الفصل 86
«اُسكُتِي عَن الكَذِب» قُلتُ لَها وَ هِيَ هَزَّت رَأسَها بـ "لا".
بِصَمتٍ تُخبِرُني أَنَّها لَم تَكُن تَكذِب.
بِصَمتٍ تَطلُبُ مِنّي أَن أُصَدِّقَها.
لَكِن لَم أَستَطِع.
فَقَط لَم أَستَطِع. كَانَ هُوَ اِبنِي وَ اِبنِي وَحدَهُ.
«لَيسَ اِبنِي لَك!» صِحتُ بِصوتٍ عالٍ وَ في ثَوانٍ، كَانَت عَمَّتي بِجانِبي تَكبِتُني.
«مِن فَضلِكِ، خُذيني إِلى البَيت» هَمَستُ لَها وَ هِيَ أومَأت بِرَأسِها.
ما هَذَا الـ fuck بِالضَبط؟
نايِرا
لَم نَأخُذ سَيَّارَتي لِنَذهَب إِلى البَيت.
لَم نَفعَل ذَلِك لِأَنَّني لَم أَستَطِع حَتَّى أَن أَجِد في نَفسي أَن أُفَتِّشَ جُيوبي مِن أَجلِ مُفَاتِيحِ سَيَّارَتي.
«هَل أَنتِ مُتَأكِّدَة مِن أَنَّكِ تُريدين الذَّهَاب إِلى البَيت؟» سَأَلَت وَ هِيَ تَضَعُ عَلامَات اقتِبَاسٍ هَوائِيَّة حَولَ كَلِمَة "البَيت" لِأَنَّهُ كَانَ المَكَان الَّذي كُنتُ أُقِيمُ فيهِ لِبَعضِ الوَقت.
بَيتُ يوصِيا.
في هَذِهِ اللَّحظَة، كَانَ المَنزِل هُوَ البَيت وَ هُوَ بالتَّأكِيد سَيَكُونُ بَيتي لِوَقتٍ طَويلٍ جِدًّا.
لَم أُجِبها.
كَانَ صَمتي هُوَ الإِجَابَة، لِأَنَّني لَم أَحتَجَّ.
كَانَت الكَثيرُ مِن الأَفكَار تَدورُ في ذِهني. تَتَسَابَقُ مَع بَعضِها البَعض وَ الكَثيرُ مِن المَشَاعِر المُتَشَابِكَة مَعَها إِلى دَرَجَة أَنَّهُ لَم يَكُن بإِمكَانِ المَرءِ أَن يَستَقِرَّ.
لَم يَكُن لَدَيَّ دُموعٌ لِأَبكيها.
بِدَوتُ غَيرَ قَادِرَةٍ عَلى الإِحتِفَاظ بِالغَضَبِ بِما يَكفي وَ كَانَ الإِربَاكُ يُغَيِّمُ عَلى كُل رَأسِي.
هَل كَانَ يوصِيا يَعلَمُ أَنَّ لَدَيهِ طِفلاً أُسَمِّيهِ اِبنِي؟
هَل كَانَ يَعرِفُ حَتَّى أَينَ وَجَدتُ الطِّفل، أَم أَنَّها رَمَت طِفلَها لِيَموتَ في لَيلَة شِتَاءٍ بَارِدَة؟
هُزّت رَأسِي وَ أَغلَقتُ عَيَني مُحَاوِلَةً تَهدِئَة مَشَاعِري.
«لَن يَسمَحوا لي بِالمُرور عَبْرَ هَذِهِ البَوَّابات» قَالَت وَ هِيَ تَقِفُ أَمَامَ البَوَّابَة وَ رَفَضَ الحَارِس أَن يَفتَحَ لِسَيَّارَةٍ لَم يُخبَر بِها أَو لَم يَكُن عَلى عِلمٍ بِها.
«عِندَمَا يَرَاني، سَيَفتَح» قُلتُ ثُمَّ رَفَعتُ رَأسِي عَالِيًا بِما يَكفي لِتَرَى وَجهي مِن خِلال الزُّجَاج الأَمَامِي وَ عِندَمَا رَأى نَظرةً وَاحِدَةً لوَجهي، أومَأَ ثُمَّ أَشَارَ إِلى الحُرَّاس الآخَرين لِيَفتَحوا.
