الفصل 108: خيانة أعز صديقة
من وجهة نظر ماريا
صحيت في غرفتي، وأنا بطلع تنهيدة خفيفة وأدلك ظهري برفق عشان أخفف الألم المزعج.
"اللعنة، توجع!" تمتمت بصمت.
جسمي كله كان يوجع كأن شاحنة كبيرة صدمتني وتركت علامة. والأكثر سوءًا، رقبتي كانت تنبض بألم يكاد لا يطاق.
حاولت أتذكر اللي صار. أيوه، هالبنت الحقيرة، فيينا، اللي ضربتني وخدرتني. بس بعدين، ليه أنا هنا في هالغرفة؟
كم نمت؟ ما قدرت أتذكر كم من الوقت فات. ليه سيرسي سمحت لفيينا تسوي كذا؟ حاولت أقوم من السرير، بس حسيت بالإحباط بس لأن جسمي ما كان متعاون معي زين.
فجأة، الباب انفتح، وكشف عن فرانك. وجهه كان يبين عليه الضيق بوضوح. شفايفه كانت مشدودة، عيونه فارغة، وأيديه في جيوبه.
مشى تجاه سريري بطريقة محسوبة، تصرفاته الباردة أعطت إحساس مشابه للقشعريرة اللي تسببها رقاقات الثلج وهي تنزل على العمود الفقري.
لما تلاقت عيوننا، حسيت كأن الحياة تنسحب مني. حدة هالمواجهة خلتني ما أشك للحظة إن في مشكلة.
"مـ مرحبًا،" قدرت أقولها، بشكل جريء بشكل مفاجئ. للأسف، تحيتي قوبلت بالصمت. نظراته ثبتتني في مكاني. يمكن كنت حاولت ابتسم وأكسر التوتر لو ما كان في ألم النبض اللي حسيت فيه. بس في وضعي الحالي، أي محاولات من هالنوع بتكون بلا فائدة.
"أنا آسفة،" تمتمت. الندم لف صوتي كهمسة آسفة يحملها النسيم. أحاول أجلس، وتوقعت مساعدة، بس تجاهل تأوهاتي المتألمة. استمر ينظر إليّ، غير متأثر بضيقي.
نظراته كانت قوية لدرجة إني اضطريت أصرف نظري، أحاول أهرب من الحدة النارية في عيونه.
بقي صامتًا كتمثال، ومرت الدقائق بلا نهاية. ما قدرت أفهم نواياه. هل كان يحاول يخليني أعترف عن طريق معاملتي ببرود حتى أنهار؟
"أنا آسفة،" قلت مرة ثانية، صوتي زي صوت جرو يطلب المغفرة.
"أنا بس... سيرسي هي... أنا..." الكلمات تعثرت من شفايفي، وفصاحتي المعتادة اختفت بشكل غير متوقع، زي طفل انصدم وهو يحاول يعبر عن أفكاره.
"ما عندي عذر،" نطقت مرة ثانية، صوتي يحاول يبين إنه قوي. جمعت بعض الشجاعة، وتلاقيت بعيونه، آملة أشوف حتى شوية تعاطف أو تفهم. بس ما كان فيه شيء. تعبيره بقي غير قابل للقراءة، مشابه لحارس حجري عند بوابات محصنة. ما كان عنده مشاعر، بس هالة قوة، جاهزة لأي معركة.
صمته كان زي بطانية ثقيلة تخفي كل شيء حولي. كل اللي قدرت أسمعه هو تنفسي ودقات قلبي الثقيلة.
ما قدرت أسمع أي صوت منه، ولا حتى تنفسه. أليس هذا ما جهز له طوال حياته؟ محارب مدرب يكون رشيق كالذئب.
"إيش؟ راح تضل واقف كذا؟" تمكنت من إخراج ضحكة خافتة ومتوترة. بس، ما كان فيه أي أثر للمرح على وجهه.
"ما راح توبخني؟ تقدم نصيحتك المعتادة، أو تفرغ إحباطك بالقدر اللي تبغاه،" الكلمات انسكبت من فمي، وهي تحمل تلميحًا للتوسل، شوقًا لأي ردة فعل.
"إيش أقول؟" تكلم أخيرًا، بس الكلمات كانت معلقة. صوته اخترق الصمت. كان باردًا، زي سماء فارغة واسعة.
"إني خربت الدنيا!!!" زمجرت، وهي تحمل إحباطًا واضحًا في صوتي. تحولت من إني عاقلة لإني أبدو زي طفل أُرسل لمكتب المدير.
