الفصل 80
لاحظت شوية تجديدات من لما كنت هنا، وكم قطعة ما شفتيهاش المرة اللي فاتت لما حطيت رجلي في المبنى ده.
السكرتيرة في الدور بتاعه ما تجرأتش تسألني، بدل ده هزت راسها في صمت وهي بتقول إن أبويا مش مشغول دلوقتي، ودخلت على طول على مكتبه، بس تجمدت في مكاني لما صورتي طبق الأصل وقفت هناك بابتسامة مغرورة على وشها.
كنت عايزة أكسر حاجة، بس بدل ده وقفت متجمدة، وإيدي لسه على مقبض الباب، وعينين بتبص عليّ.
"إيه اللي بتعمله هنا؟" سألت أبويا، اللي بص لي، و"ناتالينا" بصت لأبويا، وبعدين قعدت على واحد من الكراسي المتاحة.
كنت مستعدة أمشي. أيوه، كنت صح صح مستعدة أمشي.
"يا "نات" لو تعرفي إيه اللي في صالحك.
مش هتخرجي من المكتب ده" قال أبويا بحزم وهو بيستخدم الاسم اللي بكرهه أكتر شيء.
حسيت إني عايزة أبص للراجل بغضب وأهرب من المبنى ده.
"لسه همشي، فخلوا ده سريعًا" قلت وأنا ببص للاثنين بغضب، وبعدين مشيت عشان أقعد.
بالرغم من إني كنت عايزة أكون شاكرة لأبويا لأنه اتصل بأكتر إنسانة صعبة أعرفها، كنت أعرف كمان إن العاهرة دي مش جديرة بالثقة وممكن تسبب أضرار كفاية بنقرة صباعها، سواء لينا أو للجهة التانية من الحفلة.
ما وثقتش فيها.
وكنت أعرف كمان إن مفيش حد هيقدر يثق في شخص بيموت ثلاث مرات وبيرجع للحياة بشكل معجزة من العدم.
تلات مرات لعنة، وفي المرتين أهلي افتكروا إنه مضحك إزاي كل واحدة من موتتها كانت من باب الصدفة للكارثة.
متفهمونيش غلط، أهلي مكنوش ساديين أو حاجة زي كده.
هما بس كانوا بيحبوا الإبداع.
دي كلماتهم مش كلماتي.
كانت فيه فترة كانت فيها الست دي هي قدوتي.
في الحقيقة كنت بحبها أكتر من ما كنت بحب أهلي، على كل حال هي كانت عيلة، صح؟
توأم أمي.
علمتني اللي أهلك ما بيعلموهوش عن العالم الخارجي.
النشل.
رمي السكين بشكل عابر.
توصيل أسلاك العربية.
السواقة في سن أربعتاشر سنة.
التدخين واستنشاق الكوكايين.
اللي يعجبك.
والأهم من ده كله، التلاعب.
كانت هي المثال المثالي للصحبة السيئة، وأهلي الغريبين ما احتجوش في الوقت ده لما عرفوا اللي كانت بتعلمني إياه.
قالوا إني محتاجة ده عشان أميز بين الخير والشر، وإني محتاجة أعيش المرحلة دي من الحياة.
المرحلة اللي فيها صحبة سيئة وبتتعلم تتخلص منها.
بدأت لما كان عمري أربعتاشر سنة، ولمدة سنتين استمرت بشكل عشوائي لحد اليوم اللي كدت أموت فيه لأني جرعت زيادة.
مضحك، صح؟
الوقت ده أبويا لقاني على الأرض بتشنج، وأهلي قرروا ياخدوني لعملية إزالة سموم سريعة بعد ما نحت وقلتلهم إني عايزة أبطل على سرير المستشفى.
اتصلوا بدكتور معين، وبعدين أدوني حباية وقالولي إنها هتكون مؤلمة بعد ما أبلعها بدقايق.
وكانوا صح صح لأن بعد بالظبط دقيقتين حسيت كأن جسمي بيتحرق بالنار.
كانت مزيلة سموم سريعة.
أنا بتكلم عن القرف اللي بينضفك تمامًا في مدة 60 دقيقة، وهيموتك لو مافيش طاقم طبي ومعدات جنبك.
دخلت في غيبوبة لمدة شهر كامل، ورجعت نضيفة.
لما سألتهم إزاي قدروا يعملوا ده أو حتى يكون عندهم وصول للدوا ده، قالولي طول ما بتعوم في الفلوس الأمور بتمشي سهلة.
ضحكت.
ده كان بس نص القرف اللي "ناتالينا" سببهولي وفضلت فيه.
هل ذكرت إن وقت ما صحيت من الغيبوبة، كانت ماتت.
العاهرة دي ادعت موتها للمرة الأولى، وكادت تسبب لي جلطة.
كانت زي الغاز السام اللي بيخليك تحس بدوار جواك، وبعدين يقتلك.
دي كانت عمتي.
"مش مصدقة إنك ما سلمتيش عليّ" همهمت، بس سمعتها وكدت أزمجر عليها.
إزاي تتجرأ.
كنت متأكدة إنها عايزة نوع من رد الفعل مني، بس تجاهلت ده.
الست دي كانت مجنونة، ومجنونة كويسة فيها.
الحاجة الكويسة الوحيدة اللي يمكن عجبتني فيها كانت شرطها الوحيد.
العيلة أولًا.
محدش قبل العيلة.
ده كان شعارها، وبالرغم من الكره اللي حملته ليها لمدة طويلة، ده كان الشيء الوحيد اللي عجبني فيها.
أتذكر إزاي أخويا حلف إنه عمره ما هيحط أي شيء تحت اسم "المخدرات" في بقه بعد ما شاف إزاي كنت بصارع عشان أعيش لخمسة شهور كويسة، واتنين منهم كنت فيها رصينة جدًا وكويسة عشان أشتغل.
بعد ده أهلي نقلوه.
أخدوني لمدرسة داخلية خاصة في إستونيا.
كانوا عايزين يخلوني على أرض الواقع وبعيدة عن اللي كنت بعمله.
خلوني في نوع المدرسة اللي بتنتهي بأكاديمية وأي شيء أقل من 65 في المية كان يعتبر سيء وقريب من الرسوب.
أجبروني على كل أنواع الرياضة اللي ممكن جدولي يستوعبها وأنشطة ما بعد المدرسة كمان. لسه بياخدوا في اعتباراتهم جدية تدريبي ومهارات القتال، وده كان سبب توظيفهم لمدرب بييجي كل تلات أيام في الأسبوع عشان يدربني.
كنت أفضل تفسير لـ"مناسب"، وعشان يوروني إنهم بياخدوا اللي بيعملوه بجدية، كانوا بيقطعوا مبلغ كبير من مصروفاتي لو تجرأت أتخطى أي حاجة في جدولي أو أعمل اللي ما قاليش عليه.