قُدنَا لِمُدَّة خَمسِ دَقَائِقَ أُخرَى إِلى العَقَار حَتَّى وَصَلنَا إِلى مَنزِلي.
المَكَان الَّذي مَنَحَني الرَّاحَة دَاخِلَ جُدرَانِه الأَربَعَة.
«شُكرًا» قُلتُ مُنَفَتِحَةً البَابَ وَ جَمعتُ كُلَّ القُوَّةِ المُتَبَقِّيَة فيَّ لِمُحَاوَلَةِ الإِبتِعَادِ عَن هَذِهِ المَرأَة.
«أَلَن تَدعيني أَدخُل؟» سَأَلَت بِإِبتِسَامَة عَلى وَجهِها، رُبَّما تَأمُلُ أَن أُعِيدَها أَو مَا هُوَ أَسوَأ مِن ذَلِك أَن أَدعُوها إِلى الدَّاخِلِ في مَنزِلي.
تَقريبًا ضَحِكتُ.
«لَا تَدْفَع الأُمور» قُلتُ ثُمَّ صَفَعتُ البَابَ وَ بَدَأتُ أَمشي نَحوَ بَوَّابَة المَنزِل.
«عَزيزي، لِماذَا المَنزِل مُظلِم هَكَذَا؟» سَأَلَ يوصِيا وَ هُوَ يَدخُلُ إِلى الدَّاخِلِ وَ يُغلِقُ البَابَ الأَمَامِيَّ.
كَانَت السَّاعَة السَّادِسَة وَ النِّصف وَ كَانَت الشَّمس قَد غَابَت تَمَامًا، لَكِنَّهُ لَم يَكُن مُظلِمًا جِدًّا في الخَارِج، مِمَّا يَعني أَنَّ قَليلاً مِن الضَّوءِ كَانَ يَسطَعُ في المَنزِلِ، وَ هُوَ يُلْقِي ظِلالاً عَلى كُل شَيءٍ فِيه.
بِمَا في ذَلِكَ أَنا الَّتي جَلَسَت عَلى الأَرِيكَة وَ زُجَاجَةُ جَعَّةٍ أَمَامِي، حَيثُ حَاوَلتُ مُعَالَجَة كُل شَيءٍ قِيلَ لي.
لَا، لَا يُمكِنُ أَن يَكُونَ هَذَا هُوَ الحَقِيقَة.
«تَعَالَ وَ اجلِس يَا يوصِيا» طَلَبتُ وَ عِندَمَا سَمِعَ نَبرَةَ صَوتي، لَم يَقُل أَيَّ شَيءٍ، بَل عَلى العَكس قَامَ بِتَشغِيل الأَضوَاءِ ثُمَّ أَلقَى نَظرةً جَيِّدَة عَلَيَّ.
«هَل كُنتِ تَبكين؟» سَأَلَ وَ هُوَ يُسرِعُ إِلى جَانِبي وَ تَجَنَّبتُ السُّؤَالَ.
هَل كَانَ هَذَا وَاضِحًا جِدًّا؟
«بِجَدِّيَّة، اجلِس. لَدَيَّ بَعضُ الأَخبَارِ المُفَاجِئَة» قُلتُ ضَاحِكَةً، حَتَّى أَنَّني لَم أُصَدِّق أَنَّني أُسَمّيها أَخبَارًا مُفَاجِئَة.
بَعدَ ذَلِك، لَم يَسأَل أَيَّة أَسئِلَةٍ أُخرَى، بَل عَلى العَكس جَلَسَ.
يَنتَظِرُ الأَخبَارَ المُفَاجِئَة جِدًّا.
كُنتُ عَلى وَشكِ تَحطِيمِ قَلبِهِ بِشَكلٍ سَيِّء.
لَكِنَّهُ كَانَ يَجِبُ أَن يَعرِفَ.
«لَدَيكِ طِفل» صَرَّحتُ وَ نَظَرَ إِليَّ بِحَاجِبَين مُتَقَارِبين.
هَذَا الرَّجُلُ لَم يَحتَجَّ حَتَّى، وَ هَذَا أَكَّدَ اِفتِرَاضَاتِي حَولَ كَيفَ كَانَ مُرْتَبِكًا.
عِندَمَا لَم يُجِبني، مَسَكتُ هَاتِفي ثُمَّ أَرَيتهُ صُورَةً لِـ أَنْسِل وَ اِشتَعَلَت عَيناهُ.