"أنت تعرفي إيش سويتي. ليه لازم أقول أي شيء، إذن؟" رد فرانك، سخريته باردة زي تعبيره.
"هي صديقتي المفضلة!!" جادلت بسرعة، والحدة في صوتي كانت قوية، كأني آكد حقيقة عشان أحمي نفسي من غضبه.
"صديقتك المفضلة هربت تحت عينك،" رد، والكلمات تحمل نفس الحدة.
صرخت على أسناني، أحاول أبين إني قوية. الحقيقة، فمي كان ناشف، والدموع تهدد بالانهمار.
"ما توقعت إنها راح تتخذ هالعمل. هي بس كانت تبغى تتكلم مع فيينا،" بررت بصوتي اللي يرتجف وأنا أحاول أبرر أفعالي. مرة ثانية، ساد الصمت كحاجز لا يمكن تجاوزه، ويمنع أي فرصة أخرى للشرح.
لاحظت تغييرًا خفيفًا في نظراته، على الرغم من إنه أخفاه بسرعة.
"أنتِ تعرفين إنها ممنوعة من مغادرة غرفتها،" عبر ببطء، وكلماته تحمل وزنًا كبيرًا، وكأنه يبغاني أفهم خطورتها.
"هي مو سجينة. هي زوجة لوسيان،" عبرت بصوت صارم، أحاول أبرر أفعال سيرسي. شفتي فكه يشتد، وتعبيره يتغير.
"ولهذا السبب تحتاج إلى حماية!" حدق فيني. الآن، صوته يحمل تهيجًا، اللي أشعل أيضًا إحساس بالغضب داخل قلبي.
"أنا آسفة!" رددت، صوتي أعلى الآن، والدموع تنزل على وجهي.
"أنا آسفة بجد،" استسلمت للدموع. ضعفي مشابه لصراخ طفل. تعبيره الصارم تراجع، ووضعه الثابت تعطل بسبب خضوعي المفاجئ وسيل الدموع اللي تبعته.
"هي راحت بسبب أفعالي، وأنا آسفة بعمق،" كررت بيأس.
على الرغم من إني ما كنت متورطة مباشرة في التخطيط لهروبها، إلا إنه تحقق بسبب أفعالي. استغلت الفرصة اللي قدمتها بدون قصد.
نعم، أشعر بالخيانة. كأن سكين ملعون انغرز في ظهري. أعرف المساعدة اللي قدمتها لي سيرسي من قبل، بس هالمرة، أخذتها لمستوى مختلف تمامًا. تعاونت مع الشخص اللي كنا نحتقره تمامًا، نفس الشخص اللي حول حياتنا لكابوس حي.
ساعدتها في الكلام مع فيينا مو بس بسبب الدين اللي عليّ لها، على الرغم من إنه لعب دورًا. السبب الحقيقي هو إنها كانت صديقتي المفضلة، أقرب للـ أخت. حياتها كلها مبنية على الأكاذيب، وكيف كشفتي الحقيقة كان بعيدًا عن العدل. كانت تحتاج هالمحادثة مع فيينا عشان توضح الأمور. على أي حال، ما توقعت أبدًا إنهم راح يصيغون خطة هروب من هالنوع.
ضربي بقوة وتركني فاقدة للوعي كان جريمة خطيرة، خصوصًا بالنظر للمخاطر اللي تحملتها. كشفتي عن مهاراتي في الاختراق، وأظهرت قدراتي الكاملة لعمل إلهاء للحراس. هالخطوة أثرت على علاقتي بفرانك، ووضعت ثقة لوسيان في مشكلة، وحتى خاطرت بهويتي. ما أحاول أحسب الأعمال الجيدة، بس هي طعنتني بوحشية.
خيانها مو بس تأثر فيني؛ هي تعرض سلامتها للخطر، اللي هو شيء ما أقدر أتجاهله. عبء المسؤولية يثقل عليّ بشدة، وإذا صار لها أي ضرر، ما راح أقدر أسامح نفسي.
هالبنت الحقيرة ركضت مباشرة في أحضان الوحش اللي كانت تتجنبه طوال حياتها.
"راح أرجعها،" أعلنت بنبرة حازمة كأني أقدم وعدًا خطيرًا.
"أعتقد إنك سويتِ ما فيه الكفاية،" رد بسخرية جليدية. نظراته ثبتت في نظراتي قبل ما يستدير، ويقطع تواصلنا.
وهو يمشي، كأن جرح موازي يفتح في داخلي، وكل خطوة يخطوها تدفع بشفرة غير مرئية إلى قلبي.
"راح أرجعها، أيها الأحمق!" همست، وصوتي يتبعه وهو يختفي من نظري.