الفصل 29: من الجحيم
من وجهة نظر سيرسي
زي ما حصل قبل كدة، بعد الليلة المشؤومة دي، طردونا تاني من القصر الكبير، المرة دي، للأبد.
فيينا رفضت تخلينا ناخد أي حاجة من حاجاتنا؛ الحراس طلعونا بقسوة، ورَمونا في الشارع البارد، معندناش غير جروح بتنزف دم.
وكأن الدنيا مش كفاية، السما فتحت، وغرقنا في مطرة مستمرة. وقفنا هناك، مبلولين ومحبطين، في نص الشوارع المزدحمة. ماما كانت بتعيط، وبتكرر اعتذارها للمرة الألف، في الوقت اللي أنا كنت ببص على السما الفاضية.
في اللحظة دي، لقيت نفسي مش قادر أنزل دمعة واحدة؛ خزان مشاعري كان فاضي. الإرهاق أكلني، ومنعني من إظهار أي إحساس. أخيراً، قبلت قدري التعيس—لعنة من السما، حرمتني من نعمة السعادة.
عشت عمري كله نفسي أهرب من القصر ده. بس دلوقتي، لما أخيراً حققت حريتي، مش لاقية أي سعادة، ولا حتى شوية صغيرة. يمكن الأمور كانت هتختلف لو الظروف اتغيرت أو لو بابا لسة معانا.
بابا كان بيحكي لي قصص مثيرة عن اتساع العالم، وبيأكد إن الحياة بتمتد أبعد من الجدران اللي بتخنق، والبوابات اللي بتفرض سيطرتها، اللي ورا القصر ده. أخيراً، بعد ما اتحبست لمدة ١٨ سنة طويلة، أخدت أول خطوة ليا في العالم الخارجي.
في بحثنا اليائس عن مأوى، فحصنا اللي حوالينا بعناية، على أمل نلاقي حتى لمحة من الراحة—شجرة تحمي، مكان متواضع، بس مفيش حاجة ظهرت. البرد القارص اخترق أجسامنا اللي بترتعش، وزود ألم جروحنا. كـ"ذئاب"، عندنا القدرة الطبيعية على الشفاء، بس عملية الشفاء للجروح العميقة دي واللدغات دي هتاخد وقت طويل عشان نتعافى.
الشفقة غمرتني وأنا بشوف ماما في الحالة دي، بس حاولت أجمع كلام عشان أواسيها. قعدنا في صمت وحيد على جانب الطريق، بنستنى نهاية العاصفة. ما حاولتش تجرني في كلام أو تقرب؛ بدل ده، فضلت منحنية، وبتعيط، وبتدور على الراحة في حضنها.
الليلة حسيتها بتخلصش، وبتجر في بطء وملل. بس، حتى في أعمق ظلام، الشمس بتشرق في النهاية. لما صحيت، لقيت نفسي متكتفة في حضن ماما، مش واعية خالص إن النوم غلبني.
لما لاحظت إني صحيت، ابتسامة خفيفة ظهرت على وشها، بس معاها لمحة حزن. عيونها لسة وارمة من كل الدموع اللي نزلتها. ما قلتش أي حاجة في المقابل؛ بدل ده، قمت على رجلي، ورتبت نفسي.
'يلا بينا,' قالت، وهي بتقف وبتقود الطريق.
'رايحين فين؟' سألت، وفضولي عن وجهتنا.
'أعتقد إني أعرف مكان,' ردت بلمعة أمل.
تبعتها وهي بتنحرف عن الشارع المزدحم ودخلت الغابات الهادية. مسحت اللي حوالينا، قلقانة إن حد يكون بيمشي ورانا.
بعد كل اللي حصل، كنت أعرف إن فيينا مش هتكتفي إنها تطردنا بس. عندها طبيعة انتقامية، وهتروح لأبعد الحدود عشان تخلي حياتنا أسوأ من اللي كانت في القصر.
مسيو، كمان، كان دايما مركز مع ماما ومعايا. في الأول، فكرت إنه بس قسوته، بس بعد كشف فيينا الليلة اللي فاتت، بدأت أشوف امتلاكه في نور جديد.
بس، مش متأكدة تماماً. بالرغم من غضبي على ماما، عندي احترام كبير ليها عشان أصدق إنها عشيقة مسيو. أعرف إنها حبت بابا بعمق، وموته كسرها. يبقى أنا متلخبطة.
خلاص قضيت وقت طويل بسأل أسئلة، بس دايما بتوصل إني أتجاهل أو أسبب مشاكل. مكنش ليا مزاج أتعامل مع ده، يبقى اخترت أفضل إني أفضل ساكتة. لو ماما كانت عايزة تتكلم، كانت هتتكلم، بس هي ما عملتش كده.
