجح بيهب هنا بالليل. متأكد إنه عش صغير مريح جوه. بيتساءل إذا كانوا لوحدهم، وهل فيه عيلة معاهم. وهو بيقرب من الحيطة الخلفية، أدرك إن المكان كبير. ممكن يكون فيه ناس كبيرة معاهم، بس لما وصل للكوخ، سمع أصوات بتخليه مش متأكد. سمع أصوات شابين قريبين من النشوة الجنسية، ووقف بالظبط في خلف الكهف في الزاوية عند الباب المصنوع من العصي والجلود، بيخلي المكان مريح من بقية العالم.
وقف ثابت وبيسمع. لازم يستنى لما يخلصوا. مرة تانية لاحظ الجلود الكتير، وبدأ يحترم مهارات الصيد بتاعة الشاب ده. أكيد لازم يكون صياد ماهر وخطير. جلود الكوخ والجلود اللي معلقة هنا، بتأكد ده. يمكن معاه بندقية صيد برصاص بيستخدمها بحرص. هيكون أسلم له إنه يرجع للمدخل، ومع حيطة الصخرة كحماية، يصرخ عليهم إنه محتاج مساعدتهم. الولد ممكن يفاجئه بهجوم مفاجئ. معظم الناس في جنوب إفريقيا بيفهموا إنجليزي، وعلى الأرجح هيفهموه. ما عندهمش طريقة يهربوا بيها منه، لأنه بيسد مدخل الكهف. بس هيستنى لحد ما يخلصوا.
بيستنى بصبر. بيبان كأنهم عايزين يطولوا الفعل، بس فجأة صرخت، وهو انفجر، وهما بيصرخوا بدون خجل وهم بيمروا بآخر لحظاتهم الممتعة. دونافان ابتسم. كان على حق. بياكلوا في بعض.
ضحكت بسعادة، وبان كأنه بيبوسها وبيلامسها في كل مكان، وقرر إن خلاص كفاية. اتسلل ورا للمدخل، واستخبى شوية ورا حيطة الصخرة.
صرخ بأعلى صوته، وبيتمنى إنهم يفهموا إنجليزي: "يا جماعة اللي جوه! محتاجين مساعدتكم! طيارتنا الهيلوكوبتر وقعت، والطيار بتاعنا تعبان أوي! شوفتكم في البركة، وجيت أشوفكم، لأنني أعتقد إن البنت بتعرف عن الأعشاب. أتمنى إنها تقدر تساعد الطيار بتاعنا. مش فاكر إنه هيعيش الليلة. معانا مية بس، وهو ضعيف أوي."
ارتاح جدا لما سمع الولد بيرد بالإنجليزي بلكنة قوية. "ورّي نفسك! ليه بتستخبى؟ فيه حد معاك؟" دونافان عارف اللكنة. أكيد أفريكان.
"شوفت كل الجلود، ويبدو كإنك صياد ممتاز، وخايف إنك تهاجمني فجأة. ده السبب الوحيد اللي بيخليني أستخبى. لوحدي، بوعدك!"
سكت سكوت مش مريح، قبل ما يتكلم تاني. "بس اطلع ورا الحيطة ووريني سلاحك وحطه جنب حيطة الكهف. أنا هعمل كده برضه، بس لازم أتأكد إن مافيش حد تاني مستخبي ورا الحيطة."
دونافان اتسلل بحذر حول عصا الكهف ووري نفسه. الشاب طلع من الكوخ. لابس بس قطعة جلد صغيرة، بتغطي بس أعضائه التناسلية، بس على كتفه فيه حامل جلد ورا ضهره مع أسلحة بتبان زي رماح، بيقدر يطلعها بسرعة. في إيده اليمين ماسك رمح جاهز للاستخدام، وفي إيده الشمال سلاح بيبان زي سكين رمي. بيبان إنه قادر وجاهز لمواجهة كام واحد. البنت مش موجودة. يمكن بتبص من خلال فتحة في حيطة الكوخ عليه.
دونافان ببطء أخد سلاحه من ضهره، وحطه جنب حيطة الكهف قريبه، ورفع إيديه. المسدس بيحتفظ بيه للأمان في الحافظة ورا ضهره، جاهز إنه يطلع ويضرب.
الشاب ده ذكي. "بتبان في نظري زي عسكري عمليات. مش هتشيل بس سلاح. فين بتخبي المسدس والسكينة بتاعتك؟"
دونافان اتنهد. "أعرف إزاي إنك مش هتهاجمني وتسلخني زي ما عملت مع كل الحيوانات لما أكون عاجز؟" أشار برأسه لكل الجلود.
"فاكر إننا آكلي لحوم بشر؟ اعمل اللي بقولك عليه! وثق فيا وحط كل أسلحتك هناك جنب حيطة الكهف، وروح اقف هناك عند الجلود جنب الحيطة المقابلة عشان أقدر أشوف بأمان وأتأكد إن مافيش حد تاني مستخبي ورا الزاوية."
دونافان مش مقرر، والشاب بيحاول يقنعه. "بوعدك لو عملت كده، هديك فرصة، وانت على حق. كوكو عشابة ممتازة. اتعلمت كل الأسرار من أمها، اللي كانت سانجما في مجتمعهم. هتساعد صاحبك بكل سرور."
كلماته دي بتحفز دونافان، وقرر إنه يتجرأ ويعمل اللي بيقوله الشاب. أخد المسدس بتاعه من الحافظة ببطء، وطلع سكينة القتال بتاعته، وتحرك ببطء لحيطة الكهف المقابلة. "دي كل أسلحتي. أنا دلوقتي عاجز عن الدفاع عن نفسي قدامك. أتمنى إنك مش هتسلخني. مش هيكون عدل."
زي البرق الشاب اتحرك لما دونافان كان في مسافة آمنة. بسرعة وبدون صوت، تحرك للمدخل، حيث انحنى وتسلل حول الزاوية ويده فيها الرمح جاهز، ويبص من فوق الحافة ومش شايف حد. بسرعة لف، وبالرمح والسكينة في إيديه، بيقرب ببطء من دونافان واقف متوتر جنب حيطة الكهف. هو هدف سهل، وأدرك في اللحظة دي إنه في حياته كلها ما حسش إنه ضعيف كده، وتحت رحمة حد تاني.