الفصل 116: عادوا
وجهة نظر سيرسي
أول أشعة الفجر طلعت فوق الأفق، قاعدة تلون الميناء المزدحم بلون ذهبي دافئ. أخيرًا لمسنا الأرض. بعد أسابيع من الإبحار، الوقوف على أرض صلبة من غير موجات بتتحرك، حسيت باختلاف.
أخدت نفس عميق، وأنا بأتنفس هوا البحر المالح بينما شمس الصبح بتدفّي وشي. شعري بيطير في الهوا، وصوت طيارة كبيرة فوقينا غطى على الأصوات التانية. على الرغم من إن وجهتنا، قصر مونستون، لسه ساعات بعيدة، وصلنا للجنوب.
عدد كبير من الحراس، لابسين لبس أسود، معاهم مسدسات ضخمة، واقفين جاهزين في الميناء. انحنوا باحترام وهم بيمروا من جنبنا، بيظهروا ولاء وطاعة يجننوا.
بصيت على فيينا، اللي كانت بتمشي بثقة قدام، ورافعا راسها لفوق. كانت عارفة العالم ده، ومجهزينها ليه من وهي صغيرة. على العكس، حسيت إني غريبة في عالم القوة والامتياز ده. صرفت نظري عن الحراس كأني مكسوفة أواجه نظراتهم.
"أهلًا بيكي تاني، يا سيدتي"، حيّا رجل عجوز فيينا بانحناءة. شكله الملكي، بما في ذلك بدلة مفصلة كويس وساعة جيب ظاهرة، كان دليل على غناه وتأثيره.
"شكرًا، يا لورد فيروش"، ردت فيينا بلطف. بعدين عيونه انتقلت لي، وبعتت قشعريرة مش مريحة في ضهري. عملت أحسن ما عندي عشان أثبت، وأنا بأخفي عدم راحتي بمظهر زائف.
"يا سيدتي"، كلمني بنفس الطريقة المحترمة، وانحنى تاني. تبادلت نظرة مربكة مع فيينا. حواجبها مقطوبة كانت بتوضح إنها مش مبسوطة من المعاملة المتساوية اللي بأخدها.
"بطل تناديني 'يا سيدتي'. مش لايقة عليا"، نطقت على طول.
لورد فيروش رفع حاجب. "أنتي أكبر بنات اللورد ريموس؛ طبيعي لازم نناديكي 'سيدتي'"، شرح بابتسامة ودودة، وعيونه بتلمع.
"هو مش أبوي"، رديت بأسناني، متوقعة تنكيت، لكن أخدت بس ضحكة مسلية منه.
"أنا أُبلغت إنك ممكن تكوني في حالة إنكار"، قال، ولسه مستمتع.
حسيت بتهيج بيقرّص تحت جلدي، وحواجبي متجمعة مع بعض. بدأت أرد، لكن فيينا قاطعت، وصوتها كان حاد شوية.
"هتاخدنا معاك، يا لورد؟"، سألت فيينا. لورد فيروش هز راسه.
"لأ، يا سيدتي، لازم أحضر. لكن، هأقابلك في قصر أبوكي"، رد.
"تمام، إذن. ممكن نشوفك هناك"، ردت فيينا بهز راس، والتوتر اللي في الجو اختفى.
"من فضلك، من هنا، يا سيدتي"، أشار لورد فيروش بلطف، بيورينا الاتجاه. فيينا قادت الطريق، وأنا تبعتها لما اقتربنا من الطيارة اللي مستنيانا.
على الرغم من إن فيينا بتخفي كويس، حسيت بعدم راحتها. طول عمرها بتكره إنها تتشبه بيا في تربيتنا، والمعاملة المتساوية اللي بأخدها من اللي بيخدموها، شكلها بيغيظها.
فضلت ساكتة، وسكاتها ضايقني لأول مرة في رحلتنا. كنت عايزاها تتكلم، حتى لو كلامها مش لطيف.
كنا ماشيين كويس مع بعض، بنتصاحب أكتر من أي وقت مضى. بس دلوقتي، رجعت لفيينا القديمة اللي فاكراها، مدللة، بتشتم، وصعبة التعامل معاها.
