الفصل 1
نيرمين
يوم تاني و توتر أكتر.
طريقة الحياة دي اللي اخترت أعيش فيها كانت بتقتلني بالراحة.
الشقة الزبالة دي كانت خلاص ح تقع، أنا متأكدة من ده حرفيًا.
شيلت الغطا من عليا، و دخلت الحمام عشان أعمل الروتين الصباحي بتاعي.
بعد ما فرّشت سناني و أخدت شاور و عملت حاجات تانية ضرورية في الصباح، دخلت أوضتي عشان أنشف نفسي و يمكن آكل فطار.
و أنا ماشية للحمام، الخشب كان بيطلع صوت، و يا رعبتي لما فتحت التلاجة مافيش أكل خالص.
كنت جعانة و البحث عن شغل ما كانش مريحني أبدًا.
روحت للكنبة بتاعتي و سمعت رسالة بتوصل في اللاب توب بتاعي.
إيه تاني ممكن يبوظ صباحي غير إني ما أكلتش أكل كفاية؟
بكسل مشيت للكنبة و فتحتها.
من شركة جافانف.
إيه الهبل ده.
ادّوني مقابلة بعد ساعتين من دلوقتي.
إيه الهبل ده!
شغل قدمت عليه من شهر تقريبًا، و دلوقتي بس بيفكروا يكلموني، لا و مش بيكلموني حتى، بيبعتولي رسالة إني عندي مقابلة بعد ساعتين؟
كان دايما حلمي إني في يوم أصحى و أقول:
أنا بشتغل في مبنى جافانف، بس إني أصحى و أشوف إن مقابلتي بعد ساعتين بالظبط و ح تضيع من إيدي، ده كان كابوس.
لحظة جمدت، ما كنتش عارفة أعمل إيه، و الوقت ما حسّنش حاجة. اتحرك ببطء، و بعد خمس ثواني كويسين كل حاجة رجعت طبيعي، جرس إنذار بيدق في راسي.
جريت على الدولاب الصغير بتاعي و طلعت بدلة و بلوزة صفرا عشان أروح.
مشيت على جزمتي و اخترت أروح بالكعب الأسود.
اللي كان شكلها بسيط أوي.
لو ده ما خلانيش أبدو محترفة بما فيه الكفاية، يبقى ما أعرفش إيه ممكن يعمل كده.
ما كانش معايا فلوس كفاية عشان أجيب لنفسي فنجان قهوة، و لا كان عندي وقت.
و أنا بحسب الوقت اللي حاخده في الشوارع دي، اتنهدت.
من المكان اللي عايشة فيه عشان أوصل لمبنى جافانف، ده ياخد ساعة و نص لو القطر ما تأخرش أو الأوتوبيس.
المشي من المكان اللي عايشة فيه لمحطة البنزين ياخد عشر دقايق، و الوقت عشان أدخل في الطابور عشان التذكرة كان حاجة تانية، يعني تقنيًا أنا متأخرة بالفعل.
وصلت للاستنتاج بتاعي، قررت أروح و أنا معدتي فاضية، و صداع محرج كان بيخليني بائسة في اليوم.
المشي في المترو كان بائس، ناس اتنين خبطوا فيا، و بعضهم حتى زقوني، و ده كان جنون، و أضيفي لده إني لابسة كعب.
أياً كان رايحين فين، يا رب يكونوا اتأخروا بعد ما اتزحلقوا و وقعوا في الوحل، عشان أنت ما ينفعش تزق حد من غير ما تقول "عفوًا" أو تقول "آسف" لما تعمل كده.
وقفت هناك و أنا بأخد المباني الطويلة اللي ما بتخلصش، مليانة أزاز، و اللي خلاها تبدو أجمل أكتر.
الحارس كان بيبصلي طول الوقت.
ما كنتش أعرف إذا كان بيفكر إني أهبل، أو غبية، بس بصلي بغرابة لحد ما قررت أجمع نفسي.
لما قولت له بعمل إيه هنا، دخلني، و حتى أداني التعليمات عشان ألاقي الاستقبال.
مش لطيف هو.
"أمم.. هاي" قولت للسكرتيرة اللي كانت بتتصرف كأنني مش موجودة حتى، و هي شايفاني بوضوح.
لو ما كنتش بدور على شغل هنا، كنت اديتها بوكس عشان بتعاملني كده.
بصتلي، و بعدين رجعت تكتب.
"امشي سيدة، خدي يمين، فيه أسانسير، و بعدين اضغطي على الدور الثلاثين" قالت و هي حتى ما بتبصليش.
تقريبًا كنت ح اديها حركة مش كويسة، بس هديت نفسي.
ما كنتش ناوية أتجنن قبل ما أتكلم مع صاحب العمل بتاعي.
أخدت التعليمات اللي ادّتهالي.
و خليني أقولك موسيقى الأسانسير جابتلي نوم.
بشكل ما، ما كنتش الوحيدة هنا.
زي عشرة أشخاص تانيين كانوا محتلين منطقة الانتظار اللي بتضم رجالة و ستات، و لما دخلت كل الرؤوس دارت في اتجاهي.
ما بصتلهمش و لا اديتهم الإحساس إني مهتمة إذا كانوا بيبصوا عليا وحش أو أي حاجة، بدل ده، مشيت بثقة و تمايلت زي البوص.
الثقة كانت دايما طريقة لإظهار إنك مش خايف، و طريقة لكسب الاحترام.
"هاي أنا نيرمين هوتش" قولت للسكرتيرة.
"هاي شكلك مألوف" قالت و هي بتبصلي في عيني على طول.
يا خراشي! غطائي كان بيتفك.
ابتسمت و رجعت خطوة لورا.
ما ينفعش تعرفني و إلا كل حاجة ح تضيع.
"أمم آسفة يا مدام بس أكيد حضرتك غلطانة، احنا ما اتقابلناش قبل كده" قولت و أنا بأديها ابتسامة أوسع.
همهمت بشيء تحت أنفاسها بس هزت راسها.
"أنا لينا، هنا الاسكربت بتاعك، رقمك عشرة في القائمة.
آسفة عشان أخدتي آخر رقم، بس وصولك متأخر" قالت و هي بتديني ابتسامة اعتذار.
اتنهدت في سري بس شكرتها على أي حال.
دلوقتي كنت حاأضيع وقتي هنا و أنا حاسة إنني ضفدعة بتموت.
الصبر كان صاحبي، بس ده ما يعنيش إن الملل كان كذلك.
ساعة عدت و نصهم بس راحوا، و كنت بزهق كل ثانية بتعدي.
بصيت للستات الباقيين اللي قاعدين.
واحدة كان ليها اهتمام بالحائط اللي كان قدامها.
تانية كانت مشغولة بتكتب على تليفونها.
الكتابة دي كانت بتعمل ضوضاء في القاعة الهادية، و بتخلي الكل يتضايق، و اللي دهشني إنها ما كانتش بتبان إنها مهتمة.