29. الزائر الغريب
مايكل واقف، مع شوية من أعضاء إيسكون، ورا ترابيزة قابلة للطي تحت شجرة عملاقة في حديقة سانت جورج بيخدموا الناس اللي مالهمش بيت. الأكل لذيذ، ببلاش، مفيش عليه كارما، ولسة معمول طازة. معظم عيال الشوارع والشحاتين بقوا زباين قدامى دلوقتي. مستنيين بفارغ الصبر الوجبات دي المجانية، الحلوة، اللي بتشبع، زي الأيام اللي فاتت، وبيعملوا طابور بسرعة. الكلام انتشر، وكل يوم المجموعة بتكبر أكتر لما ناس جديدة بتوصل.
زائر جديد، لابس جزمة قذرة، بالية، كوت بني، وشعره طويل نازل على رجليه، بيقرب بالراحة. أكيد ده واحد من بتوع الراستا اللي مالهمش بيت! بيتحرك بطريقة غريبة، بيميل لقدام وشه متغطي عشان بس دقنه الكبيرة تبان من ورا الستاير بتاعة الشعر. بيمشي ورا بالراحة وصبر لحد ما يوصل لمايكل، وبيطلع إيده في إشارة طلب. مايكل بيدي له طبق ورقي، بس فجأة الراجل بيمسكه من معصمه وبياخده لقدام شوية فوق الترابيزة. مايكل خايف، بيشوف الشعر بيتفتح زي الستارة، والراجل الشحات بيرفع راسه، وهما بيبصوا في عيون بعض. عيون الشحات غريبة، كأنها برك سودا، بتشد مايكل زي المغناطيس، وبتشده لجوا، وكل حاجة حوالين الراجل بتسود، وبعدين بيختفي. مايكل بيعوم في الضلمة، وكأن نور بيطلع منه.
صوت خشن، مش لطيف، بيرن زي الرعد في كهف عميق. "وريني الكود، مايكل."
على طول، بيرجع في الزمن، مايكل بيقرأ الكود اللي لسه بيفك شفرته على مكتبه، وبعدين الصوت الغريب بيرن تاني. "واكتب الترجمة الإنجليزي تحت كمان."
مايكل بيترجم الكود بالانجليزي وهو مطيع. يا دوبك كتب آخر حرف، لما سمع صوت تاني، مش الصوت اللي في الكهف العميق المظلم.
"مايكل، اصحى! إيه اللي بيحصلك؟"
مايكل بيشوف الوش اللي يعرفه، وبعدين بياخد باله إن فياسا بيهزه بقوة. "مايكل، ركز في نفسك!"
مايكل بيبص خايف، بس فجأة بيفوق وبيبدأ يدور حواليه. بيشوف إنه معطل الطابور. بيبص بقلق على الشحات، بس الراجل اختفى.
~*~*~
المنبه اللي على ترابيزة جنب السرير بيرن بصوت عالي، وبسرعة بتقفل الصوت. بتلف لجاك وبتمسك كتفه بالراحة. بيصحى، وبيفضل باصص لها متضايق.
ريني بتبوسه خفيف على خده. "عيب، نمت قليل أوي يا حبيبي. بتقتل نفسك، ولازم تروح تشتغل نوبة ليل من ستة لستة."
جاك بيبوسها على شفايفها الجميلة، الطرية، المليانة. "لحسن الحظ، أنا مشغول أوي في الشغل. لو كان حاجة زي الحراسة، كان هيبقى وحش، بس الوقت بيعدي بسرعة، ومش بحس إني بنام. الرجوع للبيت هو الأصعب. عايز بس أنام وأنا سايق."
"مش شايف إن لازم تاخد شوية إجازة لحد ما كل حاجة تبقى طبيعية تاني؟"
"هنشوف الأمور هتمشي إزاي. أكيد فيه احتمال لو الموضوع ده استمر يا حبيبتي."
"كادين مستحيل تستنى عشان توصل للراجل اللي فك شفرة الكود، جاك، بس أنا شايف إن الأولوية إننا نوديهم لدكتور نفسي."
جاك بيضحك. "فضولها! هي صحفية بالفطرة، تعرفي، بس أنا موافق. حاولي تحجزي ميعاد في أقرب وقت بكرة. متخليش العيال يتلاعبوا بيكي وأنا نايم. مش هتروحي في أي مكان من غيري، وهما لازم يستنوا لحد ما أصحى. هاخدهم للمدرسة، وهستناهم عند البوابة لما المدرسة تخلص."
