الفصل 31: بدء حياة جديدة
من وجهة نظر سيرسي
البدء بحياة جديدة في عالم غير مألوف طلع أصعب مما توقعت. كبرت في قصر كان عليّ فيه القيام بأعمال روتينية زي التنظيف والفرك. بس في المكان الجديد ده، كان في حاجات كتير مختلفة أعملها.
بما إننا قاعدين هنا، فكان طبيعي إننا نساعد. الغريب إن ماما بدأت تشتغل في محل الخياطة في الدور التاني. عمري ما عرفت إنها بتعرف تخيط. خلاني أدرك إن فيه حاجات في حياة أمي لسه ما أعرفهاش. أما أنا، فخلصت بإنّي بخدم الزباين في الكافيه.
بصراحة، ما كنتش شاطرة أوي فيها. لحسن الحظ، العمة ميلاني كانت طيبة وصبورة، حتى لما كنت أغلط زي ما أحرق العيش أو أقدم قهوة مش كويسة. خلتني أكمل أخد طلبات في الآخر.
بس الموضوع ما كانش كله وحش، برضو. كان عندي شوية خبرة قبل كده في النوع ده من الشغل، حتى لو ما مشيش كويس في الماضي. التعامل مع الزباين هنا كان مختلف. ما كانوش مجرد ضيوف؛ كانوا ناس عاديين بيستمتعوا بكوباية شاي وقهوة. ما كانوش بيتصرفوا زي أغنياء متكبرين محتاجين اهتمام مستمر.
زمان في القصر، كنت فاكرة إن حياتي صعبة بسبب سلوك فيينا الطفولي. كان لازم أتحمل مقالبها السخيفة وأنا بشتغل بجد وبدور على الراحة في كابينة صغيرة. كنت بلومها على إنها بتخلي حياتي صعبة.
بس دلوقتي أدركت إن الحياة ما بتبقاش سهلة سحرًا بمجرد تغيير الأماكن. ما تفهمونيش غلط، أنا ممتنة إني هنا. بس كل حاجة جديدة ومش مألوفة. التفاعل مع زباين مختلفين كل يوم، بدل ما أشوف نفس الوشوش طول الوقت، ده تغيير كبير.
بالإضافة لكده، إحنا في مدينة مزدحمة بمباني عالية، ومواصلات عامة، ولبس على الموضة، وناس لا تحصى. لازم نخبي هويتنا الحقيقية ونحافظ على طبيعتنا الوحشية سر. ما ينفعش نتحول أو نصطاد فريسة. لو اشتهينا اللحم، العمة ميلاني عندها كتير في التلاجة بتاعتها.
برغم إني بره في العالم الواسع، لسه حاسة إني مخنوقة. يمكن عشان لسه ما اتعودتش على البيئة دي.
في الوقت المناسب، أتمنى إني أستريح هنا أكتر، زي العمة ميلاني. فيه فرص وعجائب كتير مستنيانا، حاجات عمري ما سمعت عنها قبل كده. دلوقتي أدركت أد إيه كنت بفوت على حاجات كتير.
"صباح الخير. إزاي أقدر أساعدك النهارده؟" حييت الزبونة بحرارة، بابتسامة حقيقية، جاهزة أقدم خدمة ممتازة كويتر مجتهدة.
لاحظتها وأدركت إنها في سني تقريبًا، وبتظهر ثقة بنفسها زي مادونا. بشعرها الأشقر اللامع وعلامة الجمال بتاعتها، كانت بتشبه المغنية الشهيرة بشكل كبير.
رفعت نضارتها الشمسية شوية وبصت لي، وادّتني نظرة عدم رضا. شفتيها العلوية اتلوت شوية كأنها متضايقة من وجودي.
فجأة، بقيت واعية بنفسي. كانت لابسة بشكل مثالي، وبتظهر أناقة بثقتها في وقفتها، في الوقت اللي كانت بتحكم عليّ من كعبها الأحمر اللي طوله ست بوصات.
عينيها اتحركت فوق وتحت، بتقيم مظهري، قبل ما تتكلم أخيرًا. صوتها كان بيظهر أناقة أنثوية معينة، مصحوبة بهالة تفوق.
"Je vais prendre un déca, s'il vous plaît [هاخد قهوة منزوعة الكافيين، من فضلك]،" قالت، مؤكدة على سلوكها الراقي.
"ده كل شيء، آنسة؟" سألت، مش عارفة إن اختياري للكلمات هيضايقها من غير قصد.
رفعت حاجبها في رد فعل، وواضح إنها اتضايقت من إني ناديتها بالشكل ده.
"Oui [أيوة]،" ردت بالفرنسية، مؤكدة على طلبها بنبرة لا مبالاة منفصلة.