ثُمَّ سَأَلَني إِذَا كُنتُ أُعطِيهِ وَرَقًا قَانُونِيَّة لِتَبَنِّيهِ وَ أَجَبتُ أَنَّني كُنتُ أَتَمَنَّى ذَلِك.
لَم أَكُن مُتَأَكِّدَة تَمَامًا كَيفَ أُعْلِمُهُ بِالأَخبَار، لِذَلِك بَدَأتُ بِالسُّؤَالِ عَن أَيِّ طَلِيقَاتٍ كَانَت لَدَيهِ مَعَهَا عَلاقَاتٌ جَادَّة.
أَخبَرَني ثَلَاثًا وَ أَخبَرَني أَنَّ الآخَرين كَانوا مُجَرَّدِينَ هُنَاكَ، لَكِن لَيسَ هُنَاكَ شَيءٌ جَادٌّ.
ثُمَّ سَأَلتُهُ إِذَا كَانَ شَخصٌ مَا يُسَمَّى نَويل هِيَ وَاحِدَة مِن الاِثنَين وَ نَظَرَ إِلَيَّ مُتفَاجِئًا.
تَأكِيدٌ آخَر.
كَانَت هِيَ.
«مَن أَخبَرَكِ عَنها؟» سَأَلَ وَ أَومَأتُ بِكَتِفَيَّ مُجَرَّدًا.
أَخبَرَني أَنَّها قَد مَاتَت وَ سَأَلتُهُ إِذَا كَانَت قَد مَاتَت بِالنِّسبَةِ لَهُ أَم لِـ العَالَم وَ أَجَابَ أَنَّه كَانَ كِلَا الأَمرَين.
كِلَاهُمَا!
ضَحِكتُ بَعدَ ذَلِك، لِأَنَّ هَذَا ذَكَّرَني كَيفَ كُنَّا الآن نَتعَامَلُ كِلَيهِمَا أَنَا وَ هُوَ مَعَ مُزَيِّفي مَوتٍ مُحْتَرِفين.
«لَم تَمُت» قُلتُ لَهُ وَ نَظَرَ إِليَّ كَأَنِّي مَجنُونَة، ثُمَّ أَصَرَّ عَلى تَركِ المَوضُوع الَّذي لَم أَفعَله وَ أَسفَرَ ذَلِكَ عَن اِرتِفَاعِ حَرَارَةِ كِلَينَا.
«مَا ذَا يَهُمُّكِ عَلى أَيِّ حَالٍ! لِماذَا لَن تَتْرُكي هَذَا المَوضُوع اللَّعين يَا نَايِرا؟» سَأَلَ وَ هُوَ يَقِفُ وَ فَعَلتُ المِثلَ.
«لِأَنَّها تَتَجَسَّسُ عَلَيَّ مُنذُ أَسَابِيع يَا يوصِيا. هُنَاكَ شَيءٌ مَا مَعَها وَ أَنَا لَا أُحِبُّ هَذَا» صِحتُ عَائِدَةً وَ أَتَنَفَّسُ بِصُعُوبَةٍ، وَ عِندَمَا سَمِعَ ذَلِك، تَجَمَّدَ.
ثُمَّ ضَحِكَ.
ضَحِكَ بِشِدَّة إِلى دَرَجَة أَنَّهُ كَانَ عَلَيهِ أَن يَنحَني مُمسِكًا بِمَعدَتِهِ.
اِعتَقَدَ أَنِّي مَجنُونَةٌ.
«قَد فَقَدتِ عَقلَكِ اللَّعين» قَال ثُمَّ هَزَّ رَأسَهُ.
بَعدَ ذَلِك، لَم يُبَالِ حَتَّى لِأَن يُعطِيَني نَظرةً أُخرَى، بَل عَلى العَكس ذَهَبَ إِلى غُرفَتِهِ.
«إِلى أَينَ أَنتَ ذَاهِب؟» سَأَلتُ بِرِقَّةٍ مُتَضَايِقَةً.
اِعتَقَدَ أَنَّني أَكذِب وَ سَمَّاني مَجنُونَةً.
كُنتُ أَشعُرُ بِأَنَّني أَستَسلِمُ.
رُبَّما كَانَ يَحتاجُ إِلى أَدِلَّة أَصعَب.