"أنا أوعدك يا حبيبي، هيفضلوا هنا. غالباً لازم أحجز ميعاد بعد الضهر."
"لأ، حاولي الصبح. ساعتها ممكن نخلص كل حاجة، وأنا ممكن أنام الضهر. بس لو ممكن تظبطيها الضهر، ماشي برضه. المهم يكون عندي وقت كفاية عشان أجهز للشغل. وبخصوص الموضوع ده، لازم تديهم هما الاتنين جوابات عشان يوضحوا سبب غيابهم عن المدرسة. الأحسن إنك تقولي بس كادين تعبانة، وبيلي كان عند الدكتور بسبب إصابات ضهره. وحاجة تانية: لو جالنا ضيوف بالنهار، صحيني. أنا هفتح الباب."
"طيب يا حبيبي، أنا بس بتساءل إزاي هتنام كويس. أنا قلقانة شوية عليك."
"ليه؟ أنا اشتغلت أسوأ ساعات بنوم أقل من كده قبل كده يا حبيبتي."
ريني بتهز راسها بالراحة يمين وشمال. "مش ده اللي بتكلم فيه. أنا قلقانة إن جاك الخطير يصحى تاني، يا جوزي. الموضوع ده ممكن يصحّي الشيطان القديم اللي جواك. كادين متعرفش جاك ده. أوعدني إنها عمرها ما هتشوفه."
من غير ما يبين أي مشاعر، بيبصلها في صمت. في النهاية، بيرد: "ريني، إنتي عارفة إنه مبيحصلش غير في أصعب المواقف لما حد بيهدد عيلتنا. ولولا الشيطان اللي جوايا، مكنش زمانا هنا، وكادين عمرها ما كانت هتيجي، يا حبيبتي."
ريني بتعبس. "جاك، إنت طيب وحنين أوي. ده جاك اللي كادين عرفاه طول عمرها. بس، زي ما إنت حنين، كده تماماً بتتعامل بقسوة مع الأشرار، وده بيحصل فجأة ومن غير ما تتوقع. كأنك بتتحول لوحش أسوأ بكتير وشرير أكتر من أكتر مجرم قاسي، ومفيش حاجة بتوقفك، يا جوزي."
جاك بيبص لمراته الجميلة بحنية، وبيلعب في شعرها. "طاقة بتتحرق بتجري في جمجمتي، وبتشع من كل خلية في جسمي، ومش بقدر أقومها قبل ما تتحرق. بحس إني قوي وقادر أوي، ومش عايز حتى أمنعها. كأنها كهربا بتسيطر، وكل حاجة بعملها بحسها كأنها حلم، بس أنا مركز ودقيق بشكل لا يصدق."
ريني لسة مخلصتش. "افتكر يا جاك، شكل بيتنا كان إزاي ساعتها. مكنش ينفع نكلم البوليس عشان الأحشاء كانت في كل حتة على الأرض والحوائط، وأطرافهم كانت في كل مكان. كنا لازم نتخلص من بقايا البشر دي كلها بنفسنا، ونخليها سر. إيه اللي هيحصل لو كادين شافت حاجة زي كده. هتتغير للأبد يا حبيبتي."
جاك بيضحك. "يا حبيبتي يا جميلة، إنتي هنا بأمان وسالمة بسبب شيطاني. ده حصل زمان، ودلوقتي لازم تكوني عرفتي إن بس الأشرار، اللي وحشين، هما اللي مبيحبوش المشاكل. أنا مش عايز أبقى كده تاني أبداً، يا حبيبتي، وهحاول أتجنب ده بكل الطرق الممكنة، بوعدك."
"بس ده حصل تاني بعد سنين يا حبيبتي، مكنش الحادثة الوحيدة. أنا حتى معرفش إنت عملت إيه مع الخاطفين اللي على الطريق في الضلمة. أنا خايفة أسأل، بس مش شايف إنها صدفة إن البوليس بعد تلات شهور لقى تلات جثث مشوهة في نفس المكان."
"وبالنسبة للوحوش! أنا قلقان على ضهر الولد ده. فيه فرصة كويسة إنه يفضل فيه علامات بشكل دايم. أنا مش بتمنى إنه يخجل في المستقبل إنه يظهر الجزء اللي فوق من جسمه. بيحاول يخفي ده علينا، بس ضهره لسة بيوجعه، وأنا شايف إزاي بيحاول يتجنب أي حاجة تلمس ضهره. لازم أسوق بحذر عشان شايف إنه بيحاول بجد يبعد ضهره عن الكرسي. هو فعلاً واحد رائع، بيحط الآخرين في المقام الأول. أكيد عانى من تعذيب شديد."