وأنا بلف عشان أحضر طلبها، ابتسامتي المجبرة اختفت، وحل محلها خيبة أمل حقيقية. بالرغم من إنها كانت جميلة وأنيقة، ما كانش فيه داعي لقلة أدبها الغير ضرورية.
شوية طيبة وذوق ما كانوش هيكلفوها حاجة.
ضميت شفايفي وأنا واقفة في المطبخ، ماسكة طلبها. العمة ميلاني ما قدرتش تمسك نفسها من الضحك على تعبيري.
"شكلك استمتعتي بلقاء سيلفي،" قالت بابتسامة عارفة.
سيلفي، هاه؟ الاسم ده ماشي مع سلوكها تمامًا.
"Oui،" قلّدت لهجة سيلفي بمرح، مستفزة ضحكة تانية من عمتي.
"أيوة، هي عندها أسلوب معين،" اعترفت العمة ميلاني، وهي فاهمة اللقاء تمامًا.
"ما تقلقيش، يا عمتي، قابلت أسوأ منها،" طمأنتها، بفكر في إن أسلوب سيلفي كان ولا حاجة مقارنة بفظاعة فيينا.
"Profitez de votre café [استمتعي بقهوتك]،" حييت سيلفي بابتسامة وأنا بحط قهوتها على الطاولة بلطف، بحاول أحافظ على هدوئي برغم لا مبالاتها.
كان أسبوع عدى من لما طردونا من القصر. اللي فاجأني، إن ولا واحد من حراس مسيو جه يدور علينا، ويسحبنا للحياة الخانقة اللي كنا نعرفها زمان. يمكن لسه ما لقوناش، أو ببساطة مش بيدوروا.
بعد ما فيينا أطلقت مشاعرها المكبوتة، معبرة عن أعمق استيائاتها، فكرت هل مسيو قرر أخيرًا إن الوقت جه عشان يحررنا من قبضته. بغضبها اللي بيغلي وعطشها اللي ما ينتهي للانتقام، يمكن فيينا اختارت إنها تسيبنا ونعيش حياة سعيدة مع خطيبها.
كنت بتمنى ده بشدة، عشان ما كنتش عايزة أرجع تاني للوجود الكابوسي ده. أفكاري راحت لماريا، صديقتي العزيزة اللي اتسابت. لو كانت هنا، كانت هتستمتع بمنظر المدينة النابض بالحياة اللي حوالينا. كانت دايمًا بتتكلم عن المدن الكبيرة كأنها عايشة فيها قبل كده. يمكن فعلًا كانت، بس قبل ما تشتغل مع عيلة كريسينت، حياتها في الماضي فضلت محاطة بالغموض بالنسبة لي.
وحشتيني أوي، يا أحسن صديقة. كان هيكون أسهل لو كانت معايا. دمعة لمعت في عيني، وشمت، ومسحتها بسرعة.
الكافيه بيقفل الساعة عشرة، بس ورديتي بتخلص الساعة خمسة، فغالبًا باخد فرصة أتمشى. ماما ما بتحبش إني أتمشى لوحدي؛ دايمًا قلقانة إن واحد من رجالة مسيو يخطفني من الشوارع. لحسن الحظ، العمة ميلاني موجودة عشان تطمنها.
وكمان معايا شوية فلوس. العمة ميلاني مصرة تدفع لي مقابل شغلي في الكافيه. في البداية رفضت، معتبرة كل اللي عملته عشاننا بإنها خلتنا نقعد في بيتها ونشارك كل اللي عندها. بس هي أصرت، وقالت إني هحتاجها.
حاليًا، لاقيت نفسي بتمشى في الشارع، بتبص على المحلات المختلفة. لبس، أكل، وميك أب، ما فيش حاجة بجد بتجذبني كفاية عشان أشتريها. لما وصلت في الأول، العمة ميلاني ادتني كومة لبس وميك أب. هي نفسها فنانة موضة، وأسلوبها مثالي.
وقفت لما لاحظت ولدين مشردين في الشارع التاني. رحت لمخبز قريب، واشتريت لهم شوية عيش ومية، واديتهم.
اتنين منهم، ولد وبنت، شكلهم أخوات. الولد شكله أكبر شوية، يمكن عنده 10 سنين، في الوقت اللي البنت شكلها عندها 6 سنين تقريبًا. الولد شكرني لما اديته الأكل، وعلى طول شاركه مع أخته. لمس قلبي إني أشوفهم كده.
"أنتِ طيبة وجميلة أوي. أنتِ أميرة؟" البنت الصغيرة سألت. ضحكت ودعكت شعرها."