ردًا على غضبهها، اخترت إني أفضل ساكتة، مش عاوزة أوتر مزاجها. تبعنا الطاقم، اللي دخلونا الطيارة، وساعدونا نقعد على كراسينا. كانت أول مرة ليا في طيارة، بس الغريب، ما حسيتش بخوف.
في النهاية، أنا استحملت أسوأ من كده بكتير. إيه تاني ممكن أخاف منه؟
طول الرحلة، سلوك فيينا فضل وحش. ما اتكلمتش، ووشها ما بينش أي مشاعر، ولا حتى تعبيرها الحاد المعتاد.
الطيارة هبطت على المهبط اللي فوق قصر مونستون، حيث مسيو كان مستنينا. مجموعة من الحراس والخدم واقفين في تشكيلة قريبة.
لما فكينا أحزمة الأمان، وخرجنا السماعات، فيينا جريت على مسيو بحماس طفل بيلم شمله مع أب ضاع زمان. حضنته جامد، ومسيو رد العاطفة بفركة لطيفة على ضهرها.
"بابا"، همست فيينا، وصوتها مليان مشاعر. ما قدرتش أمنع نفسي من إني الاحظ قوة حضنهم، اللي بتتكلم عن علاقة عميقة. عيون مسيو بتلمع بدفء وهو بيلاطف خدودها بلطف.
"كنت على وشك إني أبعت حراسي على الشمال"، هزأ بخفة. فيينا قدرت تطلع ضحكة صغيرة، على الرغم من إن عيونها كانت محمرة من اللي بيظهر إنها دموع مكبوتة.
نظرة مسيو انتقلت من فيينا ليا. كنت واقفة خطوات قليلة وراها، بأراقب لم شملهم بمشاعر مختلطة.
"أنا فخور بيكي، برنسيسة"، قال مسيو، وهو بيقبض على خدود فيينا بحنان.
اقتربت منهم بخطوات لا هوادة فيها. راسي مرفوعة لفوق، كل خطوة بترن بشجاعة قوية. اخدت كل أوقية شجاعة عشان ما أهتزش، لإن كنت بمشي على الشخص اللي حاولت بأقصى ما عندي أهرب منه مرات كتيرة. كان هو اللي اغتصب أمي وأخد حياة أبويا، والحقيقة المؤلمة اللي ما قدرتش أنكرها تاني إنه كان أبويا الحقيقي. العالم، فعلاً، ممكن يكون قاسي بشكل يقطع القلب.
"سيرسي"، نادى على اسمي، ولو كنت أهبل، ممكن أكون غلطت التون ده بحاجة أبوية تقريبًا.
نفسي اتقطعت لما فاجأني بحضن جامد. بصيت على فيينا، اللي ابتسامتها اختفت، واتبدلت بنظرة حادة.
حضنه استمر بس لحظات قليلة قبل ما يحررني وياخد إيدي.
"أنا فرحان جداً إنك رجعتي"، أعلن، والدموع بتلمع في عينيه. كان لازم أقاوم إني أضحك على رؤية الدموع دي.
التعبير البارد، اللي مش بيتحرك، فضل محفور على وشي. ما اختفاش أبداً، ولا حتى قدام الأداء الدرامي اللي هو بيقدمه.
إيديه كانت دافية و خشنة على إيدي.
"شكرًا إنك رجعتي أختك، يا فيينا"، قال، وهو بيحول نظراته ناحيتها.
فيينا غيرت بسرعة نظرتها الحادة لابتسامة مجبرة.
"أنت تعرف، هاعمل أي حاجة عشانك، يا بابا"، ردت بلطف، على الرغم من إن كلامها كان فيه تلميح مخفي.
"عيلتي كاملة مرة تانية"، ضحك بقلب.
"فلنحتفل، يا جماعة! بناتي رجعوا!"، أعلن، وهو بيلقي ابتسامة دافية على أعضاء دائرته الداخلية.
التصفيق ملأ الجو، مع كلمات الترحيب الدافئة الموجهة ليا.
ابتسامة فيينا فضلت مجبرة بينما أنا فضلت محتفظة بمظهري الجامد والغير متأثر. ناس كتير أوي، كدب كتير أوي. كان ممكن تبقى اللحظة المثالية إني أدق خنجر في قلبه لو كان فيه شوية ناس بس، لكن التوقيت كان كل حاجة.
هلعب اللعبة دلوقتي، بأستنى اللحظة المثالية عشان أنهي حياته.