أخدنا فرصة عشان نبدأ من جديد، ومش عايزة أخربها. مش متأكدة لو دي خدعة من فيينا أو حاجة تانية خالص، بس هستغلها على أكمل وجه. عانيت كتير في حياتي، ودلوقتي مش عارفة لو دي جنة ولا شكل تاني من العذاب.
رجلي خلاص بتوجعني من ساعة ماشية، وعطشانة وجعانة. أنا ضعيفة جداً إني أخد خطوة تانية.
'سيرسي، بس شوية كمان,' ماما شجعتني، وهي بتلاحظ إرهاقي، وبتشجعني أكمل.
رجلي أخيراً استسلمت، ووقعت على ركبي. من غير تردد، ماما جريت على جنبي، بتقدم دعمها وبتساعدني أرجع أقف على رجلي.
'مش قادرة,' همهمت بضعف، وأنا مغلوبة بالإرهاق.
'شششش، كله تمام,' طمنتني، وصوتها مليان إصرار. 'نقدر نعمل ده.' ساعدتني أقوم بعناية، وبتقود دراعي حوالين كتفها عشان نشارك العبء.
مع بعض، وصلنا لمنظر غير متوقع—سكة قطر بتقطع في حقل هادي.
'إحنا فين؟' سألت، متفاجئة باللي حوالينا، وهي بتظبطني على جنب.
'لما أدي الإشارة، لازم ننط مع بعض,' شرحت، خليط من القلق والتشوق في صوتها.
'إيه؟' صرخت، متلخبطة من كلامها. هي قصدها إيه بالنط؟
'المكان اللي أعرفه على بعد تلات بلدات، ولازم نلحق القطر,' أوضحت، إحساس بالإلحاح تحت كلامها.
'معناش فلوس، يبقى لازم نعملها بالطريقة دي، تمام؟' بالرغم من لغزتي المستمرة، هزيت رأسي، مستسلمة لحقيقة موقفنا. مكنش عندي فكرة إذا كان عندي القوة أنط—يا دوب كنت قادرة أمشي.
بالرغم من إني كنت أتمنى أتحول وأصطاد، الخوف من إني أفوت القطر منعني. بدل ده، قعدنا على الجنب، بنستنى. الإرهاق في النهاية غلبني، وغفيت في النوم، بس صحيت على صوت عالي للقطر اللي بيقرب.
بسرعة، ماما أمرتني أستخبى في الشجر اللي حوالينا، بتضمن إننا نفضل مختفيين. القطر هدر، وأبوابه أغلبها مقفولة، ومحدودة اختياراتنا للصعود.
'هناك!' أشارت، بتوضح آخر عربية مفتوحة. جرينا ناحيتها من غير تردد، الخوف مسك قلبي، بس كنت واثقة في توجيهات أمي ضمناً.
'يلا بينا!' صاحت، كلامها كاد يضيع في صوت القطر العالي.
'واحد، اتنين، نط!' عيوني وسعت وأنا حسبت قفزتي خطأ، مقتنعة إني هقع. ووأنا بجهز نفسي للصدمة، غمضت عيني، بس حسيت بقبضة أمي القوية على إيدي.
نص جسمي دلى برة القطر، في الوقت اللي نصي السفلي فضل جوة. بشدة، ماما جذبتني لجوة العربة، وقفلت الباب ورانا. تنهيدة ارتياح خرجت من شفايفي لما جسمي كله كان بأمان جوة. كانت تجربة مروعة.
ماما ضحكت. ارتياحها كان واضح وهي بتحضني جامد.
'وصلنا!' صرخت وأنا بحاول أخد نفسي، ولسة بتعافى من اندفاع الأدرينالين المكثف.
وأنا بأخد بالي من اللي حوالينا، لاحظت صناديق كتيرة جوة العربة. ماما فحصتهم وبدأت تفتح كل واحدة، وكشفتي عن تشكيلة من الفاكهة الطازجة، والبيض، والفراخ الحية. اختارت فرخة وسلمتها ليا.
'محتاجة قوة؛ بقالك كتير ماصطدتيش,' شرحت. قبلت الفرخة من إيدها الممدودة، وبإيماءة تشجيع، حستني آكلها. أخدت نفس عميق، وبجهز نفسي، قبل ما أغرز أنيابي في جسم الفرخة. زي الكائن البري اللي أنا عليه، التهمتها بشراهة، بعوض قوتي.
بالرغم من إن الفراخ ما أشبعتش جوعنا بالكامل، وفرتهم سمحت لنا نشبع احتياجاتنا المباشرة. أكلنا لحد ما جوعنا سكت.
وأنا بحس بالرضا والامتنان، غفيت في النوم، وعارفة إن فصل جديد من رحلتنا هيتفتح قدامنا لما أصحى.