عيون ريني بتلين. "مش عايزني أكلم أمه عشان مش عايز أقلقها من غير داعي، وفقد أبوه وهو عنده ١٤ سنة، عيب."
"أمه فين دلوقتي؟"
"هي في إنجلترا لحد آخر الأسبوع الجاي. هو قاللي من شوية إنها بتكلمه كل مسا من فندقها عن طريق واتساب عشان تتأكد إن كل حاجة كويسة هنا. وراني صورتها. هي جميلة."
"ريني، لازم نعلمها قبل ما ترجع. مش شايف إن بيتهم آمن. إلا إذا كل حاجة اتحلت قبل ما ترجع، الأفضل نقابلها في المطار."
"جاك، لاحظت الإعجاب في عيون كادين لما بيبصوا على بعض؟ هما بيحبوا بعض بعمق يا حبيبي. كأنها حكاية خرافية إزاي كانوا مستعدين يضحوا بحياتهم عشان بعض. هو، بالتعذيب الرهيب ده، حماها وأمه، والعلامات اللي على ضهره هتبقى شاهدة على ده طول الوقت. الموضوع ده خلق رابطة قوية أوي بينهم يا حبيبي."
جاك بيمسح دمعة تعاطف بتنزل على خدها بإبهامه. "هما فين دلوقتي؟"
"هما بيرتاحوا يا حبيبي. بيلي نايم على بطنه في شورتاتك في أوضة الضيوف، وكادين في أوضتها. قلتلهم يرتاحوا قبل ما أجهز العشا."
المنبه بيرن تاني، وريني بتسكت المنبه. "ده آخر منبه. جه الوقت إنك تجهز للشغل وأنا هجهز الترابيزة."
فجأة صراخ هستيري بيرن في البيت. كأن العيال هما الاتنين بيتعرضوا لهجوم في نفس الوقت. جاك وريني بينطوا من السرير مرتبكين، وبيروحوا على الأبواب بتاعة أوض العيال اللي قصاد بعض. بيبصوا يمين وشمال وبيشوفوا نفس المنظر بيتعرض في الأوضتين. العيال بيتحاربوا في نفس الوقت ضد حاجة مش مادية على أسرتهم.
ريني بتدخل على أوضة بيلي، وجاك على أوضة كادين. جاك بيجري وبيحضن كادين جامد. هي بتصارع عشان تتحرر من قبضته وهي بتصرخ بهستيريا، كأن حاجة بتهاجمها. بتخبط برجلها بعنف بتحاول تفك نفسها.
"كادين، اصحي! ده كابوس بس! كادين! كادين!"
فجأة بتبان كأنها عرفت صوته وبتتجمد. بعيون مفتوحة وواسعة، مش بتبان إنها قادرة تركز. "اصحي يا حبيبتي! أنا، أبوكي! ده كابوس بس!"
ببطء بتبدأ تتعرف عليه، وبتمسكه في حضن جامد، وهي بتعيط بهستيريا. وهي بتشهق بصوت عالي بتسأل: "بيلي فين يا بابا؟"
"هو بس في أوضته مع مامتك. نروح ليهم يا بنتي."
بيلاقوا ريني قاعدة على طرف السرير، وبيلي، وراسه في إيده، نايم على بطنه. ريني بتبص لفوق مصدومة لما دخلوا.
"كان عندي صعوبة إني أصحه. كان عنده كابوس وحش. كان بيبان كأنه بيصارع ضد حاجة بتهاجم من جوه المرتبة، وكنت لازم أصرخ باسمه في ودنه أكتر من مرة قبل ما يرجع. كنت خايفة أجرحه لو هزيته."
جاك بيبص من واحد للتاني. "ريني، العيال غرقانين عرق كأنهم نزلوا في المية."
بيلي بيرفع بالراحة، وببص على كادين اللي فجأة بتجري لقدام، وبتروح في حضنه عشان تقدر تضغط عليها وتحضنها جامد. بتحط إيديها حوالين رقبته وبتعيط بشكل مخزي في الوقت اللي ريني وجاك مش بيقدروا يعملوا غير إنهم يبصوا مصدومين.
في النهاية، بتسيطر على نفسها، وبين شهقاتها العالية بتصرخ: "دلوقتي فهمت هو كان يقصد إيه! أنا اديته الحق! دلوقتي دايماً هيبقى معانا!"