الفصل 54
أخدت نفس عميق وهزيت راسي لما الدكتور سألنا إذا كنا جاهزين.
على العد التنازلي لثلاثة، شال الأغطية، وقدامي كانت جثث أصحاباتي اللي كانوا أحسن أصدقاء لي.
كان شكلهم بشع.
مستحيل تقريبا الواحد يعرفهم.
أخدت نفس تاني وشهقة طلعت مني.
أخدت نفس.
طلعت نفس.
بدأت أحس بدوخة، و شوي شوي رؤيتي صارت ضبابية لحد ما كل اللي شفتيه صار أسود.
أخيرا نوم.
نايرا
بعد ثلاث أيام، كلنا تجمعنا في كنيسة مليانة ناس لابسين أسود، وفوق راسنا كلها كان فيه سحابة حزن كبيرة.
حزن وإرهاق.
سمعت أمها وهي بتلقي كلمة عن إنها كانت بنت عظيمة وكل حاجة.
اقترحوا علي أروح أتكلم، بس ما وثقت في نفسي إني أقدر أقول كلمة من غير ما أنهار، فبسبب كدا قعدت في الزحمة وأنا بستنى اللحظة اللي محد فينا كان عايزها توصل.
الخدمة خلصت أخيرا، و اتبعتهم برا، ورا أبويا وأمي مباشرة، و أنسل في إيدي.
صوت كعبي الأسود بيدق على بلاط الأسمنت على درجات الكنيسة الضخمة، و بنطلوني الأسود اتمط بما فيه الكفاية عشان أقدر ألحق بأهلي.
كنت لابسة نظارة شمس سودا مع بالطو أسود طويل و جزمة كاحل.
كنت لابسة بنطلون جلد أسود واسع و بلوزة بياقة عالية تحت البالطو.
أمالا كانت لابسة تنورة سودا طويلة مع جزمة لحد الركبة وكم طويل مع نظارة شمس سودا، وشعرها الطبيعي كان نازل اليوم وعامل أفرو.
على جنبي، يوشيا كان ماشي معايا وأنا منزلة عيني و بتابع أهلي عن قرب.
لما وصلنا أخيرا لعربيتهم، أخدوا أنسل من إيدي، و يوشيا وجهني للعربية اللي جينا فيها من غير ما نتبادل كلام.
لما وصلنا للمقابر، جمدت.
أفكار كتير مرت في راسي، وأهمها إني مش هشوفهم تاني أبدا.
لازم أكون بحلم. قلت لنفسي بهدوء، وحسيت بإيد بتدلك ذراعي عشان تطمني.
حتى ما قدرتش أعيط.
كنت بعيط لمدة أسبوع كامل وحسيت إني خلاص ما عندي دموع تاني.
غالبا في المكتب كنت بلاقي نفسي بعيط من غير سبب، و مرة موظف كان المفروض يسلم ملفات شافني بعيط و حس بإحراج شديد لما شافني بعد كدا.
كاد يغمى علي من الضحك.
بعد ما هديت نفسي، مشينا من العربية و تبعنا الناس اللي تجمعوا عند الحفرتين اللي كانوا بعمق ستة أقدام ويمكن أعمق شوية، وعيني اتعلقت على التابوتين المقفولين.
يوشيا لسة واقف جنبي و سندت عليه أكتر.
من الناحية التانية، أبويا كان بيراقبنا، وحسيت إن الأسئلة هتنهال عليا خاصة منه.
حسيت بحد بيشدني عليه، وبصوت مفاجأة، وقعت على صدر مألوف و تنهدت.
فرك ضهري وحضنته أقوى.
"إزاي ماسكة نفسك؟" سأل لما بعدنا شوية.
"تمام تقريبا.
حاسة إني أحسن من الأسبوع اللي فات" قلت و أنا ببص عليه، وأخيرا بص في عيون يوشيا.
"برايسون هوتش" قال و هو بيرفع إيده عشان يوشيا يسلم عليه، و يوشيا عمل كدا يمكن بعد ما سمع إنه أخويا.
لفيت عيني ورا العدسات الداكنة للنظارة الشمس اللي كنت لابساها، و ابتعدت و اتفرجت عليهم و هما بينزلوا الصناديق في قبورهم، وعيني دمعت.
دمعة واحدة نزلت على خدي وشلت النظارة عشان أمسحها.
"هتكوني بخير" قال بعد ما باس جبيني.
هزيت راسي بس، و كنت بتمنى إنه يكون صح.
"أتوقع أنسل هيفضل معايا لحد الأسبوع الجاي" قالت أمي و إحنا قاعدين في المطعم الصغير اللي فيه زرع معلق.
كانت أمي وأخويا وأبويا كان شايل أنسل.
"أيوة" قلت وأنا ببص من الشباك، وفجأة حسيت بالذنب بسبب الطريقة اللي كنت بعاملهم بيها.
كنت بتجاهل مكالماتهم، والأهم إني كنت بفشل في شغلي كأم إني أعتني بولدي.
تنهدت أمي.
هي اللي أجبرتني أجي معاهم، وقالت إن دا هيساعدني أطلع من منطقة الحزن الصغيرة بتاعتي شوية، بس ما عملش حاجة.
بعد ما قعدت في صمت تام و بس أنسل هو اللي بيعمل صوت يمكن بسبب إنه ما يعرفش أي حاجة عن الوضع كله، أخيرا قمت عشان أمشي.
"بصي بس تلات أيام، و يوم الأربعاء هجيله.
محتاجة بس أشتغل على نفسي شوية وهتصل بيكم الليلة" قلت و أنا بدفع الكرسي لورا، في نفس الوقت اللي الأكل اللي طلبوه جه.
أمي بصتلي بنظرة حادة، وأبويا بين عليه التعاطف.
أخويا هز راسه، وفي اللحظة دي ما كنتش مهتمة.
لما أنسل شافني همس باسمي ورفع إيديه الصغيرة عشان أشيله.
قلبي اتنفخ على الآخر، وعلى طول مشيت عليه و أخدته في إيدي و بست جبينه.
"مامي هتشوفك بكرة، أوكي؟" قلت، وهو رد بـ"لا" بصوت عالي جدا، وده خلى الناس تبص علينا، شوية منهم بفضول والباقي بضيق.
رجعته لأبويا، وتجاهلت صراخه، وبعدين أخدت شنطتي عشان أمشي.
بصراحة ما كنتش ناوية أروح البيت مع ولد هيشوفني بنهار في كل ثانية بتعدي، فعشان أحافظ على كرامتي و كبريائي سبته في بيت أهلي.
لما فتحت باب بيتي، كدت أقفز من مكاني لما شفتي يوشيا قاعد هناك و هو مرتاح كأنه بيته.